fbpx


العلمي أو الأدبي ومعضلة امتحان التوجيهي في الأردن

/ 18-05-2020

العلمي أو الأدبي ومعضلة امتحان التوجيهي في الأردن

خلال زيارتي للأردن الصيف الماضي، لاحظتُ وجود تجمّع صاخب للعائلات في الشوارع، ورش الرغوة في الهواء وإطلاق أبواق تنبيه السيارات مع انتهاء ضغوط ليالي السهر الطويلة وتواريخ الامتحانات التي تلوح في الأفق. كانوا يحتفلون بانتهاء امتحان التوجيهي، وهو الصف الأخير من المدرسة الثانوية التي تختتم بالامتحان التوجيهي، الذي يقيس النجاح في المدرسة الثانوية ويحدد الدخول إلى الجامعة وما يمكن للطلاب دراسته.

أثناء العطلة، اجتمعتُ مع أفراد عائلتي للاستماع إلى نتائج الطلاب المتفوقين في البلاد.

كانت تجربتي في المدرسة الثانوية مع الشهادة العامة الدولية للتعليم الثانوي (IGCSE) والمنهج البريطاني للمستويات A، التي درستها في عمّان.

لكن، بمعرفتي أن معظم أقاربي في الأردن درسوا التوجيهي، انتابني الفضول لمعرفة كيف كانت تجاربهم. عندما سألت عمي، الذي كان الخامس في ترتيب الطلاب المتفوقين على مستوى الأردن في وقته، عن رأيه في النظام، وصفه بكلمة واحدة: عصيب.

هناك العديد من الاختلافات بين نظام التوجيهي والمنهج البريطاني الذي درسته. على سبيل المثال، قبل دخول الطلاب إلى الصف التوجيهي، يتوجّب على الطلاب الأردنيين أن يقرروا “مسار” المنهج الدراسي الثانوي الوطني، سواء كان علميًا أو أدبيًا أو تقنيّا أو إداريًا.

مع ذلك، على النقيض من المستويات A، حيث يدرس الطلاب ما يصل إلى أربعة مواد في العامين الأخيرين من المدرسة الثانوية، يدرس طلاب التوجيهي ما يصل إلى عشر مواد، والتي يمكن أن تكون متنوعة جدًا في طبيعتها وغير مرتبطة تمامًا ببعضها البعض، مثل الاقتصاد والكيمياء والفيزياء والفن.

مع ذلك، تساءلت عن السبب الذي يجعل الأردنيين يرون التوجيهي وكأنه مسألة كبيرة. في النهاية، أليس الأمر مجرد مدرسة ثانوية؟ ولكن عندما تحدثت إلى أقاربي، لاحظت أن للأهمية التي يولونها للمسألة علاقة كبيرة بالتسميات المرتبطة بالفروع المختلفة. في نظرهم، يُنظر إلى الطالب الذي يحقق نسبة عالية في الفرع العلمي على أنه طفل العائلة الذهبي.

يسلط هذا الضوء على قضية رئيسية متجذرة في المجتمع الأردني اليوم، وهي قوة التصنيفات. ناقشتُ هذه المسألة ذات مرة مع زميلة في جامعة اليرموك في الأردن، حيث بدأتُ فصلي الدراسي الأول في عام 2016، قبل الانتقال إلى جامعة السلطان قابوس في عُمان. ذكرت الزميلة مدى أهمية دخولها أحد الاختصاصات العلمية، لأنها كانت تخشى أن يتم وصفها بأنها غير قادرة أو كسولة إذا ما اختارت فرعًا مختلفًا.

عندما تحدثت إلى أقاربي، لاحظت أن للأهمية التي يولونها للمسألة علاقة كبيرة بالتسميات المرتبطة بالفروع المختلفة. في نظرهم، يُنظر إلى الطالب الذي يحقق نسبة عالية في الفرع العلمي على أنه طفل العائلة الذهبي.

لقد فوجئتُ، لأن أعمال المؤلفين والشعراء المشهورين – من أمثال نجيب محفوظ وجبران خليل جبران وحتى الأخوين الرحباني، الذين ألفوا معظم أغاني فيروز – كانت تحظى بتقدير كبير في جميع أنحاء العالم العربي.

يوضح تعليق زميلتي السابقة أيضًا أسطورة أخرى أبتلي بها المجتمع الأردني، تربط ذكاء الطلاب بمجموعة التوجيهي التي يختارونها؛ وبذلك يعتبرون الطلاب الذين درسوا الفرع “الأدبي”، كسالى، وغير ماهرين، وليسوا أذكياء بما يكفي لدراسة الفرع “العلمي”.

خلال شهر رمضان الماضي في الأردن، أقمنا “وجبة إفطار”، وهي وجبة المساء التي ينتهي بها يوم الصيام، ودعونا أصدقاء العائلة للمشاركة. بدا الطعام فاتنًا حقًا والجهود التي بذلت اليوم تستحق النقاش، لكنني لاحظت أن الضيوف كانوا أكثر اهتمامًا بمناقشة طلاب التوجيهي ونتائجهم. مقارنة بالسنوات السابقة، كان معدل درجات العديد من الطلاب في جميع أنحاء البلاد مرتفعًا جدًا. تذكرتُ بشكل خاص تصريح إحدى الضيفات بأنها تفضل رؤية أطفالها دون المستوى المطلوب في الفرع العلمي أكثر من أن يكون أداءهم جيدًا في الفرع الأدبي. بحسب رأيها، سيكون من السهل تفسير الحصول على درجات منخفضة في المسار الذي يعتقد الجميع أنه أكثر صرامة للعائلة والأصدقاء.

من المهم أن نلاحظ ، مع ذلك، أن هناك أنواعًا مختلفة من الذكاء، سواء أكان ذلك في المجالات الرياضية أو الشخصية أو الموسيقية أو اللغوية، من بين أمور أخرى. وهذا شيء لم يتم التأكيد عليه بما فيه الكفاية في المجتمع الأردني.

لسوء الحظ، بالنسبة للعديد من الطلاب، فإن قرار اختيار مجال للدراسة يتلخص في مفهوم الوجاهة الاجتماعية.

قد يعتقد الناس أن الطالب الذي يختار دراسة الفرع الأدبي يتمتع بقدرات محدودة، مقارنة بأولئك الذين اختاروا دراسة الفرع العلمي. لكن المهارات اللغوية مهمة أيضًا. هل ستكون قادرًا على صياغة جملة مناسبة بدون مدرس لغة، أو نشر ورقة البحث الخاصة بك في مجلة دولية بدون مترجم ومحرر محترف؟

لسوء الحظ، بالنسبة للعديد من الطلاب، فإن قرار اختيار مجال للدراسة يتلخص في مفهوم الوجاهة الاجتماعية. إذ تمنح فكرة وجود طبيب أو عالِم أو مهندس في الأسرة بشكل أساسي الصورة اللامعة للعائلة الأردنية المثقفة والمتماسكة. ولا يعني هذا، بالطبع، التقليل من شأن الطلاب الذين لديهم ميل طبيعي نحو دراسة العلوم. إذا كان هناك شيء لتشجيعه، فأنا أشجع على متابعة المجال الذي يتناسب جيدًا مع مساعي المرء المستقبلية، لأنني أشجع التميز في كل مجال.

من ناحية أخرى، هناك العديد من الأشخاص البارزين الذين برعوا في المجالات الأدبية، مثل إدوارد سعيد، الأستاذ الفلسطيني-الأميركي للأدب والنقد الأدبي، الذي اشتهر بكتابه الاستشراق. ومن يستطيع أن ينسى مصطفى العقاد، المخرج السوري الأميركي لأفلام مثل الرسالة، الفيلم الذي صوّر حياة النبي محمد ونقلها للعالم الناطق بالإنجليزية.

ومع ذلك، كيف يمكن تحقيق مثل هذا التمييز إذا ما أجبروا على دراسة مساقات التوجيهي التي لم يكونوا يجدونها غير مثيرة للاهتمام في المقام الأول؟

عندما ألقيت نظرة على الفصل الدراسي الأول في جامعة اليرموك، تذكرتُ إحدى زميلاتي في الدراسة وهي تدافع عن أسباب اختيارها دراسة تخصّص الأدب الإنجليزي. صرخت قائلة أن درجاتها في التوجيهي كانت في الثمانينيات، وهي عالية بما يكفي لقبولها في أي كلية هندسة قد ترغب بها. واستطردت قائلة إن دراسة اللغة الإنجليزية كانت خيارها البحت، لكن ما لم أفهمه هو شعورها بالحاجة لتبرير اختيارها وذاتها.

ويكشف هذا بدوره عن المشكلات الأعمق التي ترافق النظرة الأدنى للفرع الأدبي: إذ تتأثر ثقة الطالب بنفسه بسبب النقد السلبي العام تجاه المجلات الأدبية، وقلة تشجيع الطلاب على اختيار المسارات التي تكمل أفضل مؤهلاته.

مع ذلك، لم تقتصر الأحاديث التي سمعتها طوال الفصل الدراسي على الطلاب الذين درسوا الفرع العلمي فحسب. خلال إحدى محاضراتي، قالت طالبة ذات خلفية أدبية لأستاذنا بصراحة أنها كانت ستدرس مجال الإعلام أو الاقتصاد أو الأنثروبولوجيا لو لم تدفعها أسرتها لدراسة تخصص اللغة الإنجليزية. وذلك لأنهم اعتبروه “زبدة” التخصصات الأدبية، وكانوا يعتقدون أن أصحاب العمل في المستقبل سوف يفضلونها على شخص حاصل على درجة علمية في العلوم السياسية.

جعلني هذا بدوره أشعر أن للعديد من الأردنيين نظرة خاطئة تجاه المجالات الأدبية بشكل عام. لماذا ينبغي للمرء أن يهدد نقاط قوته بهدف حماية نفسه من آراء وأحكام المجتمع؟

عندما تقرر المواقف العامة في نهاية المطاف مصير طلاب الصفوف المنتهية في المدرسة الثانوية، تتم إعاقة محاولات الشباب لتحقيق التألق طوال مسيرتهم الفريدة. بهذا، أتمنى فقط أن تكون أصواتنا ذات يوم عالية وجريئة بما يكفي لتشجيع الشباب الأردني على اكتشاف نقاط قوتهم ودراسة ما يرونه مناسبًا لأنفسهم لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم.

سارة عبد الهادي، أردنية كندية تعيش في الخليج وتخرجت مؤخرًا من جامعة السلطان قابوس في عُمان حيث تخصّصت في الأدب الإنجليزي.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام