احتجاجات الطلاب في العراق: جرأة وإصرار على مستقبل أفضل

/ 27-11-2019

احتجاجات الطلاب في العراق: جرأة وإصرار على مستقبل أفضل

بغداد –  إنها الساعة 9:30 صباحًا، ولا تزال قاعات المحاضرات مغلقة وفارغة في الجامعة العراقية. عادةً ما تعجّ هذه الممرات بالطلاب في مثل هذه الساعة ولكن الكثير منهم لم يذهبوا إلى الدراسة منذ أسابيع. بدلاً من ذلك، يتجمع الطلاب في الحديقة الواقعة في الخارج، ويستعدون للمسيرة المقبلة.

كانت أصوات الطلاب من بين أعلى الأصوات في المظاهرات واسعة النطاق التي اجتاحت العاصمة العراقية منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر. يشعر الكثير منهم بالإحباط من احتمال التخرج والعثور على فرص قليلة للحصول على وظيفة، ناهيك عن العثور على فرصة في مجالهم. يرى الطلاب في هذه المظاهرات فرصة للتغيير وهم مصممون على اسماع مطالبهم. (اقرأ التقرير ذو الصلة: شباب العراق ينتفضون لحقوقهم).

قال أمير أحمد، طالب الطب البالغ من العمر 27 عامًا والذي يساعد على تنسيق الطلاب المحتجين من عدة جامعات، “نحن لا نلعب هنا. نحن نخوض ثورة.”

كل يوم خميس، يجري أحمد استطلاعًا باستخدام تطبيق تيليجرام Telegram لمعرفة ما إذا كانت غالبية الطلاب على استعداد للاحتجاج. قال “يريد البعض العودة إلى الدراسة، ربما 15 في المئة، لكن البقية يريدون مواصلة ثورتنا. إذا ما عاد أيٌ منهم، سننقسم.”

تبلغ نسبة بطالة الشباب حوالي 33 في المئة في العراق، حيث يكافح القطاع العام لاستيعاب أعداد الشباب الكبيرة في البلاد. كما أن أولئك الذين لا يستطيعون الحصول على عمل حكومي أقل عرضة للعثور على وظائف في القطاع الخاص المتخلف في العراق، إذ فشل النمو المحدود في توفير الفرص للأعداد الكبيرة من العراقيين المتخرجين كل عام. (اقرأ التقرير ذو الصلة: البطالة والعجز الحكومي يفجران الاحتجاجات في العراق).

“نحن لا نلعب هنا. نحن نخوض ثورة.”

أمير أحمد، طالب الطب البالغ من العمر 27 عامًا   طالب في كلية الطب

كل أسبوع، يجتمع الطلاب أمام وزارة التعليم ويتوجهون في مسيرة إلى ساحة التحرير، في قلب الاحتجاجات في بغداد. تجتمع المجموعات خارج جامعاتها وتستقل حافلات مستأجرة إلى الوزارة، حيث تصدح أغاني الاحتجاج ويلوحون بالأعلام من النوافذ. يطلق السائقون على الطريق منبهات السيارات ويبتسمون للطلاب. الكثير من العراقيين يدعمون الاحتجاجات ويشعرون بالانتماء لاهتمامات الشباب.

أمام الوزارة، تنطلق الموسيقى من مكبرات الصوت الهائلة المرتبطة بسيارة أجرة، بقيادة دي جي يعرفه أحمد. أقيمت منصة هناك ويقود المنظمون الحشود في هتافات، وهم يهتفون “بالروح بالدم نفديك يا  عراق”.

محاولات الترهيب

على الرغم من تحذيرات وتهديدات السلطات، يقول المتظاهرون إنهم لن يتوقفوا عن التظاهر حتى تتم تلبية مطالبهم. يصرخون قائلين “هذا وعد، هذا وعد، بغداد ما تسكت بعد.”

خلف الحشود، يراقب الجنود المسلحون من الدبابات وتبدو عليهم أمارات القلق. الجو بهيج والطلاب يستمتعون، ولكن الإصرار واضح على وجوههم أيضًا. قال علي حسن، وهو طالب طب في العشرين من عمره، “سأواصل المجيء إلى هنا؛ لن يمنعني شيء من الاحتجاج ما لم يجبروني على ذلك بالموت.”

يتم تخطيط الاحتجاجات الطلابية بعناية مع تحضير مسبق للهتافات. في الصورة: أمير أحمد ، الثاني من اليسار ومتظاهرين آخرين يرددون هتافات قبل التوجه إلى ميدان التحرير في بغداد (تصوير أوليفيا كوثبرت)
يتم تخطيط الاحتجاجات الطلابية بعناية مع تحضير مسبق للهتافات. في الصورة: أمير أحمد ، الثاني من اليسار ومتظاهرين آخرين يرددون هتافات قبل التوجه إلى ميدان التحرير في بغداد (تصوير أوليفيا كوثبرت)

المخاطر التي تواجههم جسيمة، حيث قُتل ما لا يقل عن 330 شخصًا في الاحتجاجات في وسط وجنوب العراق، ويموت الكثير منهم يوميًا تقريبًا على الخطوط الأمامية. استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع من الطراز العسكري ضد المتظاهرين الأكثر سلمية، الذين أنشأوا أمنهم الخاص لضمان عدم قيام المتظاهرين بإحضار أسلحة إلى الساحة.

عانى العديد من المتظاهرين من إصابات مروعة. قالت جماعات حقوقية إن قوات الأمن أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع الثقيلة على رؤوس الناس مباشرة، واستهدفت عربات التوك التوك الصغيرة ذات العجلات الثلاث، التي تنقل الجرحى عبر الحشود وحركة المرور إلى عيادات مؤقتة يعمل فيها أطباء وطلاب طب متطوعون.

يتناقل الناس مقاطع الفيديو الخاصة بالشباب الذين تهشمت جماجمهم في الشوارع عبر تطبيقات المراسلة. وقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة أساسية لتنظيم المسيرات، على الرغم من محاولات الحكومة إسكات الناشطين من خلال حجب خدمة الإنترنت.

كما أن الاختطاف خطر آخر يواجه المتظاهرين، ولاسيما بالنسبة لأولئك الذين يلعبون دورًا بارزًا في الاحتجاجات. اختفى عدة نشطاء لعدة أيام في كل مرة، وأعيدوا خائفين للغاية من الكلام، ولم يعد آخرون منهم. أضاف أحمد، الذي قال إن من الأفضل أن يتواجد المرء ضمن مجموعة في مناطق الاحتجاجات بعد حلول الظلام، “نعرف أن هذا أمر محفوف بالمخاطر، خاصة في الليل عندما تحدث الكثير من عمليات الاختطاف.”

تخطيط حذر

بدخول الاحتجاجات شهرها الثاني، يشعر أحمد بالإنهاك. ما بين تنظيم الطلاب ورعاية المتظاهرين الجرحى، ينام أحمد لمدة ساعتين فقط في الليلة، لكنه غالبًا ما يكون مشغولاً للغاية دون أن يلاحظ ذلك.

“من المهم أن يُظهر الطلاب دعمهم للمتظاهرين، لأنه لا توجد طريقة أخرى. في كل العالم، الذين يصنعون التغيير هم الشباب.”

رُهيف العيساوي   أستاذ جامعي

شهد الأحد أحد أكبر الاحتجاجات الطلابية حتى الآن. أمضى أحمد سبعة أيام في ترتيب وسائط النقل، والاجتماع مع منظمي الاحتجاجات الآخرين في أماكن سرية، والتخطيط لتغطية وسائل الإعلام وجمع التبرعات لشراء المواد الغذائية والبطانيات ومعدات الحماية لأولئك المتواجدين على الخطوط الأمامية.
يتم تخطيط مسيرات الطلاب بعناية ويتم فحص الشعارات مسبقًا للتأكد من أنها لا تحرض على العنف أو تتسبب في ارتكاب جريمة لا مبرر لها. قال أحمد “أريدها أن تكون قريبة من الكمال. أريد أن يهتف جميع الطلاب بصوت واحد فقط.”
أحمد مسؤول عن حوالي 2,200 طالب متظاهر، ويتواصل مع 25 آخرين ينسقون بين الجامعات المختلفة. لكنه أشار بسرعة، مع ذلك، إلى أنه ممثل للطلاب، وليس قائدًا، تماشيًا مع روح المساواة في الحركة.
ظاهريًا، تطالب الجامعات الطلاب بالرجوع إلى الفصول الدراسية، لكن رُهيف العيساوي، الأستاذ بالجامعة العراقية، قال إن الكثيرين يتعاطفون مع مطالب الطلاب “أعرف أن أيًّا من الإدارات لن تتخذ أي إجراء ضدهم. من المهم أن يُظهر الطلاب دعمهم للمتظاهرين، لأنه ليست هناك طريقة أخرى. في جميع أرجاء العالم، الشباب هم الذين يصنعون التغيير.”
وجد الناس من جميع الأعمار والطبقات والطوائف وحدة نادرة في هذه الاحتجاجات، التي تدعو إلى الإطاحة بطبقة سياسية تعتبر فاسدة وخاضعة للقوى الأجنبية.

كل أسبوع ، يتجمع الطلاب مقابل وزارة التعليم ويسيرون إلى ميدان التحرير، قلب الاحتجاجات في بغداد. في الصورة، متظاهر ملفوف بعلم عراقي يستعد للانضمام إلى مسيرة الأسبوع الماضي (تصوير أوليفيا كوثبرت)
كل أسبوع ، يتجمع الطلاب مقابل وزارة التعليم ويسيرون إلى ميدان التحرير، قلب الاحتجاجات في بغداد. في الصورة، متظاهر ملفوف بعلم عراقي يستعد للانضمام إلى مسيرة الأسبوع الماضي (تصوير أوليفيا كوثبرت)

في الشوارع المحيطة بساحة التحرير، يبدو شعار “إيران برة، برة” صرخة مألوفة. يلوم الكثيرون إيران على دعمها لحكومة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وفشلها في معالجة الخدمات العامة الضعيفة والبطالة المرتفعة، والتي تمثل المظالم الرئيسية في هذه الاحتجاجات.

تعتبر هذه المظاهرات الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط صدام حسين في عام 2003 في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. بعد مضي ستة عشر عامًا على ذلك، لم يتحقق أي تقدم يذكر ويصرّ المحتجون على عدم التراجع. حيث يعبّر الشباب العراقي عن رؤية مختلفة لبلدهم وللمرة الأولى يكون لهم صوتهم.

قالت آمنة أنور، 22 سنة، “لم يحصل شيء مثل هذه الثورة في السابق مع مثل هذا الشعور بالوحدة بيننا. أعرف مدينتي بشكل أفضل الآن، أنا أعرف شعبي الآن. لم أكن أعتقد أن شيئًا كهذا سيأتي منا كعراقيين، والآن أنا فخورة حقًا بأنني عراقية.”

مسألة كرامة

ينتمي أحمد لعائلة ثرية، وبصفته طالب في الطب، سيتم ضمان حصوله على وظيفة عندما يتخرج، لكنه قال إن مشاركته في الاحتجاجات مسألة كرامة. قال “أريد حياة أفضل، وأريد أن يكون جواز سفري أكثر قوة، وأريد المزيد من الخدمات، واستراتيجيات أكثر جودة للسيطرة على البلاد. أريد من التكنوقراط – الأشخاص الذين يتمتعون بالكفاءة في أدوارهم – أن يسيطروا على البلد.”

“لم يحصل شيء مثل هذه الثورة في السابق مع مثل هذا الشعور بالوحدة بيننا. أعرف مدينتي بشكل أفضل الآن، أنا فخورة حقًا بأنني عراقية.”

آمنة أنور   طالبة عراقية

كان الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، يوم انطلاق المظاهرات، المرة الوحيدة التي لم يحضر فيها أحمد. قال “اعتقدتُ أن هذا قد يكون مثل الاحتجاجات السابقة، مع وجود الكثير من الآراء الدينية وعدم وجود فرصة للشباب لرفع أصواتنا.”
ثم اتصل به صديق وأخبره عن الرد العنيف لقوات الأمن. في اليوم التالي، كان في الساحة. قال، “كان الناس هناك يهتفون بأنهم يريدون حياة أفضل – لا أكثر ولا أقل – وقد هاجمتهم الحكومة بالغاز المسيل للدموع والرصاص.”
وهذا ما دفع علي حسن، الذي لا يعرف والداه أنه ينضم إلى المسيرات، بأن يخاطر بحياته ويتواجد مع الجماهير.
قال حسن “الشباب هنا منذ أكثر من شهر ولم يتغير شيء. .. تقول الحكومة إنهم سيصلحون الأشياء لكنهم يكذبون، إنهم لا يفعلون أي شيء”.
بالنسبة لجيل حسن، لم يكن هناك سبب كبير للتفاؤل في العراق. قال، “قضيت طفولتي خائفًا من الخروج ولعب كرة القدم … كان والداي يقولان إن هناك سيارة مفخخة في الخارج وقتل للناس، وعليك أن تبقى في المنزل. طوال حياتي كان يتوجّب عليّ البقاء في المنزل فحسب، أو الذهاب إلى المدرسة وهذا كل شيء. لم أر شيئًا، لم أفعل شيئًا.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام