من المخيم إلى الجامعة: رحلة طالبة سورية في دهوك

/ 14-01-2020

من المخيم إلى الجامعة: رحلة طالبة سورية في دهوك

دهوك- تقول زهرة القاسم إنها ليست شخصية صباحية، ولذلك يهزّها صوت منبّه الساعة في السابعة صباحًا بإلحاح ليوقظها من نوم عميق، في غرفة تتقاسمها مع إخوتها. بعد دقيقة أو اثنتين، تتراجع صدمة الاستيقاظ وتبدأ بالاستعداد للذهاب إلى الكلية، متفائلة بيومها الجديد. تغادر الحافلة من مخيم دوميز للاجئين في الساعة 8 صباحًا فهي ليست ذلك الشخص الذي يأتي متأخرًا. تسعى زهرة إلى الحصول على درجات جيدة، لذلك تحضر كل محاضرة، بما في ذلك محاضرات الصباح الباكر.

تُعد رحلة الحافلة التي تستغرق 30 دقيقة فرصة للدردشة مع الأصدقاء أثناء التنقل اليومي من المخيم إلى الكلية. يعتبر مخيم دوميز 1، في إقليم كردستان العراق، أكبر مخيم للاجئين السوريين في العراق الذي يستضيف أكثر من 1.5 مليون لاجئ ونازح من داخل العراق. غادرت عائلة زهرة الركن الشمالي الشرقي من سوريا، بالقرب من تقاطع الحدود بين سوريا وتركيا والعراق، قبل أكثر من سبع سنوات. وكحال الآخرين ممّن فروا من الصراع، كان على الأسرة أن تعيد بناء أوضاعها من الصفر.

كان من المقرر أن تبدأ زهرة صفها الدراسي العاشر عندما وصلت أسرتها إلى العراق، لكن الدراسة في المخيم في ذلك الوقت كانت متاحة للطلاب الأصغر سنًا فقط. ثم مرضت وخسرت عامًا آخر، وانتهى بها الأمر لتدرس في ذات الصف مع أختها أميرة، التي تصغرها بعامين وتبدي اهتمامًا أقل بالدراسة. قالت زهرة، التي نادرًا ما تقضي بعض الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، “إنها مشغولة دائمًا بهاتفها، وتتحدث مع الأصدقاء عبر الواتساب وإنستغرام. أجد ذلك غير مجدٍ.” أثر تدهور صحة زهرة وعوامل أخرى على درجاتها في المرحلة الثانوية، الأمر الذي حدّ من الخيارات المتاحة لها عند الالتحاق بالجامعة.

“لدي طموح أكبر … أريد تغيير مجتمعي ومساعدة الناس من حولي.”

زهرة   لاجئة سورية، حاصلة على منحة لدراسة الأدب الإنجليزي في جامعة دهوك

كان من المقرر أن تبدأ زهرة صفها الدراسي العاشر عندما وصلت أسرتها إلى العراق، لكن الدراسة في المخيم في ذلك الوقت كانت متاحة للطلاب الأصغر سنًا فقط. ثم مرضت وخسرت عامًا آخر، وانتهى بها الأمر لتدرس في ذات الصف مع أختها أميرة، التي تصغرها بعامين وتبدي اهتمامًا أقل بالدراسة. قالت زهرة، التي نادرًا ما تقضي بعض الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، “إنها مشغولة دائمًا بهاتفها، وتتحدث مع الأصدقاء عبر الواتساب وإنستغرام. أجد ذلك غير مجدٍ.” أثر تدهور صحة زهرة وعوامل أخرى على درجاتها في المرحلة الثانوية، الأمر الذي حدّ من الخيارات المتاحة لها عند الالتحاق بالجامعة.

في نهاية المطاف، حصلت زهرة، البالغة من العمر 23 عامًا، على منحة لدراسة الأدب الإنجليزي في جامعة دهوك. قالت، مشيرةً إلى مرضها، “لم يكن خياري الأول. أردت أن أدرس مجالًا مثل العلوم لأفعل شيئًا يساعد أشخاصًا مثلي. وحدهم أولئك الحاصلين على درجات عليا يضمنون أماكن في كليات العلوم في العراق، حيث تكافح المؤسسات التعليمية المكتظة بالطلاب بشكل مفرط لاستيعاب الطلاب السوريين منذ بداية الصراع في عام 2011.

في الكلية، يشكل أصدقاء زهرة مزيجًا من السوريين والعراقيين: الأكراد والمسلمين والمسيحيين واليزيديين. قالت، وهي تشرب كوبًا من الشوكولاتة الساخنة في كافتيريا الكلية التي تعجّ بالضوضاء، “يبحث الطلاب السوريون عن بعضهم البعض لأن لدينا ذات الثقافة”. كان ذلك في السنة الأولى، ولكن فيما بعد عادت الأمور إلى مجراها. قالت “الكل يتسكع معًا الآن، بغض النظر عن الثقافة أو الدين … نحن لا نسأل عن هذه التفاصيل لأننا لا نهتم.”

زهرة وصديقاتها في الطريق للجامعة. (تصوير: أوليفيا كوثبرت)
زهرة وصديقاتها في الطريق للجامعة. (تصوير: أوليفيا كوثبرت)

تبدو صديقتها لوانا، 25 عامًا، وهي طالبة في جامعة دهوك أيضًا، غير متأكدة حيال مواقف العراقيين تجاه السوريين في العراق. قالت “إنهم ينظرون إلينا وكأننا أدنى مستوىً منهم. نحن نشعر بذلك.”

تركز زهرة بشكل كبير على دراستها حتى لا تتحدث عن الاختلافات وتقول إن جيلها قد تجاوز هذا.

في الفصل، تسجل زهرة كل محاضرة للاستماع إليها لاحقًا وتدوين الملاحظات. كانت آخر محاضرة قبل الغداء عن ماكبث وقد انتقت المجموعة المشهد الثاني من الفصل الأول، وقاموا بتحديد هوية الشخصيات، والإفراط في السخرية والمفارقة في مأساة شكسبير. هناك حوالي 35 طالبًا في الفصل، مع تواجد نسوي يزيد قليلاً عن الرجال. تضع زهرة دوائر حول الكلمات المهمة وتوضح المقطع بالقلم الرصاص، مركزة بشدة على الدرس.

يميل الأساتذة إلى إعطاء الطلاب مهمة واحدة فقط كل شهر، لذلك إذا ما أرادت زهرة تجاوز محاضرات الفصل، فعادة ما يتعين عليها أن تدرس الفصول الإضافية بنفسها. بعض الأساتذة جيدون، والبعض الآخر أقل جودة لكنها لا تدع ذلك يقلقها. قالت “إذا قدم لنا الأساتذة المواد، فيمكننا الذهاب والبحث عبر الإنترنت ومعرفة المزيد من المعلومات”. بالنسبة إلى زهرة، لا يقتصر التعليم الجامعي على اجتياز الاختبارات فحسب. قالت، “لدي طموح أكبر … أريد تغيير مجتمعي ومساعدة الناس من حولي.”

على الغداء، تلتقي زهرة مع الأصدقاء في أحد مقاهي الحرم الجامعي. عادة ما يطلبون السندويشات، وهي الخيار الأرخص، أو تقوم بتناول الوجبات الخفيفة خلال اليوم وتتناول وجبة مناسبة في المنزل. تصنع والدة زهرة الأطباق اللذيذة التي تذكرها بالحياة في مدينتها الأم في ديريك في سوريا. ومن بين ما تختص بصنعه، الكبة المنزلية – المؤلفة من كرات مقرمشة مقلية محشوّة باللحم المفروم مع الأعشاب والتوابل. تحب زهرة أطباق اللحوم، طالما أنها لا تحتاج للمساعدة في تحضيرها. تذهب هذه الوظيفة عادةً إلى أميرة، وهي أقل ميلًا لقضاء الأمسيات برفقة الكتب.

زهرة مع أفراد من عائلتها في منزلها في مخيم دوميز للاجئين.  (الصورة:أوليفيا كوثبرت)
زهرة مع أفراد من عائلتها في منزلها في مخيم دوميز للاجئين. (الصورة:أوليفيا كوثبرت)

إذا ما قدمت زهرة يد المساعدة في المطبخ، فسوف تصنع السلطة، لكنها عادةً ما تجلس على وسادة أرضية في غرفة الجلوس الصغيرة، التي تُستخدم كغرفة نوم للأشقاء في الليل، وتدرس من الساعة 6 إلى 10 مساءًا. في حوالي الساعة 4 مساءً يأتي والدها من العمل لتناول الطعام مع العائلة قبل أن يعود للعمل مرة أخرى حتى منتصف الليل. كان يعمل في مسلخ في سوريا لكنه يدير الآن شركة صغيرة لتحويل العملات في المخيم. تنعم الأسرة بوضع أفضل من بعض الأشخاص في المخيم، حيث لا تستطيع بعض الأسر شراء الخبز.

تتلقى زهرة أيضًا منحة تقارب 300 دولار شهريًا من منحة DAFI التابعة لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، والتي تمنح بعضًا منها لأمها لدعم إخوتها الصغار. بدأت الأسرة في خيمة، والآن يعيش ثمانية أفراد من العائلة في منزل صغير مكون من أربع غرف – زهرة وشقيقتها أميرة، 21 عامًا، وخليل، 18 عامًا، وياسمين، 16 عامًا، وإيمان، 14 عامًا، وصلاح، 12 عامًا. كما تعيش شقيقتها الكبرى في سوريا ولديها شقيقتان أخريان وشقيق يعيش في ألمانيا. تتابع زهرة أخبارهم من وقت لآخر عبر سكايب والواتساب، لكنهم متزوجون ولديهم عائلات خاصة بهم وتبدو حياتهم بعيدة جدًا.

زهرة تدرس في بيتها في مخيم دوميز للاجئين.  (الصورة:أوليفيا كوثبرت)
زهرة تدرس في بيتها في مخيم دوميز للاجئين. (الصورة:أوليفيا كوثبرت)

ليست لدى زهرة أي فكرة عن الزواج حاليا، رغم أنها وصديقاتها يتحدثن عن العلاقات. في بعض الأحيان، يقضين بعض الليالي في مساكن الطلبة ويتبادلن الأسرار. بالنسبة إلى زهرة، الصديق الجيد هو الشخص الذي يمكنك أن تقول له أي شيء بثقة تامة. كما إنهن يناقشن خطط المستقبل. تحب صديقتها غزالة، البالغة من العمر 21 سنة، الموضة، لكنها تقول إنها لن تتابعها كمهنة. قالت “في هذا المجتمع، الأمر صعب للغاية. لا يسمح مجتمعنا بذلك.”

تشعر جميع صديقات زهرة بالقلق بشأن آفاقهن بعد التخرج. حيث أن فرص العمل نادرة في العراق، الذي شكّلت نسب البطالة المرتفعة فيه قلب الاحتجاجات واسعة النطاق في العاصمة وغيرها من المدن في جميع أنحاء الجنوب. لا تمتلك زهرة أدنى فكرة عن الوظيفة التي ستقوم بها بعد التخرج ولكنها تأمل في الفوز بمنحة دراسية للحصول على درجة الماجستير في الخارج. كما إنها تريد السفر إلى الخارج للحصول على رعاية صحية أفضل.

تعاني زهرة واثنان من إخوتها من حالة الثلاسيميا الكبرى، التي تتطلب عمليات نقل دم كل أسبوعين، وهذا أحد الأسباب التي تجعلها غير قادرة على العودة إلى سوريا، حيث لا يتوفر هذا العلاج. تفضل زهرة أن تكون متفائلة وأن تركز على المستقبل. وتفكر في الغالب في امتحاناتها النهائية في شهر أيار/مايو والفرص المتاحة لها بعد ذلك. قالت،”أشعر أن أمامي مستقبلٌ لطيف لأنني أدرس بجد من أجل ذلك.”




تعليقان 2اكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابراهيم:

    فقط اريد ان اعلق على كلام صديقة زهراء عندما كانت تقول ان العراقيين يشعرون انهم اعلى مستوى منهم وهذا الشيء غير حقيقي ابدا فلا يتم التفريق بيننا وبينهم لانني ايضا كنت ادرس في جامعة دهوك وكان زملائي من السورين والعرب والايزيديين والمسيحيين ولم نتطرق يوما الى هذا الامور فكلنا كنا اصدقاء ولا زلنا نتواصل الى الان وان حدث شيء فهو تصرف فردي لا يمثل العامة

  2. يقول Zahra:

    شكرا سيد ابراهيم على تعليقك ولكن هذا لم يكن رأي بل رأي صديقتي.


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام