تغيرات هبوب رياح الصحراء تهدد مستقبل المصايد العربية

/ 23-01-2020

تغيرات هبوب رياح الصحراء تهدد مستقبل المصايد العربية

أبوظبي – تشكّل المخزونات السمكية في بحر العرب مصدر الغذاء لملايين الناس، في العالم العربي وخارجه، لكن الأبحاث الجديدة الصادرة عن جامعة نيويورك في أبوظبي كشفت أن استقرار استدامة هذه المصايد يبدو غير مؤكد بسبب التغير المناخي.

يُظهر البحث، الذي نُشر في مجلة جيوفيزيكال ريسيرتش ليترز Geophysical Research Letters، أن الكثير من إنتاجية هذه المصايد تعتمد على المغذيات الموجودة في غبار الصحراء والذي يهب على البحر من شبه الجزيرة العربية. تُستخدام هذه العناصر الغذائية من قبل الكائنات الحية في أسفل السلسلة الغذائية، والتي تتغذى عليها الأسماك بدورها.

يقول العلماء القائمين على العمل أيضًا إن المسألة تشكّل توازن دقيق للغاية. إذا ما تغيرت أنماط هبوب الرياح بشكل من شأنه أن يؤثر على هذه المغذيات – سواء بزيادة أو نقصان تركيز المغذيات – فيمكن أن يُقلّل ذلك بشكل كبير من إنتاج العوالق النباتية في أسفل السلسلة الغذائية وبالتالي تتراجع كميات الأسماك.

قال زهير الأشقر، العالم البارز في مركز جامعة نيويورك أبوظبي للنمذجة المناخية، “تبيّن أن الغبار المُثار في الجو مهم للغاية. من كان يظن ذلك. نحن عادة لا نحب العواصف الترابية هنا، لكنها تؤدي غرضًا معيّناً.”

استخدم الأشقر وزملاؤه بيانات مثل اتجاه الرياح لتقدير كمية الغبار المتدفق إلى بحر العرب. بهدف قياس إنتاجية الجزء الأسفل من السلسلة الغذائية، قاموا بدمج أنواع مختلفة من البيانات بما في ذلك صور الأقمار الصناعية ومقاييس ملوحة المياه ومستويات الأكسجين ودرجة الحرارة.

باستخدام هذه المعلومات، ابتكر العلماء نموذجًا على الكمبيوتر للنظر في ما يمكن أن يحدث للإنتاجية الحيوية في ظل بعض السيناريوهات النظرية المختلفة. قال الأشقر “قارنا سيناريوهات اختفاء الغبار وزيادته القصوى.”

في السابق، اعتقد الباحثون أن بحر العرب يدين بمخزوناته السمكية الوفيرة للتيارات التضخمية الصاعدة، التي تجلب المواد المغذية من قاع البحر إلى الطبقات السطحية من المياه حيث يمكن أن تستهلكها الكائنات الحية. قال الأشقر، “أظهر تحليلنا أن هذا نصف الحقيقة فقط، وأن الغبار هو المساهم الآخر، وخاصة جزيئات الحديد في الغبار. ففي المناطق التي لا تتواجد فيها رواسب غبار الصحراء، كان للنظام البيئي نصف القدرة الإنتاجية.”

وبينما تبدو معرفة المزيد عن الغبار أمرًا مثيرًا للاهتمام بدرجة كافية، حسبما يقول الأشقر مازحًا، إلاّ أن أهمية نتائج الدراسة تصبح واضحة عندما تعلم أنه من المتوقع أن تتغير أنماط الرياح على نطاق واسع في السنوات والعقود القادمة.

“تبيّن أن الغبار المُثار في الجو مهم للغاية. من كان يظن ذلك. نحن عادة لا نحب العواصف الترابية هنا، لكنها تؤدي غرضًا معيّناً.”

زهير الأشقر   العالم البارز في مركز جامعة نيويورك أبوظبي للنمذجة المناخية

وفقًا لنموذج الأشقر على الكمبيوتر، فإن هذا قد يعني انخفاض مخزون الأسماك بشكل كبير، مما قد يعني أن ملايين الأشخاص من سكان الهند وباكستان واليمن وعُمان سيكونون بحاجة للبحث عن مصدر بديل للغذاء في المستقبل.

يقول محمد الأزهر، مصمم نماذج المحيطات في مختبر بليموث مارين في المملكة المتحدة، إن التغير المتوقع في الرياح مرتبط مباشرة بتغير المناخ.

قال الأزهر، الذي تعاون مع الأشقر في مشروع الغبار، “من شأن ارتفاع مستويات سطح البحر أن تُحدث فرقًا في الضغط بين اليابسة والمحيطات، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيّر في أنماط الرياح. بالطبع، من الممكن أن يكون هناك جدال دائم حول ما إذا كان هذا سيحدث أو لا، لكن معظم نماذج الكمبيوتر تتنبأ بنمط ريح مختلف، وأقول أن هذا يعني أنه من المرجح أن يحدث ذلك أكثر من عدمه.”

لم يتضح بعد ما إذا كان تغيير نمط الرياح، في حال حدوثه، سيؤدي إلى زيادة في تدفق الغبار أو انخفاضه. لكن في كلتا الحالتين، لا تبدو الأخبار جيدة، بحسب الباحثين.

، “من شأن ارتفاع مستويات سطح البحر أن تُحدث فرقًا في الضغط بين اليابسة والمحيطات، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيّر في أنماط الرياح.”

محمد الأزهر   مصمم نماذج المحيطات في مختبر بليموث مارين في المملكة المتحدة

قال الأزهر موضحاً، “يعتمد هذا على النطاق الزمني الذي تنظر إليه. على المدى القصير [حتى 50 عامًا] قد ترى تأثيرًا إيجابيًا. إذا كان تغير الرياح يعني جلب المزيد من الحديد والمواد المغذية إلى المحيط، فمن الواضح أنك ستحصل على المزيد من الإنتاجية. لكن على المدى الطويل [من 50 إلى 100 عام]، ستعاني من دورة التغذية الراجعة السلبية لأن زيادة الإنتاجية تعني استهلاكًا أكبر للأكسجين، وبما أن النظام البيئي بأكمله يعتمد على الأكسجين للبقاء على قيد الحياة، سيكون في إمكانك ملاحظة المشكلة.”

إذا كان تغير نمط الرياح يعني انخفاضا في الغبار الواصل إلى البحر، فمن المرجح أن تنخفض الإنتاجية في وقت أقرب وليس آجلا. ومع ذلك، تظهر البيانات، حتّى الآن، أن مستويات الأكسجين تنخفض بالفعل، بحسب الأشقر، وهو ما يرجّح كون بحر العرب يسير في اتجاه السيناريو الأول الذي ستنجُم عنه أضرار بيئية على المدى الطويل.

قال الأشقر “نود التأكيد على حاجة هذا المحيط للمزيد من الاهتمام. إنه قريب من الهند حيث يوجد عدد كبير من السكان الذين يتناولون الكثير من الأسماك. من المرجح أن يكون الساحل الغربي للهند الأكثر تعرضًا لخطر الظروف المعاكسة.”

أياً كان ما سيحدث، فإنه مجرد مثال آخر على الأبحاث التي تُظهر كيف يؤثر التغير المناخي على المنطقة العربية. حيث أظهرت أبحاث أخرى أن من المتوقع أن تزداد حرائق الغابات في بلاد الشام (اقرأ التقرير ذو الصلة:  باحثون يحاولون إيجاد حلول لمشكلة حرائق الغابات في لبنان (ومن المحتمل أن تتضاءل إمدادات المياه لتشكّل مشكلة على مستوى المنطقة (اقرأ التقرير ذو الصلة: الاستنزاف يهدد الموارد المائية للمنطقة العربية).

يأمل باحثون من أمثال الأشقر في أن تساعد بياناتهم صُناع السياسة في اتخاذ قرارات مستنيرة للتخفيف من آثار التغيرات البيئية القادمة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام