باحثون يناقشون واقع الثقافة الشعبية في مصر اليوم

/ 28-01-2020

باحثون يناقشون واقع الثقافة الشعبية في مصر اليوم

القاهرة – ما وظيفة الثقافة الشعبية في مصر اليوم؟ هل تتمثل في تصوير الناس لأنفسهم كما هم أم إنها تسعى لفرض رواية وطنية معيّنة؟ كيف ينبغي فهم الثقافة الشعبية ودراستها والحفاظ عليها ومشاركتها مع الجمهور؟

وما هي الثقافة الشعبية بطبيعة الحال؟ في النهاية، وكما قال أحد المشاركين في ندوة عقدت مؤخرًا في القاهرة، والتي أثارت هذه الأسئلة والعديد غيرها، “الأمر لا يشبه استيقاظ أحد الممارسين للثقافة في الصباح ليقول، سأذهب لإنتاج بعض الثقافة الشعبية اليوم.”

نظمت الندوة التي عُقدت على مدار يومين، في 17 و 18 كانون الثاني/ يناير، واستضافها مركز البحوث الأميركي في مصر، وهي مؤسسة علمية تدعم مشاريع الحفاظ على التراث وتقدم الزمالات والمنح لإجراء البحوث في جوانب التاريخ والثقافة المصرية.

في إحدى الجلسات الافتتاحية، ناقش محمد الشاهد، مبتكر مدونة مشاهد القاهرة ومؤلف كتاب جديد عن الهندسة المعمارية الحديثة في مصر، ومارسيا لينكس كويلي، محررة موقع الأدب العربي ArabLit الذي يصدر مجلة فصلية، مسألة “إنتاج المعرفة للجمهور” مع ن. أ. منصور، الزميل في مركز خزينة Hazine للبحوث غير الربحية ومحرر مجلة الموقع المكرس للبحث العلمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

إن ما تشترك فيه برامج هؤلاء المتحدثين هي أن لجميعهم منابر جماعية على الإنترنت. وتتخذ أشكال أخرى من إنتاج المعرفة والنقد أيضًا الصيغ الرقمية إلى حد كبير وغالبًا ما تكون سريعة الزوال هذه الأيام مثل: المدونات الصوتية وقنوات اليوتيوب ومنتديات مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتبادل الناس الصور والتسجيلات والحكايات التاريخية. يساعد التعاون هذه المشروعات على إدامة نفسها، لكن التفتُت لا يزال مشكلة بالنسبة للكثير منها. قالت كويلي “نعيش جميعًا على جزرنا الصغيرة المنعزلة.”

وأضاف الشاهد إن التحدي الآخر يتمثل في أن الثقافة الشعبية غالبا ما تُفهم على أنها ثقافة “منخفضة”، وأن الخطاب المحيط بها يجب أن يتجنب التسلط أو التقييد. وأضاف أن من واجب الباحثين الأجانب أيضًا أن يحرصوا على ألا يكونوا “متطفلين”، أي عدم إنتاج المعرفة داخل مصر أو حولها من دون أن تكون متاحة هنا على الإطلاق.

“يجب تحرير المتاحف من التركيز على الآثار وجعلها في أماكن نشطة من خلال إقامة المعارض والبرامج.”

محمد الشاهد   مبتكر مدونة مشاهد القاهرة ومؤلف كتاب جديد عن الهندسة المعمارية الحديثة في مصر

إعادة التفكير في المتاحف

في الوقت ذاته، غالبًا ما تميل السلطات المحلية إلى تحويل التراث الثقافي إلى نسخة فولكلورية عن ذاتها، لأغراض تجارية وسياحية. وقد نوقشت تلك الديناميكية بالتحديد على نحوٍ مطول في جلسة حوارية مخصصة للمتاحف.

استضاف الحوار الشاهد، الذي نظم معرضًا للأشياء اليومية الحديثة من مصر في المتحف البريطاني؛ فضلاً عن ياسمين الشاذلي، عالمة المصريات ونائبة مدير الأبحاث في مركز البحوث الأميركي في القاهرة والتي سبق لها أن عملت في المتحف المصري؛ وكريم الشابوري، الذي صمم عددًا من المتاحف الصغيرة الجديدة في القاهرة، بما في ذلك متحف جمال عبد الناصر ومتحف نجيب محفوظ الذي افتتح مؤخرًا.

قالت الشاذلي إن للقائمين على تنظيم المعارض من المصريين الشباب المزيد من الفرص للتدريب والسفر إلى الخارج وأن هذا يقودهم إلى الرغبة في تجربة أفكار جديدة. وأشارت إلى أن كل متحف يركّز على بعض اللقى الأيقونية (مثل قناع الملك توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير في المستقبل) ولكن ذلك يمكن أن يسرق الأضواء من العديد من اللقى الأخرى في المجموعة.

(الصورة: مصطفى عبد العاطي\ARCE). محمد الشاهد ومارسيا لينكس كويلي ن. أ. منصورخلال ندوة مركز البحوث الأميركي في مصر. ()
(الصورة: مصطفى عبد العاطي\ARCE). محمد الشاهد ومارسيا لينكس كويلي ن. أ. منصورخلال ندوة مركز البحوث الأميركي في مصر. ()

وفي الوقت ذاته، أعرب الشابوري والشاهد عن أسفهما لمدى ارتباط المتاحف بشكل عام بالسياحة وليس بالتراث.

قال الشاهد “يجب تحرير المتاحف من التركيز على الآثار وجعلها في أماكن نشطة من خلال إقامة المعارض والبرامج.” كما أوضح الشابوري أنه حتى عندما يتم تصميم المتاحف لتكون مساحات ديناميكية، فإنها يمكن أن تتحول إلى ما لا يتعدّى كونها “مستودعات” بقليل لأن مديري المتاحف لا يتوافرون في العادة على الموارد أو يمتلكون المرونة اللازمة لبدء الأنشطة.

قال الشابوري “ينبغي أن يكون لكل متحف مهمة وجمهور محدد وشعور بالكيفية التي سيخدم بها المجتمع.”

أشار أحد كبار السن من الجمهور إلى أن الرحلات المدرسية إلى جميع المتاحف الكبرى كانت إلزامية في فترة تعليمه العام، لكنه قال إن هذا الأمر لم يعد كذلك اليوم. وأيد الاقتراح بوجوب استفادة المتاحف من الجمهور المحلي الضخم و “ألاّ تعتمد على السياح بل على الـ 100 مليون مصري.”

صور وتطلعات

في اليوم الثاني، ناقشت الندوة مسألة الجمهور الذي تستهدفه بعض المشاريع الثقافية وكيفية الوصول إليهم، حيث نظمت هذه الحلقات النقاشية إلى حد كبير حسب الفئات الفنية (وقد تأسّفت كثيرًا على غياب بعض المجالات المؤثرة، مثل الموسيقى أو الرسم أو حتى الميمات).

“ينبغي أن يكون لكل متحف مهمة وجمهور محدد وشعور بالكيفية التي سيخدم بها المجتمع.”

كريم الشابوري   مصمم لعدد من المتاحف الصغيرة الجديدة في القاهرة

 قالت ريزكوفا “كانت الاستوديوهات مساحات للأداء، حيث قام الشباب على وجه الخصوص بتمثيل التحولات التي يحلمون بها.” وأوضحت أن تكرار ومحاكاة العديد من لقطات الاستوديوهات يمكن استخدامها لتحديد الروايات التاريخية الهامة.

أشارت المصورة الفوتوغرافية هبة فريد، التي قامت مؤخرًا بإنشاء مشروع “تينترا“، وهو معرض فني ومركز استشارات في فن التصوير الفوتوغرافي، إلى استمرار استخدام مجازات المستشرقين في تصوير مصر. إذ لا تزال صور النساء اللاتي يرتدي الخِمار والجِمال شائعة على انستغرام اليوم كما كانت عليه قبل مائة عام، وهي صور التقطها سكّان محليون وأجانب فيما يبدو وكأنه جزء من “الحنين الاستعماري.”

 تحديات تواجه المخرجين

تبدو السينما المصرية في بعض الأحيان مثقلة بالتوقعات المتعلقة بوجوب إبراز البلاد في صورة إيجابية، أو أن تُظهر للمصريين أنفسهم ما يجب أن يطمحوا لتحقيقه.

قالت الممثلة روزالين البيه إن الأفلام غالبًا ما تُنتقد لأنها لا تعطي الصورة المناسبة والإيجابية. قالت، “هناك رغبة في التحكم والرقابة وتنظيف ما نراه في الأفلام”. وأشارت إلى أن ذلك يمكن أن ينتج أفلامًا لا تمثّل المجتمع بشكل دقيق.

يجب اعتماد نصوص الأفلام في مصر من قبل هيئة رقابة؛ وحتى بعد الموافقة عليها، قد يتدخل المراقبون لإيقاف عرض الفيلم من دور السينما.

يتطلب التصوير بجميع أنواعه تصاريح باهظة الثمن بشكل متزايد. ويعني هذا أنه من الصعب للغاية اليوم صنع فيلم صغير مستقل. بل أن المنتجين الكبار يبدون متحفظين للغاية في خياراتهم، خشية أن يضيعوا المال والوقت إذا ما تعاملوا مع موضوع محفوف بالمخاطر.

في الواقع، تمثّلت المشكلة الجليّة طوال الندوة في الدرجة التي تتم بها مراقبة المساحات والمنصات والموارد وشبكات توزيع الثقافة – الشعبية أو غير ذلك – في مصر اليوم على نحوٍ متزايد ومراقبتها ومضايقتها وتركها تلهث من أجل البقاء.

يخضع وسط القاهرة، الذي كان متنفسّا لمعظم المساحات الثقافية في العاصمة، ومكانًا لتجمع الاحتجاجات – لهجوم أمني مكثّف أسفر عن إغلاق المكتبات والمعارض والمسارح هناك الواحدة تلو الأخرى. وبينما تم سجن الناشرين المستقلين، انتقل الجيش ليقوم بوظيفة إنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. يبدو أن الهدف من ذلك جعل إنتاج الثقافة حكرًا على الدولة.

في هذه الأثناء، أشار أحد الباحثين إلى وجود الكثير من المواهب في مصر التي لا تمتلك وسيلة لإبراز أنفسها للجمهور.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام