العمارة الحديثة في القاهرة: كنز ينتظر الاكتشاف

/ 18-03-2020

العمارة الحديثة في القاهرة: كنز ينتظر الاكتشاف

في مقدمة كتابه “القاهرة منذ عام 1900: دليل معماري“، كتب المؤرخ المعماري محمد الشاهد عن أمله في أن “يُلهم هذا الكتاب السكان والزائرين رؤية القاهرة في ضوء جديد”، وأن “يؤدي هذا إلى حماية بعض المباني المدرجة فيه والحفاظ عليها، من أجل المدينة وذاكرتها التاريخية.”

يعتبر الكتاب هدية لمحبي القاهرة، وإن كان هدية حلوة ممزوجة بالمرارة، لأنه يبرز بالطبع الخسارة المستمرة للكثير من التراث المعماري الحديث للمدينة.

نُشر الكتاب مؤخرًا من قبل مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة. الكتاب مُصمّم بشكل جميل، وهو أنيق وعملي كما هو حال العديد من المباني التي يوثقها. بحجمه الصغير وغلافه الورقي، يمكن حمله أثناء استكشاف المدينة. يضم الكتاب مقدمة واضحة وموجزة وغنية بالمعلومات، وملخّص صغير وخرائط توضّح موقع كل مبنى. يجمع الكتاب المباني حسب الحي ويوثّق كل منها بصفحة أو صفحتين من النصوص والرسوم التوضيحية.

حظي إنتاج الكتاب بدعم مؤسسة بارجيل للفنون وقام بتنفيذه فريق بحثي مكثف، بقيادة الشاهد، وهو مؤسس مدونة شاهد القاهرة Cairobserver. كان الشاهد أيضًا منسقًا لجناح “سخط الحداثة” المصري في بينالي لندن للتصميم في عام 2018 ومشروع المتحف المصري المعاصر في مصر عام 2017. ويقوم بالتدريس حاليًا كممارس مُقيم في جامعة نيويورك. 

عاصمة هجينة ومتغيرة

تتراوح المباني الموثقة في “القاهرة منذ عام 1900” ما بين المعالم الشهيرة إلى أمثلة غير معروفة ولكنها مثيرة للاهتمام لممارسات معمارية معينة. تضم الأمثلة حدائق عامة وجسور ومساكن عمال ودور سينما وبنوك ومبانٍ سكنية كبرى ودور عبادة. ويوضح الكتاب المباني التي تم التخطيط لها ولكنها لم تُنفّذ على الإطلاق، والمباني التي تم هدمها، والمباني التي تم تغييرها بحيث لم يعُد في الإمكان التعرف عليها.

كتبت الباحثة الفرنسية مرسيدس فوليت في تقديمها للكتاب، “الغرض هو إظهار إمتلاك المدينة لمناظر حديثة أصيلة ذات قيمة بحد ذاتها. سيوافق الكثيرون على أن هناك حياة للعمارة الحديثة إلى جانب الأيقونات والبيانات المعمارية المعروفة”. لكن كشف حداثة القاهرة بشروطها الخاصة يتقاطع مع السرد القياسي للعمارة وتاريخ الفن في القرن العشرين، حيث يتم توفير مساحة قليلة جدًا للحداثة خارج الغرب.”

سيد كريم في مكتبه أمام نموذج مصغر لمدينة نصر. بعد الحرب العالمية الثانية، أنتج كريم مخطاطات حضرية لعدة مدن بما في ذلك بغداد (1946) ودمشق (1947) وجدة (1949). (الصورة: مجموعة خاصة)
سيد كريم في مكتبه أمام نموذج مصغر لمدينة نصر. بعد الحرب العالمية الثانية، أنتج كريم مخطاطات حضرية لعدة مدن بما في ذلك بغداد (1946) ودمشق (1947) وجدة (1949). (الصورة: مجموعة خاصة)

يقول الشاهد في مقدمته “القاهرة في الأساس مدينة من القرن العشرين”، حيث تطورت بمعدل استثنائي منذ العام 1900 فصاعدًا. وارتفع عدد سكانها من مليونين ونصف المليون في عام 1947 إلى أكثر من 20 مليون اليوم، وشهدت سلسلة من طفرات البناء.

ليس من المستغرب إذن أن تكون القاهرة “مدينة ديناميكية غير متجانسة تتبنى التغيير والجديد”، كما يكتب الشاهد. فقد برز مُهندسوها في منتصف القرن الماضي أو درسوا في العديد من البلدان المختلفة ودمَجوا عناصر من أنماط معمارية عديدة.

كتب الشاهد “يعكس هذا الخليط موقع مصر في شرق البحر الأبيض المتوسط كمُفترق طرق، وكونها إسفنجة تمتص النفوذ وتجدده بأشكال جديدة.”

كان المهندسون المعماريون في القاهرة مؤثرين أيضًا في جميع أنحاء المنطقة، حيث قاموا بتصميم المباني والأماكن العامة للعديد من العواصم العربية الأخرى. 

تاريخ مُهدّم

لسوء الحظ، فإن الكثير من هذا الإنتاج النابض بالحياة لم يتم توثيقه بشكل كافٍ، ويتم تقييمه بأقل من قيمته، وغالبًا ما يتم محوه دون التفكير بذلك.

كتب الشاهد “القاهرة مدينة غير مستقرة: فهي تغير جلدها باستمرار، وتحول طابعها الحضري والمعماري بطريقة مجزأة وبسرعة تفوق وتيرة جهود البحث والتوثيق.”

من بين التحديات التي تواجه جهود تجميع التاريخ المعماري الحديث للمدينة التدمير المادي للمباني الحديثة، التي لا يُنظر إليها على أنها تستحق الحفاظ عليها.

“الغرض هو إظهار إمتلاك المدينة لمناظر حديثة أصيلة ذات قيمة بحد ذاتها. سيوافق الكثيرون على أن هناك حياة للعمارة الحديثة إلى جانب الأيقونات والبيانات المعمارية المعروفة.”

مرسيدس فوليت   باحثة فرنسية

يشترط القانون المصري أن يكون عمر المبنى 100 عام على الأقل ليستحق الحماية. لكن، بمجرد تسجيل المبنى كمَعلم، يتم تقييد استخدامه بشدة. مما دفع بالعديد من أصحاب المباني إلى اعتبار القرن نوعًا من الموعد النهائي لهدم أي مبنى. يوضح الشاهد قائلاً “نشأت “أعمال سرية مربحة متخصصة في إلحاق أضرار غير واضحة بالمباني الجديرة بإعتبارها تراثًا والتي تعتبر سليمة تراثيًا.” ولهذا السبب “اختفت معظم المباني الحديثة التي تستحق الحماية في القاهرة.”

أظهرت الدولة ذاتها القليل من الاهتمام بالهندسة المعمارية الحديثة في المدينة كما هو حال العديد من المطورين. ففي العامين الماضيين، ألحقت السلطات المصرية أضرارًا فادحة بالحي التاريخي لمصر الجديدة، حيث دمرت ما يقرب من 100 فدان من المساحات الخضراء والأشجار التي تعود إلى قرن من الزمان، بهدف بناء طرق أوسع للمرور إلى العاصمة الإدارية الجديدة في ضواحي القاهرة الصحراوية.

من كتاب
من كتاب "القاهرة منذ عام 1900: دليل معماري"، الصادرة عن الجامعة الأمركية في القاهرة.

الحداثة العَمياء

عندما يتم هدم المباني أو الأحياء، غالبًا ما تختفي من التاريخ، لأن وجودها لم يتم توثيقه بشكل صحيح.

قال الشاهد “لم تُمنح الحداثة في مصر صفة التراث الوطني، وكأن التاريخ توقف عند عتبة القرن العشرين. ليست هناك هيئات حكومية أو خاصة متخصصة تعترف بالمباني الحديثة أو تقوم بوضعها في الأرشيف أو توثقها أو تحميها.”

ويضيف بأن تدريس الهندسة المعمارية في الجامعات المصرية “يهمش ويغفل في الغالب تاريخ العمارة الحديثة”. قال، “طلاب الهندسة المعمارية يتخرجون دون أخذ دورة مسح حول تاريخ العمارة الحديثة في مصر، وهي نقطة مجهولة رئيسية في تدريس العمارة.”

بالنسبة للشاهد وباحثين آخرين، كانت العمارة، وهي مجلة رائدة صدرت باللغة العربية حول التصميم والهندسة المعمارية ونُشرت بين عامي 1939 و1959، مصدر إلهام ومعرفة. إذ تم نشر مسح شامل للعمارة المصرية في القرن العشرين من قبل توفيق عبد الجواد، أحد محرري العمارة، في عام 1989 لكنه تضمن أخطاء في تحديد مواقع بعض المباني.

يعتبر كتاب “القاهرة منذ عام 1900” محاولة مدروسة وقيمة للانخراط في تنوع التاريخ المعماري الحديث في القاهرة قبل أن يتم طمسه.

قال الشاهد “يحتاج المهندسون المعماريون في القاهرة بشكل عاجل للوصول إلى المصادر المتوفرة حول المهندسين المعماريين في القرن الماضي لتوفير الإلهام أو نقاط الانطلاق أو الاستمرارية، من أجل إنشاء عمارة مصرية معاصرة واعية بإنجازات السابقين.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام