التحول إلى التعليم عبر الإنترنت يفاقم عدم المساواة في المنطقة العربية

/ 01-05-2020

التحول إلى التعليم عبر الإنترنت يفاقم عدم المساواة في المنطقة العربية

يتسبب التحول الأخير نحو التعليم عبر الإنترنت، بسبب انتشار وباء كورونا المستجد، في زيادة عدم المساواة في الوصول إلى التعليم بين طلاب الجامعات في المنطقة في ظل تباين واقع انتشار وسرعة شبكة الإنترنت لكل دولة، إضافة إلى إمكانية امتلاك حواسب شخصية وهواتف ذكية.

إذ يعاني الطلاب اللاجئون وذوي الدخل المحدود وسكان المناطق الريفية والنائية من صعوبات كبيرة في الانخراط في العملية التعليمية عبر الإنترنت، في حال كان لديهم الإمكانية أصلا للولوج إلى الشبكة العنكبوتية.

تبدو “الفجوة الرقمية” حادة للغاية لدرجة تدفع بعض الأساتذة والطلاب للمطالبة بإيقاف التحول نحو هذا النوع من التعليم رغم صعوبة العودة للتعليم التقليدي في ظل استمرار انتشار الوباء.

قال عبد القادر حمودني، أستاذ الرياضيات في الجامعة التونسية الحكومية، إن عدد من طلابه أبلغوه عدم قدرتهم على متابعة الدراسة عبر الإنترنت لعدم امتلاكهم لحواسب الية أو هواتف ذكية، “كنت أفكر بالبدء بتقديم بعض الدروس على الإنترنت، لكنني تراجعت. لا بد من وجود فرص وصول متساوية أمام الجميع.”

بالطبع، يتفاوت الحال بين الدول الغنية والفقيرة في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تغطي شبكة الإنترنت دولة قطر بالكامل، في حين لا تغطي أكثر من 30 في المئة في السودان.

ينعكس ذلك على تجربة تعلم الطلاب.

قالت ديما محمد، الطالبة بالسنة الثالثة قسم عمارة بكلية الهندسة بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة في البحرين، “التعليم الإلكتروني فرصة رائعة ومفيدة، نحن في المنزل في أمان والمحتوى الدراسي متاح بين أيدينا طوال الوقت وهناك العديد من التطبيقات التي يمكن استخدامها للتواصل مع الأساتذة وحتى الطلاب.”

تمتلك محمد جهاز لاب توب خاص بها، كما أنها لا تواجه أي مشكلة تتعلق بسرعة الإنترنت المتاحة في بلدها أو تكلفته.

“شبكة الإنترنت سيئة والكهرباء مقطوعة بإستمرار ومعظم الطلاب لايمتلكون حواسب شخصية.”

زينب الهواري   طالبة بالسنة الثالثة في كلية الصيدلة جامعة النيلين الحكومية

في المقابل، تواجه زينب الهواري، طالبة بالسنة الثالثة في كلية الصيدلة جامعة النيلين الحكومية، صعوبة في الولوج إلى شبكة الإنترنت.

قالت “شبكة الإنترنت سيئة والكهرباء مقطوعة بإستمرار ومعظم الطلاب لايمتلكون حواسب شخصية.” مشيرة إلى وجود ولايات كثيرة لم يتم تغطيتها بشبكة الإنترنت. قالت “لدينا زملاء في دارفور ليس لديهم القدرة على التواصل مع أهلهم حتى عبر الهاتف.”

مؤخراً، شهد التحول نحو التعليم عبر الإنترنت دعماً كبيراً من قبل الكثيرين الذين يعتقدون أن الظروف الحالية تتيح فرصة لهذا النوع من التعليم في المنطقة التي طالما همشته ورفضت الاعتراف به. (اقرأ التقرير ذو الصلة: وباء كورونا يعيد الاعتبار للتعليم الإلكتروني).

تفاوت في الوصول والسرعات

يتوافق وضع الطلاب العرب مع حال 826 مليون طالب من مختلف دول العالم لا يمتلكون حواسب خاصة بهم ويواجهون صعوبات في استمرار التعلم عبر الإنترنت، بحسب تقرير جديد لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. كما يعيش حوالى 56 مليون شخص في طور التعليم في أماكن لا تغطيها شبكات الاتصال بالهاتف المحمول، نصفهم تقريبا في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء بحسب التقرير. في المنطقة العربية، فيبلغ عدد مستخدمي الإنترنت، بحسب بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، 51.6 في المئة من إجمالي السكان في عام 2019، أي أن حوالي نصف سكان المنطقة غير متصلون بشبكة الإنترنت.

وعلى الرغم من وجود 304.5 مليون اشتراك في خدمة الهاتف المحمول في المنطقة،  بحسب  تقرير سنوي صدر عن منصة إدارة وسائل التواصل الاجتماعي هوت سويت مطلع 2019، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية توظيف ذلك في العملية التعليمية عبر الإنترنت والتي تحتاج إلى سرعة جيدة نسبياً.

لا تتوفر بيانات لكل الدول العربية كاليمن وغيرها من الدول التي لا تظهر في الخرطية أعلاه. تصميم: انفوتايمز، المصدر: Internet World Stat

تحتل الإمارات العربية المتحدة المركز الأول من حيث سرعة الإنترنت في قائمة الدول العربية، بنحو 90.57 ميجا، مُحتلة بذلك المركز الـ30 عالميًا  بين 177 دولة، بحسب موقع “سبيد تست” المتخصص بقياس سرعة الإنترنت حول العالم. تليها قطر في المركز الـ40 بنحو 73.94 ميجا، ثم الكويت في المركز 44 مسجلة 65.92 ميجا، كما حلت السعودية في المركز 53 بسرعة 52.93 ميجا. بينما حلت كل من العراق واليمن والجزائر والسودان في المراكز الأخيرة  بسرعات لا تتجاوز 8 ميجا.

العبء المادي

يلعب السعر دوراً حاسماً في عملية الحصول على خدمة إنترنت ذات جودة عالية تناسب احتياجات التعليم الإلكتروني والذي يعتمد بصورة كبيرة على مشاهدة الفيديو وتنزيل وتحميل ملفات بصيغ مختلفة. ينمو انتشار النطاق العريض بسرعة عندما ينزل مستوى سعر التجزئة إلى أقّل من 3-5 في المئة من مستوى الدخل الشهري، بحيث يكون في متناول الجميع، بحسب دراسة للبنك الدولي.

في المنطقة، يمثل سعر النطاق العريض الثابت 3.6 في المئة من متوسط الدخل الشهري للفرد الواحد، بينما يبلغ سعر النطاق العريض النقال عند 7.7 في المئة. لكنه يتجاوز في دول مثل  جيبوتي و سوريا و اليمن بكثير عتبة 5 في المئة.

يعتمد تحليل القدرة على تحمل التكاليف على النسبة المئوية للدخل المتاح التي تحتاج إليها الشريحة ّ الأكثر فقرا من السكان لتحمل نفقات خدمة النطاق العريض للإنترنت. فعلى سبيل المثال،  تحتاج عائلة ممثلة للأربعين في المئة من الفئات الأقل دخلا في المغرب، إلى 33 بالمئة من دخلها للحصول على النطاق العريض للهاتف المحمول و30 في المئة من دخلها للحصول على النطاق العريض الثابت، بحسب دراسة البنك الدولي.

something didnt work here
تصميم: انفوتايمز.

في تونس، يحتاج أفقر 41 بالمئة من السكان إلى إنفاق أكثر من 40 في المئة من دخلهم للحصول على خدمات النطاق العريض الثابت أو النقال. وفي اليمن، يحتاج أفقر 40 في المئة من السكان إلى إنفاق أكثر من 51 على خدمات النطاق العريض النقال و 46 بالمئة للثابت.

قال غسان بن الشهيب، الباحث المغربي المتخصص في منصات التواصل ومستشار وزير الشغل والإدماج المهني بالمملكة المغربية، هذه المصروفات الإضافية التي لم يكن مخططاً لها تزيد من الأعباء المالية على مئات الأسر في ظل ظروف اقتصادية حرجة،” مشيراً إلى أن  قرار الحكومة المغربية بإتاحة الولوج للمواقع التعليمية بالمجان أمر جيد.

قال “ظهرت مشكلات أكبر من ذلك، تتمثل في ارتباط الأساتذة والمنصات التعليمية بشبكات التواصل الاجتماعية كواتس أب، أو يوتيوب، والتي لا تشملها المجانية.”

تشكل التكلفة عبئاً على العديد من الطلاب والأساتذة على حد سواء.

يقطن محمود سعيد، الطالب في السنة الثالثة بكلية الحقوق جامعة أسيوط محمود في قرية المدور 40 كم جنوب المدينة  مع أسرته المكونة من ثمانية أفراد ويعمل والده كمعلم بمدرسة القرية بأجر شهري يصل إلى 2820 جنيهاً (180 دولار أميركي). لا يملك سعيد جهاز كمبيوتر خاص به ويستخدم هاتفه المحمول للدخول على شبكة الإنترنت.

قال “عندما تحتاج إلى 10 في المئة من راتب والدك فقط لتشغيل الإنترنت المنزلي سيكون التعليم نوعاً من الرفاهية لا أستطيع تحقيقها.” (اقرأ التقرير ذو الصلة: الكتب الإلكترونية عوضاً عن الورقية في الجامعات المصرية).

“لسنا مستعدين لهذا التغيير المفاجئ. لا يوجد أي إستفادة علمية و تعليمية حقيقية من استمرار المحاولة الحالية للتعليم عن بعد في ظل ضعف البنية التحتية ونقص التدريب اللازم لأطراف العملية التعليمية.”

عبد العظيم الجمال   أستاذ المناعة والميكروبيولوجي بجامعة قناة السويس

في اليمن، التي مزقتها الحرب الطويلة، يُنظر إلى أي محاولة للانتقال إلى التعلم عبر الإنترنت أيضًا بعين الشك. حتى الأن، تم الإعلان عن خمس إصابات بالفيروس. ويعتقد الأساتذة أن التعلم عبر الإنترنت يزيد من الفجوة بين الجنسين في الحصول على التعليم

قال طارق المرحبي، معيد في قسم الحاسب والشبكات في كلية العلوم التطبيقية جامعة حجة الحكومية في اليمن، “شبكة الإنترنت ضعيفة وتكاليفها مرتفعة، كما أن هناك العديد من الطلاب لا يمتلكون أجهزة كمبيوتر ولا حتى هواتف ذكية. فكيف إذا نستخدم التعليم الالكتروني.”

في البداية، حاول المرحبي إستخدام مجموعات الواتس أب للتواصل مع طلابه وحل بعض التمارين لكن ذلك لم يكلل بالنجاح .

قال “غالبية الطالبات لا تمتلك هواتف ذكية، ومن تمتلكه لا يمكنها الاشتراك في مجموعات الواتس أب بسبب العادات والتقاليد وبالتالي فإن التواصل محصور بالطلاب الذكور.” مشيراً إلى أن قطاع التعليم من أكثر القطاعات تضرراً في البلاد حالياً بعد القطاع الصحي.

“لسنا مستعدين بعد!” 

يعتقد الكثير من الطلاب والأساتذة الذين قابلتهم الفنار للإعلام أن التعليم عبر الإنترنت غير مجدي حالياً.

قال عبد العظيم الجمال، أستاذ المناعة والميكروبيولوجي بجامعة قناة السويس، “لسنا مستعدين لهذا التغيير المفاجئ. لا يوجد أي إستفادة علمية و تعليمية حقيقية من استمرار المحاولة الحالية للتعليم عن بعد في ظل ضعف البنية التحتية ونقص التدريب اللازم لأطراف العملية التعليمية.”

تتفق وردة عتيق، الأمين العام لإتحاد طلاب تونس، مع الجمال. قالت “لسنا ضد التطور التكنولوجي في مجال التعليم في حال توفر مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة. معظم الطلاب لا يمتلكون حواسب خاصة بهم كما أن شبكات الإنترنت لا توفر سرعات مناسبة لهذا النوع من التعليم. هذا التحول مفاجئ ولسنا على استعداد له.”

تتجه معظم المؤسسات التعليمية إلى إنهاء العام الدراسي مع نهاية شهر أيار/مايو القادم، كما أعلنت عدة حكومات كمصر والأردن أن ترفيع الطلاب في السنوات الانتقالية سيتم بصورة تلقائية دون إجراء امتحانات نهائية والاكتفاء بتقديم أبحاث مختصرة مما يعكس اعترافاً واضحاً بعدم الجهوزية التامة لاعتماد التعليم الإلكتروني كبديل حقيقي للتعليم التقليدي في المنطقة. وليبدو واضحاً أن التحول نحو التعليم عبر الإنترنت في العديد من دول المنطقة مازال دون المأمول. وربما يتسبب – مع بعض الاستثناءات النخبوية – في إضاعة فرصة التعلم للكثيرين. 




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام