كوفيد-19 يحاصر دور النشر العربية

/ 18-05-2020

كوفيد-19 يحاصر دور النشر العربية

على غرار ما حصل في أجزاء أخرى من العالم، انتشر مرض كوفيد-19، الناجم عن فيروس كورونا المستجد، بشكل غير متساوٍ في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ أصاب بعض المناطق بشدة فيما تجنّب مناطق أخرى بالكامل تقريبًا. أما بخصوص عالم النشر العربي المترابط، فقد اهتزّ وضع جميع دور النشر العربية بسبب عمليات إغلاق فيروس كورونا، من المغرب وحتى عُمان والبحرين.

ناقشت ندوة لمؤسسة “ناشرون بلا حدود” عُقدت في 2 أيار/ مايو عبر تطبيق زووم التحديات الخاصة التي يواجهها الناشرون العرب في الوقت الذي تكافح فيه الدول حول كيفية الاستجابة لهذا الوباء.

أشار الناشرون المشاركون في الندوة إلى أن إلغاء معارض الكتب الإقليمية والدولية منذ أوائل آذار/ مارس شكل تحديًا رئيسيًا. تحتل المعارض قلب تجارة الكتب العربية، وفي غياب شبكات توزيع موثوقة، يبقى العديد من الناشرين العرب مشتّتين من خلال حمل كتبهم من معرض إلى آخر في جميع أنحاء المنطقة. قال شريف بكر، من دار العربي للنشر والتوزيع المصرية،  “توقّف هذا، وبهذا توقّف كل شيء.”

أقيمت معارض الكتاب التي تعقد تقليديا في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير في وقتها المحدد. لكن، بعد انتهاء معرض مسقط في عُمان، في 7 آذار/ مارس، بدأ الإلغاء. إذ تم إلغاء معرض لندن للكتاب الضخم، الذي كان من المقرر عقده في الفترة ما بين 10 إلى 12 آذار/ مارس، حيث كان من المفترض أن تشكل صناعة النشر في الشارقة “محور تركيز المعرض”. أعقب ذلك إلغاء معرض البحرين الدولي للكتاب (25 آذار/ مارس إلى 4 نيسان/ أبريل)، وكذلك معرضي الرياض (2-11 نيسان/ أبريل) وأبو ظبي (15-21 أبريل). كما تم إلغاء أو تأجيل معارض الكتب المتخصصة والإقليمية.

حتى قبل تفشي وباء فيروس كورونا، كانت صناعة النشر في بعض البلدان تشهد أزمة بالفعل. إذ تم تأجيل معرض بيروت العربي الدولي للكتاب لعام 2019 بسبب موجات الاحتجاجات ضد الفساد التي شهدتها في البلاد. لا تبدُ رانيا المعلم، مديرة تحرير دار الساقي للنشر في بيروت، متفائلة بشأن المستقبل.

“أزمة دور النشر موجودة قبل الوباء، لكنها تفاقمت اليوم، حيث توقفت المبيعات تمامًا، وتوقفت الطباعة والنشر، وألغيت جميع معارض الكتب.

رانيا المعلم   مديرة تحرير دار الساقي للنشر في بيروت

قالت المعلم، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، “أزمة دور النشر موجودة قبل الوباء، لكنها تفاقمت اليوم، حيث توقفت المبيعات تمامًا، وتوقفت الطباعة والنشر، وألغيت جميع معارض الكتب. يُضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية التي نواجهها في لبنان وحجب البنوك للأموال. نحاول اليوم التركيز على مبيعات الكتب الإلكترونية والكتب المسموعة، ولكن المبيعات صغيرة جدًا ولن تسمح لنا بالاستمرار إذا استمرّ الوضع الراهن.”

متى سيتأنف العمل؟

أدى انعدام اليقين بشأن موعد استئناف المعارض وإعادة فتح المكتبات إلى تعقيد خطط الناشرين. لا يزال موقع معرض أبوظبي للكتاب يبشر بالعودة في نهاية شهر أيار/ مايو. فيما نشر معرض بغداد الدولي للكتاب بيانا أعلن فيه تأجيل المعرض إلى تاريخ لاحق من “تجاوز أزمة فيروس كورونا”، في حين ترد كلمة “قريبًا” فقط على موقع معرض الرياض الدولي للكتاب. لا يزال معظم الناشرين العرب يعقدون الآمال على أن تُقام معارض الكتاب في الخريف – في عمّان والجزائر والكويت وجدة – وفق ما هو مخطط لها.

قال سليم الإبراهيمي من دار نشر Z-Link الجزائرية إنه إذا ما أعيد فتح الأمور “قبل معرض الجزائر الدولي للكتاب الذي سيُعقد في تشرين الأول/ أكتوبر، ستكون هناك فرصة لحدوث انتعاش. إذا استمرت أزمة كوفيد-19 إلى ما بعد ذلك، فستكون العواقب مأساوية.”

زائر في معرض القاهرة الدولي للكتاب. (الصورة: نتاليا سيليفرستوفا، سبونتيك/أسوشيتدبرس)
زائر في معرض القاهرة الدولي للكتاب. (الصورة: نتاليا سيليفرستوفا، سبونتيك/أسوشيتدبرس)

سمحت بعض البلدان بإعادة فتح متاجر الكتب، مثل لبنان ومصر، بينما لا يزال كل شيء، في المغرب على سبيل المثال، مغلقًا تقريبًا. تواصل بضع مكتبات عملها في أكبر مدن المغرب. ومع ذلك، تغيرت أنماط الشراء. قالت كنزة الصفريوي، المؤسسة المشاركة لدار نشر أون توت ليتر En Toutes Lettres، أن المكتبات لا تطلب منها كتبًا جديدة. قالت، “يطلب الناس بشكل أساسي الكتب الرومانسية، والقصص البوليسية، وكتب تحسين المزاج (ولا يبحثون عن الصحافة السردية حول القضايا الاجتماعية المظلمة، لاسيما في هذه الأوقات العصيبة).”

في ندوة “ناشرون بلا حدود”، قال علي عبد المنعم، استشاري النشر المصري، إنه شاهد أيضًا أن أعمالاً من قبيل الكتب الرومانسية وكتب الإثارة – تلقى رواجًا أكبر، جنبًا إلى جنب مع كتب التطوير الشخصي وإدارة الأعمال.

الحلول الرقمية

استجابت العديد من الأحداث الأدبية للإغلاق بالانتقال إلى الإنترنت. كان المنظمون في الإمارات العربية المتحدة من بين الأسرع في الإعلان عن نقل الأحداث إلى الإنترنت. من المقرر أن يستمر مهرجان الشارقة للقراءة الافتراضية في الفترة من 27 أيار/ مايو إلى 5 حزيران/ يونيو، فيما استضاف معرض أبوظبي الدولي للكتاب مؤخرًا ندوة عبر الإنترنت للتطوير المهني بعنوان “النشر الصوتي والإلكتروني: منصات بديلة“.

في الماضي، كان العديد من الناشرين العرب بطيئين في تبني الحلول الرقمية، مستشهدين بحجج القرصنة فضلاً عن التحديات التقنية. لكن ذلك تغير الآن.

“جربنا التسويق الإلكتروني، ونقوم بتقديم فصول مجانية على مواقعنا الإلكترونية وفي الصحف، نقدم الكثير من العروض للكتب الإلكترونية.”

شريف بكر   دار العربي للنشر والتوزيع المصرية

قالت تغريد النجار وسلوى شخشير، من دار السلوى الأردنية في رسالة إلكترونية مشتركة، “أدرك الكثيرون أنهم لم يكونوا على دراية بالكتب الإلكترونية. قامت جمعية الناشرين الأردنيين بدراسة لمعرفة عدد الناشرين الذين يمتلكون كتبًا إلكترونية، وأدركوا أن الكثيرين ليس لديهم مثل تلك الكتب. وقد قدموا ندوة افتراضية حول أهمية ذلك.”

قال بعض الناشرين، مثل شريف بكر، إنهم يضغطون بقوة أكبر على التكنولوجيا الرقمية. قال “جربنا التسويق الإلكتروني، ونقوم بتقديم فصول مجانية على مواقعنا الإلكترونية وفي الصحف، نقدم الكثير من العروض للكتب الإلكترونية.” لكنه أضاف بحذر، مشيراً إلى أنه مع بداية شهر رمضان “يتوقف كل شيء. … إنه وقت نتوقع فيه انخفاض كل الأشياء، لذلك، لا يمكنك بناء مقارنات اعتمادًا على شهر رمضان.”

لكن الناشرة المغربية كنزة الصفريوي بدت أقل تفاؤلاً بشأن الكتب الإلكترونية. قالت “نعمل حاليًا على تطوير كتالوجنا الرقمي، لكننا لا نتوقع مبيعات رائعة، لأن الناس غير معتادين على ذلك، وليس هناك فرصة للتغيير قريبًا.”

عالم ما بعد الإغلاق

أضافت الصفريوي أن التحديات الرئيسية ستأتي بعد رفع عمليات الإغلاق. قالت “سيكون التأثير الاقتصادي قويًا جدًا. عندما يفقد الكثير من الناس وظائفهم ويفتَقرون إلى الاحتياجات الأساسية، كيف يمكننا أن نثير اهتمامهم لشراء الكتب؟”

وبحسب الناشر الجزائري سليم الإبراهيمي، فإن العديد من الناشرين المحليين قد صرفوا الموظفين بالفعل “بمنحهم إجازة غير اختيارية أو وضع بطالة جزئية”.

من بين الأشياء الأخرى المجهولة كيفية تأثير سياسة شدّ الأحزمة في المدارس والجامعات على قطاع النشر. قالت الناشرتان الأردنيتان نجار و شخشير “الخوف أن تعاني المدارس والجامعات أيضاً من صعوبات اقتصادية وقد لا تخصص أموالاً للكتب. هناك خوف متزايد بين الناشرين من أن يؤدي توجه المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت إلى خفض الحاجة إلى الكتب الورقية.”

يعتقد جميع الناشرين تقريبًا ممّن تحدثوا مع الفنار للإعلام أنهم يعملون على تغيير نموذج أعمالهم بطريقة ما. قال بكر إن دار النشر كانت تستخدم هذه الفترة “لإجراء تغيير داخلي على كل المستويات”. وأضاف أن الوباء قد يقود لحدوث تغييرات دائمة في واقع النشر العربي. قال “قد يتغير نموذج العمل بالكامل.”

على الرغم من أن البعض، من أمثال بكر، كانوا متفائلين، لم يعرب أي ناشر عن يقينه بشأن المستقبل.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام