انتهاكات جديدة تطال حرية التعبير في لبنان

/ 03-02-2020

انتهاكات جديدة تطال حرية التعبير في لبنان

لطالما اشتهر لبنان بأنه أحد أكثر الدول العربية حرية. لكن في السنوات الأخيرة، تقول جماعات الحريات المدنية، إن حرية التعبير في لبنان تعرضت للهجوم حيث تستخدم السلطات بشكل متزايد قوانين التشهير الفضفاضة والمبهمة في البلاد في محاولة لخنق انتقادات للمسؤولين الحكوميين وغيرهم من الأشخاص النافذين.

يعتبر ناجي كرم، أستاذ علم الآثار المتقاعد الآن في الجامعة اللبنانية، مثالًا على ذلك.

فقبل حوالي عقد من الزمان، كان كرم يشعر بقلق عميق من أن تدمّر خطط إقامة العديد من المباني الشاهقة على موقع ميناء فينيقي من القرن الخامس إلى الرابع قبل الميلاد في بيروت موقعًا أثريًا ذا قيمة. لكن نداءاته إلى وزارة الثقافة لم تلقَ آذانًا صاغية.

وفي مقابلة تلفزيونية بُثت على الهواء مباشرة في شباط/ فبراير 2013، انتقد كرم وزير الثقافة آنذاك واتهمه بـ  “سوء إدارة” التراث الثقافي للبلاد.

ردّ الوزير بتقديم شكوى تشهير ضد كرم، وتم استدعاء الأستاذ إلى عدة تحقيقات جنائية. وعند مغادرته أحد الاجتماعات، التفت محامي المُدعي إلى كرم في المصعد وسأله عما إذا كان يرغب في تسوية الأمر بالاعتذار للوزير.

يتذكر كرم قائلاً “قلتُ، لا، يجب على الوزير أن يعتذر للشعب اللبناني.”

في عام 2017، وجدت “محكمة المطبوعات” اللبنانية التي تسير بوتيرة بطيئة وتنظر في الشكاوى المتعلقة بوسائل الإعلام المكتوبة أو المسموعة، أن كرم مذنب بتهمة التشهير بسبب تعليقات مماثلة أدلى بها على موقع فيسبوك. في العام التالي، مع ذلك، نقض رئيس المحكمة الجديد هذا الحُكم وبرّأ كرم من جميع التهم.

في حكمه، كتب القاضي، “العدل والقانون لا يبرران إدانة أولئك الذين يشيرون إلى الفساد ويكشفونه بطريقة موضوعية.”

 قيود على حرية التعبير

كانت نتيجة قضية كرم انتصارًا نادرًا لمواطن عادي متهم بالتشهير بمسؤول حكومي قوي، على الرغم من أن خطط البناء قامت في النهاية بتجريف الموقع الأثري، المعروف باسم ميناء الحصن، بهدف إقامة المباني الجديدة.

لكن نشطاء حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني يقولون إن السلطات اللبنانية كثفت في السنوات القليلة الماضية من استخدام قوانين التشهير لمعاقبة الصحافيين والناشطين وغيرهم ممن يتحدثون عن الفساد أو ينتقدون الافراد من ذوي النفوذ.

تتبع إجراءات التنفيذ هذه عادةً شكاوى المسؤولين الحكوميين أو قادة الأحزاب السياسية أو مديري البنوك أو المؤسسات الدينية.

“كان للاستخدام المتزايد لقوانين التشهير هذه تأثير مخيف على حرية التعبير في لبنان.”

آية مجذوب   الخبيرة اللبنانية في هيومن رايتس ووتش

وفقًا لتقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في تشرين الثاني/ نوفمبر، بعنوان “الحكي عليه جمرك: تجريم التعبير السلمي في لبنان“، ارتفع عدد التحقيقات الجنائية المتعلقة بالتشهير بأكثر من أربعة أضعاف في السنوات الأخيرة، من 341 تحقيق عام 2015 إلى 1,451 تحقيق عام 2018، وهو آخر عام كامل تتوفر فيه الأرقام.

كما قال تقرير صدر في كانون الثاني/ يناير 2020 عن معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية التابع للجامعة الأميركية في بيروت، بعنوان “التعبير عن الرأي والقمع: مقاربة انتهاكات حرية التعبير في لبنان“، إن هذه الانتهاكات استمرت على قدم وساق في عام 2019.

يأتي هذا التوجه في وقت يزداد فيه السخط العام والاحتجاجات ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية وسوء إدارة الحكومة في لبنان. تعتبر قوانين التشهير في البلاد، والتي يعود تاريخ بعضها إلى فترة الانتداب العثماني والفرنسي، غامضة، حيث تقدم تعريفًا محدودًا للتشهير وتسمح لموظفي إنفاذ القانون بتطبيقها حسب ما يرونه مناسبًا. تتضمن هذه القوانين عقوبات قد تصل إلى قضاء ثلاث سنوات في السجن.

تأثير سلبي على حرية التعبير 

تقول آية مجذوب، الخبيرة اللبنانية في هيومن رايتس ووتش، “كان للاستخدام المتزايد لقوانين التشهير هذه تأثير مخيف على حرية التعبير في لبنان.” ففي الفترة ما بين آذار/ مارس وحزيران/ يونيو 2019، التقت المنظمة بـ 42 مُدعى عليهم ومحاميين في قضايا التشهير الجنائي، فضلاً عن مسؤولين حكوميين وزعماء مدنيين.

قالت مجذوب “أفاد الكثير من المتهمين أنهم كانوا يخضعون للرقابة الذاتية” بعد ترهيبهم في التحقيقات. كما قال المتهمون إن المحققين فتشوا هواتفهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وأحيانًا من دون أمر قضائي.”

عند استجوابهم، يُطلب من الأشخاص المتهمين بالتشهير حذف منشورات التواصل الاجتماعي المخالفة، أو أحيانًا الحسابات، لتجنب المحاكمة، وفي معظم الحالات يقوم المُدعى عليهم بذلك. كما فقد البعض وظائفهم بعد أن ضغطت الشرطة على أرباب عملهم.

قضى تسعة من الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش بعض الوقت في الاحتجاز قبل المحاكمة، في إحدى الحالات، وصلت المدة إلى 18 يومًا.

يتم إجراء العديد من التحقيقات من قبل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية، وهي وحدة تابعة لقوات الأمن الداخلي اللبنانية تم إنشاؤها في عام 2006. يضغط المحققون على الأشخاص المتهمين بالتهديد بالسجن.

ما بين كانون الثاني/ يناير 2015 وأيار/ مايو 2019، بحسب منظمة هيومان رايتس ووتش، حكمت محكمة المطبوعات على شخص واحد على الأقل بالسجن، وحكمت المحاكم الجنائية على ثلاثة أشخاص بالسجن، فيما حكمت المحاكم العسكرية على ثلاثة أشخاص آخرين بالسجن، على الرغم من تحويل قضيتين إلى الاستئناف.

صدرت معظم هذه الأحكام بالسجن غيابيًا، بعد فرار المتهم من البلاد أو عندما قال آخرون إنه لم يتم إبلاغهم بمواعيد المحكمة. لكن هذه الحالات بمثابة تحذيرات للآخرين.

“تم رفع الحدود فيما يتعلق بالإهانات التي يوجهها الناس إلى السياسيين والأحزاب.”

أليكسي توما   معهد عصام فارس التابع للجامعة الأميركية ببيروت

ذكرت هيومن رايتس ووتش أنه في أربع حالات على الأقل، قام ضباط الأمن المسلحون بالقبض على أشخاص متهمين بالتشهير بطريقة لا تتناسب إلى حد كبير مع جريمتهم المزعومة، في محاولات واضحة لترهيب المُدعى عليهم. في إحدى الحالات، اقتحم حوالي 10 من ضباط الشرطة المسلحة مكاتب موقع درج الإلكتروني واعتقلوا مؤسسها ورئيس تحريرها حازم الأمين.

قال الأمين لـ هيومن رايتس ووتش، “الطريقة التي كانوا يقودون بها في الشارع، مع صفارات الإنذار والدورية جعلت الأمر يبدو كما لو أنهم قد قبضوا على [زعيم تنظيم الدولة الإسلامية] أبو بكر البغدادي”.

 المحتجون يؤكدون على حرياتهم المدنية

يقول المراقبون إن السلطات بدأت في قمع حرية التعبير في لبنان بعد احتجاجات حاشدة في عام 2015 ضد أزمة رفع القمامة وغيرها من علامات سوء الإدارة الحكومية والانهيار الاقتصادي. (اقرأ التقرير ذو الصلة: لبنان: اقتراحات أكاديمية لأزمة النفايات).

استئنفت الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بإعلان الحكومة عن فرض ضريبة بقيمة 6 دولارات شهريًا على خدمات الاتصال عبر الإنترنت مثل واتساب وفيسبوك ماسنجر. سرعان ما ألغيت الضريبة، وبعد أسبوعين من بدء الانتفاضة العابرة للطوائف، اضطرت الحكومة إلى الاستقالة. في الآونة الأخيرة، تحولت المواجهات بين المتظاهرين والشرطة إلى العنف. (اقرأ التقرير ذو الصلة: لبنان: طلاب الجامعات والمدارس يرفضون استئناف الدراسة“.

يقول المراقبون إنه وعلى الرغم من الاستخدام المتزايد لتحقيقات التشهير، فقد شجعت “ثورة أكتوبر” الكثير من الناس على استخدام لغة قاسية بشكل متزايد في الهتافات والملصقات ووسائل التواصل الاجتماعي للتنديد بالفساد وسوء الإدارة.

قال أليكسي توما من معهد عصام فارس التابع للجامعة الأميركية ببيروت، “تم رفع الحدود فيما يتعلق بالإهانات التي يوجهها الناس إلى السياسيين والأحزاب.”

وأضاف توما، وهو مؤلف مشارك للتقرير الأخير للمعهد بعنوان “التعبير عن الرأي والقمع”، “تم كسر حاجز معين من الخوف.”

يشتمل التقرير على العديد من التوصيات، بما في ذلك دعوة عاجلة للبرلمان لإصلاح قوانين التشهير في البلاد. يقول التقرير إن من الواجب تغيير الجريمة من قانون العقوبات إلى القانون المدني، وينبغي تعريف المصطلحات مثل “التشهير” و”القدح” و”الذم” بوضوح.

كما أوصى التقرير بضرورة توفير التدريب على حرية التعبير والحقوق الرقمية للمسؤولين الحكوميين والمحامين والقضاة، حتى يحترموا حقوق المواطنين بشكل أفضل. ويجب أن تنشئ الحكومة لجنة لمكافحة الفساد للتعامل مع أحد الشواغل الرئيسية للسكان – فساد غير مسيطر عليه من قبل المسؤولين الحكوميين وغيرهم.

في الوقت ذاته، غالبًا ما يكون موضوع وقف التحريض على التوترات الطائفية أحد الأسباب التي تقدمها السلطات لتبرير تحقيقاتها في قضايا التشهير، وهي مسألة بدأت تفقد أي جاذبية كانت قد امتلكتها يومًا ما.

ففي نهاية المطاف، يحتج الأشخاص الذين خرجوا في المظاهرات في جميع أنحاء البلاد في الأسابيع الأخيرة، وأحيانًا بمئات الآلاف، بلا قيادة وبشكل غير طائفي، بوجود الشيعة والسُنة والمسيحيين وأبناء المكونات الأخرى جنبًا إلى جنب.

قالت مجذوب من هيومن رايتس ووتش، “أصبح من الواضح بشكل متزايد أن السلطات تستخدم هذا العذر”كذريعة لخنق النقاش.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام