بناء السلام رهن بتوفير الوظائف

/ 25-03-2020

بناء السلام رهن بتوفير الوظائف

تقول نظرية واضحة إنه إذا كان للشخص ما يخسره – كوجود مهنة ثابتة – فقد يفكر أكثر من مرّة قبل الانخراط في العنف والدمار. وإذا كان بإمكان الأشخاص من مختلف الطوائف الدينية والمجموعات العرقية الإجتماع في مكان العمل والسعي إلى تحقيق أهداف جماعية، فإنهم سيكونون أقل رغبة في حمل السلاح ضد بعضهم البعض.

لكن الدليل على أن البرامج حسنة النية الهادفة لزيادة فرص العمل في ما يسمى بالدول الهشة للمساعدة على تحقيق السلام تبدو أكثر غموضًا للأسف.

وبينما لا تدعم الدراسات بشكل مباشر النظريات التي تربط الفرص الاقتصادية بالسلام، إلا أنها تشير إلى ضرورة مراعاة عوامل مهمة أخرى.

قال جون كورتز، مدير الأبحاث والتعلم في منظمة ميرسي كوربس، وهي منظمة إنسانية غير حكومية مقرها الولايات المتحدة، “نقوم بدراسة هذا موضوع منذ سنوات. نقوم بإجراء بحوث صارمة لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.”

يتمثل الجواب، كما يقول، في أنه وعلى الرغم من أن نقص الوظائف يكاد لا يؤدي أبدًا إلى الحرب، إلا أن هذا لا يعني أن ليس للاستثمار الاقتصادي دور يلعبه عندما تصمت المدافع. قال “ليست الظروف الاقتصادية السبب الأساسي أو الدافع الأساسي للصراع. لا يجعل الفقر الناس عنيفين، لكن العنف يجعل الناس فقراء.”

طبيعة الوظائف تلعب دورًا

يمتلك آخرون آراءًا مختلفة.

قال مارك فان دورب، المستشار المستقل الذي يعمل في الممارسات التجارية المسؤولة في المناطق المتضررة من النزاع، “في ظل ظروف معينة يمكن للوظائف المساعدة. لكن ذلك يعتمد على نوع الوظائف. من المهم مراعاة ذلك. فهل هي وظائف مستدامة وذات أجور جيدة أم أنها مجرد وظائف من شركات موجودة لفترة قصيرة من الزمن؟ لقد رأيت أمثلة على كليهما.”

“في ظل ظروف معينة يمكن للوظائف المساعدة. لكن ذلك يعتمد على نوع الوظائف. من المهم مراعاة ذلك.”

مارك فان دورب   مستشار مستقل يعمل في الممارسات التجارية المسؤولة في المناطق المتضررة من النزاع

في الواقع، يمكن أن يؤدي القدوم المفاجيء لأرباب العمل الذين يغادرون بسرعة إلى إلحاق ضرر أكثر من النفع. قال فان دورب، “إنهم يعطلون الاقتصاد المحلي. على سبيل المثال، إذا دخلت منظمة غير حكومية إلى منطقة صراع، فإنها غالبًا ما تستوعب جميع الشباب والمؤهلين قبل أن تغادر، ولكن في هذه الأثناء ستكون الشركات التي اعتادوا العمل فيها قد انهارت.”

خلُصت مراجعة أجريت عام 2018 للأدلة والأدبيات الأكاديمية أجرتها منظمة أوكسفام ومركز أبحاث الشركات المتعددة الجنسيات، ومقرها أمستردام، إلى أن دعم الاقتراح القائل بأن مبادرات خلق فرص العمل تؤدي إلى السلام في المناطق التي تعاني من الصراع “ليس قويّا للغاية”.

يقول كورتز إن هذه الرسالة لا تلقى صدى لدى الحكومات، “لا يزال صناع السياسة، عمومًا، مقتنعين بالحجة القائلة بأن الوظائف تخلق السلام، ولكن هذا ليس تصريحًا حقيقيًا في حد ذاته.”

وجد تحليل آخر، جمع بين نتائج 56 دراسة مختلفة نُشرت بين عامي 2005 و2014، أن أقل من نصف التدخلات ناجحة. ومع ذلك، يمكن أن يُعزى جزء من معدل الفشل المرتفع نسبيًا هذا إلى سوء التخطيط، بدلاً من أي مشكلة منهجية في برامج الوظائف. على سبيل المثال، كان من الصعب تقييم فعالية ربع جميع المشاريع المدرجة في هذا التحليل لأنه تم تحديد النتائج وقياسها بشكل سيئ من قبل أولئك الذين نفذوا المشاريع.

الوظائف جزء من الانتعاش

لكن العاملين على الأرض في المناطق المعرضة للصراع يقولون إنه لا شيء من هذا يعني أن على المنظمات التخلي عن محاولاتها تحسين اقتصادات البلدان والمناطق الخارجة من الصراعات المسلحة.

يقول أياد عباس، المستشار المقيم في بغداد والذي يتعاون مع فان دورب، إن من الواضح كون فرص العمل والفرص الاقتصادية جزء مهم من عملية التعافي، وهي في بعض الأحيان الطريقة الوحيدة لإعادة الجماعات المتحاربة السابقة للتعايش مع بعضها البعض.

قال “الانتقام دورة لا نهاية لها. إذا كانت الشركة توظف أشخاصًا من مجموعات عرقية مختلفة، فقد تكون المكان الوحيد الذي يجتمعون فيه حيث يتوجّب عليهم أن يتصرفوا باحتراف وتهذيب.”

“إن الفكرة القائلة بأن مكان العمل المشترك يكفي لخلق التماسك الاجتماعي بسيطة للغاية.”

مارسيل سميتس   مدير البرامج في معهد الاقتصاد والسلام في لاهاي

يتفق فان دورب مع ذلك قائلاً، “يمكن لذلك أن يحدث فرقًا بالفعل إذا كانت لدى الشركة سياسة توظيف حساسة للصراع. إذا كانوا يوظفون أشخاص بطريقة عابرة للخطوط العرقية أو الدينية، فإن الأشخاص الذين سيبدأون العمل في الشركة ويجتمعون ويتصالحون. يمكن أن يلعب ذلك دورًا رئيسيًا في عملية السلام الأكبر.”

 أجزاء اللغز الأخرى 

بالطبع، يتوقف هذا على افتراض أن العلاقات بين المجموعات المختلفة متناغمة بما فيه الكفاية لدرجة أنهم سوف يفكرون في العمل معًا. ويحذر عباس من أن الحال ليس كذلك دائمًا.

على سبيل المثال، كان عباس ينسق مؤخرًا مشروعًا في منطقة ريفية شمال بغداد حيث كان يتم الدفع للمشاركين لتنظيف قنوات الري الزراعية التي تمر بين القرى. قال موضحًا “كان أحد أبناء القرية الأولى ينتمي إلى تنظيم داعش، لكنُه قُتل في النهاية على أيدي القوات الحكومية. وقد رفض شيخ القرية الأخرى بشكل قاطع السماح لأهالي القرية بالعمل مع أبناء القرية الأخرى.”

وبقدر ما يبدو كل هذا بديهيًا، تُظهر الأدلة أن القصة أكثر تعقيدًا. يقول مارسيل سميتس، مدير البرامج في معهد الاقتصاد والسلام في لاهاي، إن الوظائف يمكن أن تساعد في تحقيق السلام، ولكن يجب أن تتوافر عوامل أخرى.

قال “يكتفي بعض الناس بالقول، أوه، دعنا نعطي الشباب بعض الوظائف، لكن هذا لا ينجح إذا كنت لا تفكر في خطوط الصدع الأساسية في المجتمع. إن الفكرة القائلة بأن مكان العمل المشترك يكفي لخلق التماسك الاجتماعي بسيطة للغاية.” ويقول إن هناك حاجة إلى التعليم والثقة في السياسة والحكم الرشيد.

يعتقد كورتز إن إيجاد الوظائف قصيرة الأمد في مثل هذا الوضع دون وجود العناصر الأخرى لا معنى له.

قال “يتعلق السلام، أو غيابه، بشكل أكثر بإساءة استخدام السلطة من قبل قوات الأمن أو مجرد سوء الحكم بشكل عام، مما يؤدي إلى وقوع مظالم تدفع الناس لدعم جماعات المعارضة المسلحة. لن يغيّر الحل الاقتصادي وحده الأمور ما لم يغير ذلك آراء الناس في الحكم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام