الجامعات الفرنسية تدعم الطلاب اللاجئين

/ 17-03-2020

الجامعات الفرنسية تدعم الطلاب اللاجئين

ملاحظة المحرر: يتبع التقرير أدناه تقرير أخر بعنوان: المتطوعون يجنون ثمار مساعدة الطلاب اللاجئين في فرنسا.

ليل، فرنسا – لم يكن رياض أحمد ينوي الذهاب إلى فرنسا، لكن الشاب ذو الوجه المستدير والبالغ من العمر 29 عامًا اضطرّ للفرار من وطنه في شمال غرب باكستان بعد أن هددت حركة طالبان المحلية بقتله إذا لم يعمل سرًا معهم من خلال وظيفته مع منظمة غير حكومية.

كانت بريطانيا وجهة أحمد. لكن، بعد أن انتهى به المطاف في “الغابة“، وهو مخيم لاجئين مترامي الأطراف في كاليه، شمال غرب فرنسا، وتعرضه للإصابة وهو يحاول القفز على ظهر شاحنة متجهة إلى إنجلترا، التحق الآن بأكبر جامعة فرنسية، جامعة ليل، في عام 2016، في إطار برنامج جديد لاستقبال اللاجئين.

الآن، يدرس أحمد في الصف الأخير من برنامج لنيل درجة البكالوريوس في مجال الإعلام. لا يزال أحمد يناضل من أجل إجادة اللغة الفرنسية لكنه يرى مستقبلًا مشرقًا لنفسه في بلده الجديد. قال “أحيانًا أسجّل المحاضرات وأستمع إليها مرارًا وتكرارًا بعد الفصل. زملائي الطلاب لطيفون للغاية، فهم يحاولون دائمًا شرح الدروس لي.”

برامج إعداد ناجحة

هناك ما يقرب من 2,000 طالب لجوء مسجلين حاليًا في برامج خاصة في فرنسا، مثل البرنامج الذي سجّل فيه أحمد، بهدف إعدادهم للدراسة الجامعية. أُنشئت البرامج من قبل نصف الجامعات الحكومية البالغ عددها 80 جامعة تقريبًا، بما في ذلك جميع المؤسسات الرئيسية تقريبًا، في أعقاب التدفق الهائل للمهاجرين إلى أوروبا في عامي 2015 و2016.

يقول مسؤولو الجامعة إن هذه البرامج حققت نجاحًا كبيرًا لسببين.

يتمثل الأول منهما في معايير القبول صارمة: إذ يجب أن تتوافر في المتقدمين من اللاجئين ذات المؤهلات الأكاديمية تقريبًا المطلوبة من المتقدمين الفرنسيين، حتى إذا تم السماح بمرونة كبيرة في توثيق شهادات الثانوية أو التعليم العالي من بلدانهم الأصلية. (عندما تكون المستندات مفقودة، أو من مناطق ضعيفة أكاديميًا، يمكن للطلاب إجراء اختبارات لتحديد مستواهم الأكاديمي).

والسبب الثاني يتمثل في تلقي اللاجئين المقبولين في هذه البرامج لتدريب لغوي ودعم اجتماعي لمدة عام على الأقل لمساعدتهم على التكيف مع بيئتهم الجديدة.

على الرغم من معارضة اليمين المتطرف، توحّدت جهود التعليم العالي الفرنسي إلى حد كبير لدعم هذه البرامج. إذ وقّعت رابطة رؤساء الجامعات، وفي الخريف الماضي عززت الحكومة دعمها، وبذلك أصبح الطلاب اللاجئون المقبولون في هذه البرامج الخاصة مؤهلون الآن للحصول على ذات رواتب المعيشة للطلاب الفرنسيين ذوي الدخل المنخفض.

كان هذا القرار انتصارًا لشبكة المهاجرين في التعليم العالي، وهي رابطة تضم 40 جامعة لديها برامج لتسجيل اللاجئين.

قال ماثيو شنايدر، نائب رئيس جامعة ستراسبورغ ومنسق الشبكة، “اليوم، تصل أعداد أقل من اللاجئين إلينا، لكن الكثير من المتواجدين هنا لم يتم إعلامهم عن برامجنا وهم الآن يتقدمون. نحن نواصل العمل بكامل طاقتنا.”

جهد مماثل في ألمانيا

تعتبر جهود فرنسا متواضعة مقارنة بجهود جارتها ألمانيا. إذ استقبلت الأخيرة عددًا أكبر بكثير من المهاجرين مقارنة بأي دولة أوروبية أخرى خلال أزمة 2015-2016 – أكثر من مليون لاجيء. قدر مؤتمر رؤساء الجامعات الألمانية أن أكثر من 10,000 لاجئ ممّن وصلوا مؤخرًا قد التحقوا بالبرامج الأكاديمية في الجامعات الألمانية بحلول عام 2018، ويتوقع المسؤولون أن يقفز هذا العدد إلى 40,000 بحلول نهاية هذا العام، مع إتمام الطلاب لبرامج الإعداد الأكاديمي المختلفة.

“اليوم، تصل أعداد أقل من اللاجئين إلينا، لكن الكثير من المتواجدين هنا لم يتم إعلامهم عن برامجنا وهم الآن يتقدمون. نحن نواصل العمل بكامل طاقتنا.”

ماثيو شنايدر   نائب رئيس جامعة ستراسبورغ ومنسق شبكة المهاجرين في التعليم العالي

يقدر مسؤولو الجامعات الفرنسية أن حوالي 5,000 لاجئ مسجلون في جامعات الدولة العامة – و2,000 آخرين في برامج إعداد اللاجئين، والبقية في برامج أكاديمية أخرى.

في فرنسا، كانت جامعة ليل، التي يبلغ إجمالي عدد المسجلين فيها 73,000، من بين أكثر الجامعات نشاطًا. حيث أنها أقرب مؤسسة كبرى لمُخيم الغابة في كاليه – إذ تقع على بعد 70 ميلاً فقط من المخيم الذي تم إغلاقه الآن، حيث عاش ما يقرب من 10,000 مهاجر في خيام بدون ماء أو مراحيض أثناء محاولتهم إيجاد طريقة للوصول إلى بريطانيا.

عندما أعلنت السلطات الفرنسية عن خطط لإزالة المخيم في خريف عام 2016، سعت الجامعة لإنهاء إعداد برنامج جديد لتسجيل بعض اللاجئين. وبمساعدة منظمات مساعدة المهاجرين المحلية، حددوا 250 مرشحًا.

اختارت لجنة جامعية 80 شخصًا، تتراوح أعمارهم بين 19 و46 عامًا، ومن بينهم امرأة واحدة فقط، لأن معظم سكان المخيم كانوا من الذكور. كان أكثر بقليل من ثلثي العدد من السودان وجنوب السودان، وتراوحت مؤهلاتهم من شهادات الثانوية إلى المحامين والأطباء البيطريين والمهندسين وغيرهم من المهنيين.

برنامج ليل الانتقالي

يُطلق على برنامج جامعة ليل اسم PILOT، وهو برنامج التكامل اللغوي والتوجيه للسنة الانتقالية، ويتنازل البرنامج عن الرسوم الدراسية الصغيرة لفرنسا (270 يورو سنويًا للمقيمين و2,700 يورو للطلاب الدوليين)، ويوفر ما يصل إلى ثلاث سنوات من تدريب اللغة الفرنسية، ويقدم الدعم في طلبات اللجوء والاندماج الاجتماعي من خلال محادثات أسبوعية مع الطلاب المتطوعين وزيارات للمتاحف والحفلات الموسيقية والمطاعم.

كاميل دوريه، مؤسسة ومديرة Pangea ، وهي مجموعة تدعم الطلاب اللاجئين ، في مناقشة مع أعضاء المجموعة (الصورة: Pangea).
كاميل دوريه، مؤسسة ومديرة Pangea ، وهي مجموعة تدعم الطلاب اللاجئين ، في مناقشة مع أعضاء المجموعة (الصورة: Pangea).

وافقت السلطات الفرنسية على السماح للمشاركين بالبقاء في فرنسا لإنهاء دراستهم الجامعية حتى لو تم رفض طلب لجوئهم. واتفق المسؤولون المحليون، في ليل على الأقل، على دفع تكاليف السكن والمأوى للطلاب اللاجئين خلال عامهم الانتقالي الأول.

عشية وصول 80 طالبا لاجئا في السنة الأولى، وجهت الإدارة نداء لتوفير الملابس والأحذية والأدوات المنزلية الصغيرة المستعملة. قالت إيمانويل جوردان-شارتييه، نائبة رئيس ليل للحياة الطلابية، “لقد غمرتنا التبرعات من كل مكان.”

لم يكن جميع سكان المنطقة سعداء بالمبادرة. عارض أقصى اليمين الموضوع، قائلاً إن كل الدعم يجب أن يذهب إلى الطلاب الفرنسيين. تلقت جوردان-شارتييه تهديدات بالقتل، وتم نشر عنوان ورقم هاتف المنزل الذي تعيش فيه وحدها مع أطفالها الأربعة الصغار على بعض مواقع التواصل الاجتماعي اليمينية المتطرفة.

مع تخرّج المشاركين في برنامج PILOT وإنضمامهم إلى الدراسات الأكاديمية العادية، استقبلت ليل 40 إلى 50 لاجئًا جديدًا في البرنامج كل خريف. تم اختيار مجموعة طلاب الخريف الماضي من بين 400 مرشح، وكان ثلث المسجلين من النساء.

تعلم لغة رابعة أو خامسة

تقدر جوردان-شارتييه أنه، وفقًا لما قيل، يتواجد في ليل حاليًا ما يقرب من 400 طالب لاجئ – 80 في برنامج PILOT والآخرون المسجلين في البرامج الأكاديمية بعد إكمال PILOT أو من خلال التقديم مثل أي طالب فرنسي آخر. ومعظم هؤلاء مؤهلون للإعفاء من الرسوم الدراسية والحصول على معاش صغير يصل إلى 500 يورو شهريًا.

“يستغرق الأمر عادةً من 12 إلى 18 شهرًا لتكوين هوية جديدة. عندها، أنت لم تعد لاجئًا، بل طالب جامعي.”

إيمانويل جوردان-شارتييه   نائبة رئيس ليل للحياة الطلابية

يدرس معظم الطلاب في برامج جامعية لمدة ثلاث سنوات، على الرغم من أن بعضهم التحق بدراسات على مستوى الماجستير. تقول جوردان-شارتييه أن معدل فشل هؤلاء الطلاب بشكل عام يماثل معدل فشل أقرانهم الفرنسيين.

يميل المشاركون من سوريا والعراق، والذين هيمنوا على فصول PILOT الحالية، إلى تحقيق مستوى أكاديمي أعلى فضلاً عن امتلاكهم معرفة أكبر بلغات أجنبية مقارنة بالمجموعات السابقة. قالت مارتين بوردوج، التي تدرّس اللغة الفرنسية المكثفة، “ليس من الجميل قول ذلك، لكن البعض يأتون بشهادة ثانوية لا تعادل تلك الصادرة من دول أخرى.”

قالت “هذا هو الحال في كثير من الأحيان لاسيما بالنسبة للطلاب من السودان وجنوب السودان.”

يكافح العديد من الطلاب اللاجئين لتعلم اللغة الفرنسية. تشكو جوردان-شارتييه من أن الطلاب اللاجئين في ألمانيا يتلقون ساعات من تعليم اللغة تزيد بكثير عن 15 ساعة في الأسبوع عن تلك المقدمة في فرنسا.

بالنسبة لعدد من طلاب ليل الجدد، تعد الفرنسية اللغة الرابعة أو الخامسة التي يتوجب عليهم إتقانها. هربت سدرة إدريس، 19 عام، من حمص بسوريا، مع عائلتها إلى تركيا المجاورة قبل ست سنوات وتخرجت من المدرسة الثانوية هناك. بالإضافة إلى التركية، لغتها العربية الأم، وإجادتها الإنجليزية بطلاقة، بدأت مؤخرًا بتلقي دروس مكثفة في اللغة الفرنسية.

قالت “أحيانًا لا يستطيع دماغك التركيز. في بعض الأحيان أريد أن أتحدث العربية مع عائلتي ولا يمكنني العثور على الكلمات.”

 مخاوف نفسية

يمكن أن يكون الانتقال إلى حياة جديدة أمرًا مؤلمًا نفسيًا. قالت جوردان-شارتييه “لاحظنا هذه الصعوبة بسرعة مع الطلاب الأوائل. عندما يصلون، يكونون سعداء في البداية. ولكن بعد بضعة أسابيع أو بضعة أشهر يبدأون في الشعور بالوحدة والاكتئاب. في كثير من الأحيان، يواجهون مشاكل في النوم ويبدأون أحيانًا في تعاطي الكحول.”

حصل العديد من الطلاب على علاج نفسي خارجي؛ وطلب ثلاثة آخرون الخضوع للعلاج النفسي. بعد ملاحظة كون الطلاب اللاجئين محرجين في كثير من الأحيان من الاستفادة من المشورة النفسية في الجامعة، بدأت ليل بجعل متطوعين من طلاب علم النفس على مستوى الماجستير يجلسون خارج دورات اللغة الفرنسية المكثفة ويقدمون الشاي والبسكويت. يقول المسؤولون إن هذا خلق بيئة غير رسمية تشجّع اللاجئين بلطف على التحدث عن مشاكلهم وإحالتهم للاستشارة إذا لزم الأمر.

قالت جوردان-شارتييه “يستغرق الأمر عادةً من 12 إلى 18 شهرًا لتكوين هوية جديدة. عندها، أنت لم تعد لاجئًا، بل طالب جامعي.”




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. أطمح دائماً لغد مشرق ، لمستقبل مزدهر ، لأن أكون عضواً فعالاً في مجتمعي وبين عائلتي ، أريد دائماً التعلم والدراسة والعمل لتحسين مستوى العائلة وتحقيق التوازن الإقتصادي في المنزل ، رؤية أمي فخورة بي هو الحلم الموجود على رأس الهرم ، أن أصبح إنساناً مستقلاً يُعتمد عليه ، رغم كل الظروف التي تمر بها بلدتي الجميلة لم أيأس ، إني استمر في المضي قدماً رغم تصادمي بالواقع الصعب ، أريد مراراً وتكراراً أن أتعلم لغة جديدة وأعيش في بقعة آمنة تدعم الطموحات ! لا تدعس عليها.


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام