باحث يتتبع نشاط المنظمات غير الحكومية في العراق

/ 12-11-2019

باحث يتتبع نشاط المنظمات غير الحكومية في العراق

يكتب المؤرخ العراقي مهيار كاظم عن فترة من تاريخ العراق في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003. وبالتركيز على النمو السريع للمنظمات غير الحكومية في البلاد، يقول إنها قد تحوّلت إلى “منصات للمصالح السياسية” مستخدمة ذلك النوع من خطاب المجتمع المدني حول الاستقلالية الذي تحب الجهات المانحة الغربية سماعه.

وجد كاظم أن المنظمات غير الحكومية في العراق بعد عام 2003 انتشرت بشكل كبير في أعقاب الفوضى التي أعقبت الغزو والإطاحة بالدكتاتور صدام حسين وتدمير مؤسسات الدولة في البلاد والخطوات الأولى المتعثرة التي اتخذت نحو إعادة بناء البلاد.

في الوقت الراهن، يقول كاظم إن المنظمات غير الحكومية أصبحت جزءً لا يتجزأ من نسيج المجتمع العراقي. لقد نجوا، كما يقول، على الطريقة الداروينية في التكيّف باستمرار مع بيئتهم. يصف عمله، الذي ظهر بالفعل في بعض المقالات العلمية وسيظهر في نهاية المطاف في كتاب، باعتباره “إثنوغرافيا المؤسسات”.

فتح الأبواب

كاظم باحث في التاريخ في مرحلة ما بعد الدكتوراه في كلية لندن الجامعية والمنسق لشبكة نهرين، التي تدعم إجراء البحوث في العلوم الإنسانية في العراق.

يعتقد كاظم إن فتح أبواب البلاد أمام المنظمات غير الحكومية الأجنبية والمحلية كان من بين التدابير التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة، في محاولتها لتحويل العراق إلى نوع من الديمقراطية الليبرالية في أسرع وقت ممكن.

في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، أصدر بول بريمر، الدبلوماسي الأميركي الذي شغل منصب مدير السلطة والحاكم المدني للبلاد في الواقع، الأمر رقم 45، لإضفاء الطابع الرسمي على الدور الذي ستلعبه المنظمات غير الحكومية بصفتها بناة للمجتمع المدني في العراق.

في عهد صدام حسين، كان يتعين على أي نوع من المنظمات – الأندية الرياضية والنقابات العمالية والجمعيات النسائية – أن تكون مرتبطة بالدولة ولكونها فروع تابعة للدولة لم يكن في الإمكان اعتبارها منظمات مجتمع مدني.

استجابةً للأمر رقم 45، احتشد المتقدمون في قصر المؤتمرات ببغداد داخل المنطقة الخضراء، عاصمة سلطة الائتلاف المؤقتة في العاصمة العراقية، لتسجيل منظماتهم غير الحكومية.

في عام 2011، أفادت لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق، ومقرها جنيف، أنه “بين عامي 2003 و2010، ارتفع عدد المنظمات غير الحكومية العراقية بشكل كبير وأن العدد يتراوح ما بين 8,000 إلى 12,000 منظمة.”

أصبحت المنظمات غير الحكومية امتدادًا للمنافسة السياسية الجارية في البلاد. لقد أصبحوا منابر للمصالح السياسية.”

مهيار كاظم   مؤرخ عراقي

لكن المنظمات غير الحكومية التي نشأت كانت في معظمها أميركية أو أوروبية في الأصل، بحسب كاظم، وكانت مدفوعة بفكرة أميركية أو أوروبية محددة للمجتمع المدني – عالم من المنظمات المستقلة القائمة بحد ذاتها بمعزل عن الدولة.

التكيف مع الظروف المحلية

ما أن تبوّأ العراقيون بأدوار داخل المنظمات غير الحكومية حتّى “تعلموا لغة الديمقراطية والمجتمع المدني والاستقلال”، بحسب كاظم. ولكنهم بمرور الوقت تكيفوا مع الظروف المحلية. قال “لقد أصبحت المنظمات غير الحكومية امتدادًا للمنافسة السياسية الجارية في البلاد. لقد أصبحوا منابر للمصالح السياسية.”

على سبيل المثال، تعمل منظمة غير حكومية تُدعى جمعية الأمل العراقية على المساواة بين الجنسين، والصحة والتعليم، وبناء السلام والتعايش، والتدريب وبناء القدرات. وتصف نفسها بأنها “جمعية غير سياسية وغير طائفية تضم متطوعين يشاركون بنشاط في مشاريع لصالح الشعب العراقي ورفاهه بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الانتماء السياسي أو الديني.” لكن المنظمة تأسست على يد أعضاء من كردستان في الحزب الشيوعي العراقي، والذي يمتلك جذور عميقة في تاريخ العراق الحديث وشارك في الانتخابات البرلمانية لعام 2018 كمنظمة عضو في تحالف سائرون، بقيادة رجل الدين الإسلامي الشيعي مقتدى الصدر.

تأسست منظمة غير حكومية أخرى هي منظمة حرية المرأة في العراق عام 2003 من قبل الحزب الشيوعي العمالي العراقي، المنفصل عن الحزب الشيوعي العراقي.

على الرغم من أن المجموعتين تشتركان في رؤية مشتركة، إلا أن جمعية الأمل ومنظمة حرية المرأة تنظران إلى بعضهما البعض على أنهما خصمان منافسان، بحسب كاظم، وهما تتنافسان على أموال المنح الدولية التي تحافظ على استمرارية عملهما.

ونتيجة لذلك، يقول كاظم “نحن بحاجة إلى طرق جديدة لتصنيف المنظمات غير الحكومية التي تستند إلى ما تقوم به بالفعل ومن تمثله، بدلاً من الاعتماد على ما تقوله.” لم يتم الرد على الأسئلة المقدمة للمنظمتين للتعليق على ذلك.

“تُقاد الاحتجاجات من قبل الشباب من الفئات الأكثر فقرًا في المجتمع والذين يريدون استعادة بلدهم. إنهم يعارضون الوضع الراهن الذي تُستخدم فيه المنظمات غير الحكومية من قبل الطبقات والجماعات وبقايا الدولة للحصول على مزايا في ظل نظام مُنهار.”

مهيار كاظم   مؤرخ عراقي

في عراق ما بعد صدام، كما يقول “أصبحت المنظمات غير الحكومية تمثل المصالح الطبقية والمجتمعية”، وهي الآن جزء من نسيج العشائر والفصائل والمناطق والأحزاب السياسية والولاءات والارتباطات التي تشكل المجتمع العراقي على تنوّع تشكيلته. إنه ذات النسيج المعقد الذي استخدمه المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو، في أكثر من 1200 صفحة في وصف الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق، والذي يعتبر في العموم عملاً موثوقًا به.

في ضوء هذا التطور، يعتقد كاظم خطورة ما أسمته المؤلفة الهندية أرونداتي روي “توظيف المنظمات غير الحكومية” NGO-ization – وهو الوضع الذي تضطلع فيه المنظمات غير الحكومية بمسؤوليات الدولة على حساب العمل السياسي. تقول روي “إنهم ينتزعون الغضب السياسي ويقدمون على شكل مساعدات أو فعل خير ما يجب أن يتمتع به الناس كحقٍ لهم.”

الطرق الخفية لإنفاق المال

في ضوء الاحتجاجات التي تشهدها الآن شوارع المدن العراقية، ليست هناك مشاركة واضحة للمنظمات غير الحكومية، بحسب كاظم. قال “تُقاد الاحتجاجات من قبل الشباب من الفئات الأكثر فقرًا في المجتمع والذين يريدون استعادة بلدهم. إنهم يعارضون الوضع الراهن الذي تُستخدم فيه المنظمات غير الحكومية من قبل الطبقات والجماعات وبقايا الدولة للحصول على مزايا في ظل نظام مُنهار”. (اقرأ التقرير ذو الصلة: البطالة والعجز الحكومي يفجران الاحتجاجات في العراق).

ضخت الولايات المتحدة مليارات الدولارات إلى العراق أثناء وبعد غزو البلاد عام 2003، وتدفق قدر كبير من هذا السخاء إلى المنظمات غير الحكومية. بينما كان يُنظر إلى المنظمات على أنها جزء من الانتقال من الديكتاتورية إلى الحرية، فضلاً عن تأمين مهن في قطاع المنظمات غير الحكومية لنوع جديد من المحترفين العراقيين، إلا أن الكثير من المال قد ضاع فيما يمكن اعتباره فسادًا.

وبذلك ظهرت منظمات غير الحكومية وهمية واختفت. في عام 2011، وهو العام الذي انسحبت فيه القوات الأميركية من العراق، دخل نظام التسجيل الجديد للمنظمات غير الحكومية حيز التنفيذ، وبذلك تراجعت أعدادها من آلاف المنظمات إلى بضع مئات.

قال كاظم “لا تعتبر كلمة الفساد الكلمة الصحيحة لوصف عدد المنظمات غير الحكومية التي استخدمت الأموال. يمكن أن يُسمى ذلك بإعادة التخصيص. بمعنى، استخدام الأموال بطرق غير مرئية بالنسبة للمانحين. كيف تراقب المال في بلد مثل العراق؟ يتم إنفاق الكثير من الأموال على أشياء أخرى؛ يتم استخدامه لشراء المنازل. الأمر يتعلق بمصالح طبقية مختلفة.”

عندما غادرت قوات الولايات المتحدة العراق، نضبت أموال المساعدات، ويبدو أن الأموال الإيرانية كانت تحل محلها.

قال بيتر غاردنر، المحاضر في علم الاجتماع بجامعة يورك والمتخصص في دراسات السلام والنزاعات، إنه بقراءته لعمل كاظم “اكتشف مدى قذارة وحل عمل المنظمات غير الحكومية في عراق ما بعد الغزو ومدى وضوح أسسها الإمبريالية. إنه يتتبع ويكشف تدفق الأفكار والأيديولوجيات والتمويل الملازم لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب على العراق.”

يقول كاظم إن المنظمات غير الحكومية أصبحت الآن جزءًا مألوفًا من المشهد الاجتماعي في العراق لدرجة أنه لم يعد من الضروري في اللهجة العربية العراقية العامية قول “منظمة غير حكومية” – وهي الترجمة الحرفية للعبارة الإنجليزية – إذ أصبحت “NGO” بالإنجليزية جزءً من اللغة الآن.

 




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام