شبكة صغيرة وآمال كبيرة: تعاون عربي ألماني في مجال البحوث

/ 23-03-2020

شبكة صغيرة وآمال كبيرة: تعاون عربي ألماني في مجال البحوث

قبل بضع سنوات، جلست فيرينا ليبر، الأستاذة والقيّمة على مجموعة ورق البردي والمخطوطات في المتحف المصري الألماني في برلين، في مقهى مع أستاذ لمادة الكيمياء من السودان.

أثناء تناول القهوة، توصلا إلى فكرة مشروع بحث متعدد التخصصات في أصول كِسَر الفخار القديمة من القرن الثالث قبل الميلاد كانت قد وجدت في السودان. كان المشروع سيجمع بين خبرتها كعالمة مصريات وقدرة أستاذ الكيمياء على إنتاج نوع من “البصمات” الكيميائية تكشف عن مكان وزمان إنتاج قطع الفخار.

قالت ليبر “لم أكن لألتقي بأستاذ للكيمياء من الخرطوم في حياتي الأكاديمية العادية.” لكن كلا الأكاديميين كانا عضوين في مؤسسة أكاديمية تم إنشاؤها مؤخرًا، وهي الأكاديمية العربية الألمانية للعلماء الشباب في العلوم والإنسانيات، أو AGYA. في الواقع، تعمل ليبر مديرة مؤسسة للمجموعة.

بتأسيس أكاديمية AGYA في عام 2013 وتمويلها إلى حد كبير من قبل الحكومة الألمانية، تفتح الأكاديمية أبوابها أمام الأكاديميين الشباب من أي تخصص أكاديمي، من الفنون والعلوم الإنسانية إلى العلوم أو التخصصات الفنية. الشرط الوحيد هو أن يكون المشاركون منتسبين إلى مؤسسة أكاديمية. تتمثل مهمة البرنامج في تعزيز التعاون الأكاديمي المبتكر، بشرط أن تكون جميع المشاريع دولية ومتعددة التخصصات.

نصف أعضاء الأكاديمية الخمسين من ألمانيا ونصفهم الآخر من الدول العربية. يشارك الأعضاء لمدة خمس سنوات، وبعد ذلك ينضمون إلى شبكة الخريجين، والتي تضم حاليًا 50 خريجًا. يجري الآن الاختيار السنوي الثامن، مع تحديد موعد نهائي في 29 آذار/ مارس، لاختيار خمسة أعضاء ألمان جدد وخمسة أعضاء عرب جدد. قالت ليبر “لدينا قبول عالي التنافسية. لقد تلقينا 400 طلب للتنافس على عشرة مقاعد.”

“ما حققته لي العضوية في أكاديمية AGYA وأضافته لمسيرتي تمثّل في البداية في سلسلة من فرص التواصل. التقيت بعلماء ألمان وعرب ممتازين لم أكن لألتقي بهم لولا ذلك.”

زينة حبيقة   الأستاذة المساعدة في الكيمياء الحيوية ورئيسة قسم في جامعة القديس يوسف في بيروت

لغة العمل في الأكاديمية هي الإنجليزية، ولا تعتبر إجادة اللغة الألمانية أو العربية شرطاً للإنضمام.

فرص التواصل العربي-الألماني

إذن ما الذي تجلبه العضوية؟ الكثير، كما يقول الأعضاء. قالت زينة حبيقة، الأستاذة المساعدة في الكيمياء الحيوية ورئيسة قسم في جامعة القديس يوسف في بيروت، “ما حققته لي العضوية في أكاديمية AGYA وأضافته لمسيرتي تمثّل في البداية في سلسلة من فرص التواصل. التقيت بعلماء ألمان وعرب ممتازين لم أكن لألتقي بهم لولا ذلك.”

بالإضافة إلى ذلك، مكّنت العضوية حبيقة من المشاركة في مشاريع بحثية مبتكرة تمولها الأكاديمية. وشمل ذلك مشروعًا عن المدن الذكية والمستدامة وآخر عن إنتاج الطاقة من النفايات. قالت حبيقة “كنت أتعاون مع علماء من خلفيات متنوعة، من العلوم الصعبة والعلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع.”

تضم الأكاديمية ست مجموعات عمل: التعليم العربي والألماني، والتراث المشترك والتحديات المشتركة؛ والطاقة والمياه والبيئة؛ والابتكار؛ والتحويل؛ والصحة والمجتمع. يمكن للأعضاء الانضمام إلى واحدة أو أكثر من هذه المجموعات. تتلقى كل مجموعة عمل قدرًا من المال ويقرر أعضاؤها فيما بينهم المشاريع البحثية المطلوب تمويلها.

يمكن لأعضاء الأكاديمية أيضًا السعي للحصول على تمويل “لمشاريع ترادفية” مع عضو آخر في الأكاديمية، على أن يكون تخصّصهما مختلفًا. قالت ليبر، “لن تحصل على تمويل لمشروع مع شريك بحثي يقوم بذات الشيء الذي تقوم به بالضبط.”

يتوجب على كل المشاريع التي تمولها الأكاديمية العربية الألمانية للفنون والعلوم أن تكون دولية وفيها فرص لتبادل الزيارات لأماكن عمل الباحثين. (الصورة: الأكاديمية).
يتوجب على كل المشاريع التي تمولها الأكاديمية العربية الألمانية للفنون والعلوم أن تكون دولية وفيها فرص لتبادل الزيارات لأماكن عمل الباحثين. (الصورة: الأكاديمية).

تعتقد الأكاديمية أن مهمّتها تتمثل في تحفيز البحث “على الحدود بين العلم والمجتمع” وتعزيز التعاون بين العلماء من مجموعة متنوعة من البلدان.

قالت حبيقة “الشيء المميز في الأكاديمية أنها لا تعزز التعاون بين دول الشمال والجنوب فحسب، بل بين دول الجنوب فيما بينها أيضًا”. وتقول ليبر أن السلطات الوطنية، وعلى الرغم من صغر حجم المؤسسة نسبيًا، تأتي إلى الأكاديمية لطلب المشورة في القضايا العلمية والأكاديمية.

تشجيع القيادة النسائية

لكونها تعمل في المنطقة العربية حيث ترتفع نسب إنعدام المساواة بين الجنسين وتشكل مشاركة المرأة في المستويات العليا للعلوم والتعليم في بعض الأحيان تحديا، اتخذت الأكاديمية موقفا قويا بشأن هذه المسألة. إذ “تشجع بنشاط القيادة النسوية داخل هياكل الأكاديمية، وتنفذ مشاريع بحثية تركز على دور المرأة في البحث وإنتاج المعرفة وسياسة التعليم والتوعية.”

ومن الأمثلة على ذلك سلسلة محاضرات الأكاديمية الأخيرة حول “الفيلسوفات المعاصرات في البلدان العربية: صور فكرية“.

لا تعتبر الأكاديمية مؤسسة سياسية، لكنها تواجه ضرورة العمل في ظل التوترات السياسية الدولية القائمة. تعقد الجمعية العامة نصف السنوية بالتناوب ما بين ألمانيا ودولة عربية. ومن المقرر أن يقام الملتقى العربي هذا العام في الكويت، البلد الذي أُختير لأن بإمكان كل من المصريين والقطريين السفر إليه على الرغم من الانقسام السياسي بين قطر وبقية العالم العربي. (اقرأ التقرير ذو الصلة: الأزمة القطرية الخليجية واستمرار القلق على التعليم العالي).

يجتمع الباحثون العرب والألمان المشاركون في الأكاديمية مرتين في السنة، مرة في ألمانيا ومرة ​​في دولة عربية بهدف إجراء مناقشات وجهاً لوجه وعقد شراكات بحثية مبتكرة (الصورة: الأكاديمية).
يجتمع الباحثون العرب والألمان المشاركون في الأكاديمية مرتين في السنة، مرة في ألمانيا ومرة ​​في دولة عربية بهدف إجراء مناقشات وجهاً لوجه وعقد شراكات بحثية مبتكرة (الصورة: الأكاديمية).

أنهى جان فريزن، الخبير في علم البيئة المائية في مركز هيلمهولتز للبحوث البيئية، في لايبزيغ بألمانيا، عضوية خمس سنوات في أكاديمية AGYA وهو الآن من الخريجين. ويقول إن الأكاديمية توفر فرصة لـ “اختبار الأفكار”، وخاصة الأفكار غير التقليدية، التي تقدمها مجموعات من أعضاء الأكاديمية، وبعضها يشمل أفكارًا لتوصيل العمل الأكاديمي والفني إلى جمهور أوسع، مثل:

  • نشر كتاب علمي فكاهي عن نتائج البحث الخاصة بالنباتات الملحية (نباتات تتحمل الملوحة).
  • جولة في الحافلات والقوارب في مالطا، مع توقف في عدة مواقع لتقديم نتائج بحثية عن جوانب مختلفة من تاريخ الدولة الجزيرة.
  • إقامة معرض فني للاجئين السوريين في ألمانيا مع تقديم بحث عن أزمة اللاجئين.

تميل المشاريع البحثية التي تمولها الأكاديمية إلى أن تكون قصيرة وصغيرة الحجم نسبيًا. قال فريزن “فيما يتعلق بالتمويل، فليس للأمر تأثير كبير. الشبكات هي التي تصنع التأثير.”

وأضاف “نشكل حلقة صغيرة إلى حد ما مكونة من 100 شخص ومن السهل الاتصال بأحد الزملاء ومناقشة مشروع جديد.”

يشير فريزن إلى أنه على الرغم من المنافسة الشديدة للقبول في الأكاديمية، إلا أن الأجواء داخل المنظمة تمثل بيئة تعاون لا منافسة. قال، “في مؤسستي الخاصة، يتنافس المرء دائمًا على التمويل والترقيات. ولكن في أكاديمية AGYA يتم الاستغناء عن ذلك، وبذلك يكون من الأسهل بكثير التعاون مع بعضنا البعض.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام