معرض حروب الخليج: كيف غيّرت تلفزة الحروب مفهومنا عن التصوير

/ 20-12-2019

معرض حروب الخليج: كيف غيّرت تلفزة الحروب مفهومنا عن التصوير

نادرًا ما تقدم المتاحف في مدينة نيويورك معارض تركز على السياسة الدولية أو أشكال التعبير السياسي للفنانين الأجانب. في العادة، تعلّق هذه المتاحف على السياسة في أميركا، كما يثبت من خلال المعارض الفنية الأخيرة الدقيقة والقوية التي ناقشت موضوع الحركات الفنية الأفريقية الأميركية وحقوق المرأة والعنف المسلح، على سبيل المثال. لكن يبدو أن السياسة الخارجية لا تستحوذ على الاهتمام أو تجذب الأعداد المطلوبة من الزوّار لتبرير إقامة معرض مكلف.

وبذلك يعتبر معرض “مسرح العمليات: حروب الخليج 1991-2011” في مركز MoMA PS1 مجهود شجاع، فضلاً عن كونه إضافة ضرورية لبرنامج الفن العالمي الذي يفتقر لوجود معارض ذات طابع دولي وتتعلق بالوقت الراهن. في صدفة مذهلة، يأتي هذا المعرض المتعلّق بعواقب التدخل الأميركي في العراق في وقت تشهد فيه البلاد أكبر الاحتجاجات منذ سقوط صدام حسين عام 2003. ويمكن اعتبار الكثير من الاضطرابات الاجتماعية الحالية في العراق إرثًا للوجود الأميركي هناك. (اقرأ المقال ذات الصلة، “احتجاجات الطلاب في العراق: جرأة وإصرار على مستقبل أفضل“.)

وضّح المنسق الرئيسي لمركز MoMA PS1 بيتر إيلي والقيمة الفنية ربى قطريب في مقابلاتٍ أجريت معهما أن مسرح العمليات يهدف لـ “تذكير الناس بأهمية الصراعات ومعناها. إنه ليس عرضًا عن الحرب، بل عرض للفنون التي صُنعت ردًا على الحرب. إنه يتعلق بالحديث عن الفن في سياق خاص به وبما هو موجود بالفعل – التاريخ المشترك للمنطقة وتاريخ الغرب.”

بعرض أعمال 88 فنانًا – بينهم ستة كويتيين و30 عراقيًا و30 أميركيًا – تجسّد الأعمال المختارة ردود فعل متعددة على فترة تلك الأحداث العسكرية التي استمرت 20 عامًا. لا تمثل تلك الأعمال ببساطة صور عن الحرب، بل عن الخسائر في المناظر الطبيعية للأراضي التي تم غزوها، واختفاء الناس، وتعذيب الأسرى من الجنود العراقيين، وانعكاسات العقوبات الاقتصادية الدولية على العراق، والتي أثرت على الإنتاج الإبداعي وفرضت قيودًا على الإنتاج الفني بسبب القيود المادية. 

بث حي للغزو

نشرت أعمال معرض مسرح العمليّات في جميع أرجاء مركز MoMA PS1، وهي مساحة واسعة تشغل مبنى مدرسة سابقة. (يعتبر MoMA PS1 معرض للفن المعاصر في كوينز، في نيويورك، منفصل من ناحية المجموعات المعروضة عن المتحف الرئيسي للفن الحديث في مانهاتن.)

ميات الحرب رقم 1. 1991 ، بقلم ضياء العزاوي في معرض مسرح العمليات: حروب الخليج 1991-2011 في MoMA PS1 ، (تصوير: ضياء العزاوي).
ميات الحرب رقم 1. 1991 ، بقلم ضياء العزاوي في معرض مسرح العمليات: حروب الخليج 1991-2011 في MoMA PS1 ، (تصوير: ضياء العزاوي).

يمهد المعرض المسرح لفن يصوّر الغزوات التي قادتها الولايات المتحدة في عامي 1991 و2003 من خلال تسليط الضوء على مقدمة لهذه الأحداث، وغزو العراق واحتلاله للكويت لفترة قصيرة في عام 1990. تُقدّم هذه الأحداث للمشاهدين من خلال أعمال الفنانين الكويتيين، بما في ذلك ثريا البقصمي. تذكرنا مطبوعتها الشهيرة “لا للحرب”، التي نشرت في الكويت أبان نزاع عام 1990، بالحدث القصير والمروع الذي تم عرضه على الهواء مباشرة على التلفزيون – وهو الأول في تاريخ البث التلفزيوني. (غالبًا ما تعتبر فيتنام أول حرب متلفزة، لكن القتال لم يتم بثه على الهواء مباشرة).

لا تكمن قوة المعرض في موضوعه فحسب، بل في كيفية إظهار أن تصوير الحرب قد تغلغل في ثقافة الصورة المعاصرة. اليوم، تعودنا على مشاهد العنف على شاشات التلفزيون، حيث نستقبل مشاهد من الأحداث المباشرة بالنانو ثانية بعد حدوثها، لكن في عام 1990، كانت الصور الحية للمعارك العسكرية جديدة بشكل مثير للصدمة.

لا تستجيب جميع الأعمال الفنية الـ 307 المعروضة في المعرض لموضوع الغزوات بشكل صريح. إذ يقارن “مونتغومري، ألاباما 1955“، وهو ملصق لمجموعة من فتيات حرب العصابات مجهولات الهوية، حالة حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية في عام 1991 بالقوانين التمييزية في الجنوب الأميركي خلال عصر الحقوق المدنية.

لكن إدراج مجموعة متنوعة من الأصوات وردود الفعل على رعب الحرب يساعد على تعزيز الهدف الأساسي للمعرض الفني المتمثل في أن للغزوات الأميركية للعراق آثار هائلة على أخلاقيات الصور ومفاهيم إنشاء الصور. ولم تكن هذه الآثار محسوسة في وسائل الإعلام فحسب بل في عالم الفن الدولي. وهكذا بدأ تصوير الحرب في ثقافة الصورة يتطور بسرعة، على الرغم من أنه جاء بعد خمسة عشر عامًا فقط من نهاية حرب فيتنام، بحسب إيلي.

لا يعود نجاح المعرض بشكل عام لكونه يعرض موضوعًا صعبًا إلى حد ما مع إدراج متوازن للفنانين العراقيين إلى جانب الفنانين الأميركيين وغيرهم فحسب، بل لأنه يسمح بتعدد الخبرات الفنية وردود الفعل. إنه ينظر إلى الرعب من جميع وجهات النظر.

مدينة بغداد: خريطة الولايات المتحدة. 2007 ، بقلم هناء مال الله ، في معرض مسرح العمليات: حروب الخليج 1991-2011 في MoMA PS1. (تصوير: أنتوني داوتون ، الفنان ومجموعة عزاوي)
مدينة بغداد: خريطة الولايات المتحدة. 2007 ، بقلم هناء مال الله ، في معرض مسرح العمليات: حروب الخليج 1991-2011 في MoMA PS1. (تصوير: أنتوني داوتون ، الفنان ومجموعة عزاوي)

فنانون بلا مواد رسم 

يكشف وجود الأعمال الفنية التي أنتجها الفنانون العراقيون خلال تلك الفترة – وخاصة بطريقة الدفاتر، أو دفاتر الملاحظات المصنوعة يدويًا التي استخدمت بمثابة كراسات رسم – عن الطبيعة التجريبية للفنانين الذين تعاملوا مع آثار العقوبات الاقتصادية. تتمثل تلك الحيلة في أعمال فنانين كثر بما في ذلك هناء مال الله ورافع الناصري وضياء العزاوي. (وكان الأخير يقيم في المملكة المتحدة، وليس في العراق، خلال الغزو ولكنه ولّد رد فعل على الأحداث التي تكشفت على شاشة تلفازه.)

على الرغم من انتاج العديد من هؤلاء الفنانين لأعمال بوجود فرص محدودة للوصول إلى المواد والأفكار التي ظهرت خلال التسعينيات وأوائل القرن العشرين مع تشكّل عالم فني عالمي، إلا أن الأعمال لا تزال تُظهر إبداعًا فنيًا غير مقيد، وتزاوج بين الحرفة العراقية التقليدية وجماليات بأفكار معاصرة للإنتاج الفني. تتخلل هذه الأفكار إنتاج الأعمال حتى بعد النهاية المفترضة للغزو والاحتلال: ومنها عمل الفنانة مال الله لعام  2015 بعنوان “هدير الأطلال” Ruins Roar، وهي لوحة كبيرة محترقة تثير تفاصيلها المؤلفة من مواد متفحمة مشاهد الدمار والركام المحترق.

يتجسّد الأمر الأكثر أهمية هنا في تقديم الفن غير الغربي على قدم المساواة مع أعمال الفنانين الأميركيين والأوروبيين. بالنسبة للفنانين العرب الذين ظلوا بعيدًا عن قوائم الفن العالمية، يعد الاعتراف بحركة فنية ذات فنانين ولاعبين متفرّدين خطوة إلى الأمام في إطار تصحيح هذا الخلل والاعتراف بأن الفن الحديث قد تطور على امتداد فترات زمنية متعددة وأنماط من التطور الفني.

أشار إيلي قائلا، “كانت حرب عام 1990 في الكويت متزامنة مع بداية الإنترنت. بحلول عام 2003، ساعد الإنترنت على تغذية تجربة مشتركة للتضامن العالمي أدت إلى احتجاجات كبيرة مناهضة للحرب في جميع أنحاء العالم. لقد أدى انتشار المعلومات والمواد ومواقع مشاركة الصور مثل فليكر إلى اكتشاف الفظائع التي ارتكبها الجنود الأميركيون في سجن أبو غريب. ما يبرزه هذا المعرض بوضوح هو البداية العالمية لنظام بصري جديد، وهو واقع يتغير بشكل مستمر.”

ليس معرض “مسرح العمليات” مجرد عرض للحروب والغزو، بل معرض حول الكيفية التي أجبرتنا من خلالها صور الحرب هذه على أن نستوعب بسهولة مثل هذه المشاهد فيما بعد. إنه بالتأكيد بمثابة موجه للتأمل الذاتي في كيفية استهلاكنا للأخبار، وكيف أصبح الجمهور بشكل عام قادرًا على استيعاب ما كان يُعتبر غير قابل للتجربة “للهضم>”

يستمر معرض مسرح العمليات: حروب الخليج 19912011  في مركز MoMA PS1  حتى الأول من آذار/ مارس 2020. يفتح المتحف، في كوينز بنيويورك، أبوابه من الخميس إلى الاثنين، من الظهر وحتى الساعة 6 مساءً.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام