أداء ضعيف للدول العربية في اختبارات الـ “PISA”

/ 13-12-2019

أداء ضعيف للدول العربية في اختبارات الـ “PISA”

مُجددا، جاءت المنطقة العربية في ذيل القائمة تقريباً في المقارنات الدولية من اختبار البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA فيما يخص قدرات الأطفال البالغين من العمر 15 عامًا في القراءة والرياضيات والعلوم. إذ كشفت النتائج التي صدرت للتو من الجولة الأخيرة من برنامج تقييم الطلاب الدولي (PISA) أن طلاب خمس دول عربية هي لبنان والأردن والمغرب وقطر والمملكة العربية السعودية قد حلّوا في الثلث الأسفل من بين 79 دولة مشاركة.
سجلت الإمارات العربية المتحدة، وهي الدولة العربية الأخرى المشاركة، انجازًا أعلى بقليل من الدول العربية الأخرى. فيما حققت قطر تحسنًا كبيرًا في درجات طلابها، رغم احتلالها مرتبة سيئة على المستوى العالمي.
تنذر النتائج بواقع سيء، بحسب التربويين، بخصوص آفاق تكوين مواطنين متعلمين جيدًا، اعتادوا على التفكير بشكل نقدي، وهو أمر من شأنه أن يحسّن الاقتصاديات، ويعزز المجتمع المدني والحكم الديمقراطي في المنطقة.
قال أندرياس شلايخر، مبتكر ومدير برنامج PISA، إنه من بين مناطق العالم، “ربما يكون أمام المنطقة العربية الطريق الأطول للتحسن” وأن شباب المنطقة “يجيدون تكرار ما تعلموه ولكنهم لا يجيدون المشاركة في المهام التي تتطلب من الطلاب التفكير الإبداعي”. (اقرأ التقرير ذو الصلة: تحليل واقع التعليم العربي من خلال اختبارات تقييم الطلاب الـ PISA).
وأضاف، على سبيل المثال، حقّق أسوأ 10 في المئة من الطلاب في الصين وفيتنام في التقييمات نتائج أفضل من أكثر 10 في المئة تميّزا من طلاب المملكة العربية السعودية.

بارقة أمل في قطر

على عكس ميل معظم الدول المشاركة التي رأت أن نتائجها لم تتغير إلى حد كبير على مدى العقد الماضي، أظهرت دولة عربية واحدة، هي قطر، تحسناً قوياً، على الرغم من انطلاقها من نقطة منخفضة. في جميع الموضوعات الثلاثة، القراءة والرياضيات والعلوم، تقلصت نسبة الطلاب ذوي الأداء المنخفض وزاد نصيب الطلاب المتفوقين.
تشير اختبارات الـ PISA إلى أن ثلث هذا التحسن تقريباً ناتج عن زيادة عدد الطلاب الوافدين في قطر، الذين كانوا، على عكس المهاجرين في العديد من البلدان الأخرى، يميلون لتحقيق درجات أفضل من الطلاب المولودين محليًا.

something didnt work here

يتمثل التحدي في جميع البلدان في تشكيل رؤية مشتركة بحيث يعرف [جميع أصحاب المصلحة] ما يرغبون في تحقيقه.”

داكمارا جورجيسكو   خبيرة وممثلة المكتب الإقليمي للتربية في الدول العربية

لكن يبدو أن معظم التحسن يرجع إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها قطر لتعزيز نظامها التعليمي. إذ استثمرت الدولة الصغيرة الغنية بالنفط والغاز بشكل كبير في تحسين التعليم وتطوير المناهج الدراسية، بحسب داكمارا جورجيسكو، الخبيرة في اليونسكو وممثلة المكتب الإقليمي للتربية في الدول العربية، والمقيمة في بيروت.

توفر قطر أيضًا دعماً سخياً لـ “المدارس المستقلة”، والمؤسسات غير الربحية، على غرار “المدارس المستقلة” في أميركا، والتي تتمتع بحرية أكبر من المدارس الحكومية في التجربة والابتكار. كما وضعت قطر، بشكل ملحوظ، استراتيجية تعليمية موحدة كجزء من “رؤية قطر الوطنية 2030″، لمواءمة جميع جوانب التعليم، بما في ذلك تدريب المعلمين وتطوير المناهج الدراسية والتقييم.

تقول جورجيسو إن هذا التركيز مفقود في الكثير من الدول التي تحقق نتائج سيئة. قالت “يتمثل التحدي في جميع البلدان في تشكيل رؤية مشتركة بحيث يعرف [جميع أصحاب المصلحة] ما يرغبون في تحقيقه.”

جاءت أحدث نتائج اختبار PISA في عام 2018 باشتراك حوالي 600,000 طالب في عمر 15 عامًا في 79 دولة ومجموعة اقتصادية. تدير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي جمعية مقرها في باريس وتضم 36 دولة معظمها من الدول المتقدمة، عملية التقييم التي تتم على مدار عام واحد كل ثلاث سنوات، وتعتبر المقارنة الدولية الأكثر موثوقية لتعلم الطلاب.

في تقييم القراءة، محور التركيز الرئيسي للتقييمات، حققت الصين وسنغافورة أعلى النتائج، تليها إستونيا وكندا وفنلندا وأيرلندا.

دور الثقافة المجتمعية

تشير حقيقة كون طلاب قطر لا يزالون يحتلون المرتبة الثامنة عشرة قبل الأخيرة من بين 79 دولة في مهارات القراءة، حتى بعد الجهود المتضافرة والإنفاق الكبير في البلاد، إلى أن النتائج التعليمية تعتمد أيضًا على المواقف المجتمعية، وهو ما يصعب تغييره.

قالت جورجيسكو “إذا نظرت إلى البلدان التي تحرز درجات عالية في PISA، مثل فنلندا وإستونيا، ستجد أن هناك دعم عائلي قوي للقراءة”. وأضافت أن إحدى الدراسات وجدت أن الدول العربية هي من بين أقل الدول التي يقرأ فيها الناس.

وقال شلايخر، مدير PISA، في قسمه الخاص بـ “المناخ المدرسي”، كشفت اختبارات PISA عن معدلات مرتفعة نسبيًا لتغيّب الطلاب في الدول العربية المشاركة (أكثر من ضعف المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، إضافة لوجود مناخ انضباط ضعيف نسبيًا. قال”لا يشعر الطلاب بالإنتماء إلى المدرسة أو أن المعلمين يدعمونهم أو يتحمسون معهم بشكل خاص. هذه علامة تبعث على القلق.”

“لا يشعر الطلاب بالإنتماء إلى المدرسة أو أن المعلمين يدعمونهم أو يتحمسون معهم بشكل خاص. هذه علامة تبعث على القلق.”

أندرياس شلايخر مبتكر ومدير برنامج PISA   مبتكر ومدير برنامج PISA

وجاءت إحدى علامات ضعف الدافع لدى الطلاب العرب من سؤال يسأل الطلاب عما إذا كانوا قد وافقوا على عبارة تقول، “ذكائك شيء يتعلق بك ولا يمكنك تغييره كثيرًا.”

حيث قال شلايخر إن الطلاب في الدول العربية يقبلون في كثير من الأحيان مثل هذا التصريح. لكن “في آسيا، سيقولون، “يجب أن أعمل بجد.”

انعكست هذه الاختلافات في المستويات المختلفة لمهارات الطلاب بين الدول ذات الدرجات العالية والمنخفضة.

في الصين، حقق 95 في المئة من الطلاب مستوى إجادة القراءة على الأقل في المستوى الثاني. هذا يعني أن في إمكان هؤلاء الطلاب، على الأقل، تحديد الفكرة الرئيسية في نص متوسط الطول، والعثور على معلومات بناءً على معايير واضحة، وإن كانت معقدة في بعض الأحيان، والتفكير في غرض النصوص وشكلها عند طلب ذلك.

في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حقق 77 في المئة من الطلاب في المتوسط مستوى إجادة في القراءة. لكن في الدول العربية تراوحت كفاءة المستوى الثاني بين 59 في المئة في الأردن و27 في المئة فقط في المغرب. وفقًا لبيان صادر عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، فإن الطلاب الذين لم يبلغوا المستوى 2 “غير قادرين على إكمال أكثر مهام القراءة أساسية، مما يعني أنهم على الأرجح سيجدون صعوبة في العثور على طريقهم في الحياة في عالم رقمي متقلب على نحوٍ متزايد.”

يقول الخبراء إن المشاركة في اختبار PISA، وبالتالي فتح أنظمة تعليمية للمقارنة الدولية – وهو تمرين مؤلم في كثير من الأحيان – يدل على استعداد البلدان لإصلاح أوضاع فصولها الدراسية.

قال شلايخر “في بلدي، ألمانيا، كان الناس غير راضين للغاية عن النتائج في الجولة الأولى من PISA في عام 2000 ثم بدأ صانعو السياسة في النظر في ما يمكن القيام به وبعد عشر سنوات كان لدينا تحسن كبير.”

بالنسبة للدول العربية الست التي شاركت في الجولة الأخيرة (شاركت تونس والجزائر أيضًا في السابق، لكنها قررت إلغاء الاشتراك هذه المرة)  كانت اختبارات الـ PISA أداة قوية، بحسب نافذ دقاق، الرئيس التنفيذي لمكتب مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية في لندن.

قال “على سبيل المثال، يظهر الاختبار أن الأردن يشهد واحدة من أكبر الفجوات بين الجنسين في الأداء ويوفر الأدلة اللازمة لمتخذي القرارات لاتخاذ إجراء.”

يعتقد العديد من الخبراء إن تحسين نتائج تعلم الطلاب في المنطقة العربية يجب أن يبدأ بالتركيز على التدريس. حيث يقول تقرير بعنوان “إشراك المجتمع لإصلاح التعليم العربي: من التعليم إلى التعلم“، الصادر عن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ومقرها واشنطن، “يتلقى المعلمون القليل من الدعم والتدريب المستمر الذي يحتاجونه.”

بخلاف البلدان ذات الأداء العالي، فإن “مهنة التدريس، في العديد من الدول العربية،  ليست مهنة ذات قيمة عالية من ناحية أجر أو القيمة الاجتماعية أو المهنية.”

علاوة على ذلك، يقول التقرير “لا تدعم النظم التعليمية العربية المواطنة الديمقراطية والمشاركة.” بدلاً من ذلك، يتم تشجيع المعلمين على نقل المهارات المعرفية ذات المستوى الأدنى (الاسترجاع والفهم) على حساب المهارات العليا (التطبيق، التحليل، التوليف والتقييم والتفكير النقدي).”

لكن التقرير يقول أن هناك علامات على التغيير، إذ “أنشأت بعض الدول كيانات تقييم مستقلة، تقدم تقاريرها مباشرة إلى رئيس الدولة لتحسين مساءلة النظام. وتشمل الأمثلة البارزة … هيئة تقويم التعليم في المملكة العربية السعودية والهيئة الوطنية للتقييم في المغرب.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام