حرب الطوائف في لبنان تتحوّل إلى ثورة شباب ضد السياسيين

/ 05-11-2019

حرب الطوائف في لبنان تتحوّل إلى ثورة شباب ضد السياسيين

*ملاحظة المحرر: تم إضافة مواد جديدة في نهاية التقرير.

تمتلئ الاحتجاجات التي عمّت أرجاء لبنان الأسبوع الماضي بمجموعة مختلفة من المشاعر. ففي لحظةٍ ما، هناك غضب كما يظهر في شريط فيديو لامرأة تركل حارساً شخصياً لوزير التعليم كان يطلق النار في الهواء بهدف إخافة الحشود. في اللحظة التالية، هناك روح دعابة وبعد لحظات هناك احتفال يشبه سهرات الملاهي الليلية، مع امتلاء الساحات العامة بالراقصات والأضواء المتموّجة.

في محاولة لالتقاط الصورة الأوسع لما يحدث، جمع محررو الفنار للإعلام صورًا ومقابلات ومقاطع فيديو ورسومات تخطيطية لما يحدث في الشارع، سنقوم بتحديثها مع استمرار الاحتجاجات.

لا تخلو الاحتجاجات من الألم، حيث إنخرط بعض المتظاهرين في أعمال تخريب عشوائية ولقي بعض الأشخاص حتفهم على الأقل. قد حوصر اثنان من العمال السوريين في مبنى تم إحراقه. أفادت الأنباء عن إصابة العشرات من المتظاهرين على شاشات التلفزيون في المدن والبلدات الجنوبية، مثل النبطية، حيث يسيطر حزب الله وحركة أمل، وكلاهما أحزاب تابعة للطائفة الشيعية. تشير التقارير الواردة من الجنوب إلى أن الشرطة المحلية الخاضعة لسيطرة تلك الأحزاب تحاول إنهاء الاحتجاجات خشية أن تفقد الطوائف السيطرة السياسية.

حتى وقت كتابة هذه السطور، تم إغلاق العديد من المدارس والجامعات والبنوك والطرق في لبنان. (اقرأ التقرير ذو الصلة: أساتذة لبنانيون يطلقون “مدرسة المشاغبين”).

وخضعت المؤسسات العامة إلى حالة من الشد والجذب السياسي، حيث يريد المتظاهرون إغلاقها للحفاظ على زخم الاحتجاج فيما يطالب مؤيدو النظام الحالي بفتحها.

يصف بعض اللبنانيين الاحتجاجات بأنها “بداية نهاية الحرب الأهلية.” ترك الصراع الذي انتهى في عام 1990 نظامًا سياسيًا مقسومًا بشكل متقن بين الطوائف بهدف أن يكون شكلًا من أشكال تقاسم السلطة. لكن الجمهور بدأ ببطء في ملاحظة شهية أولئك الموجودين في السلطة للفساد، في بلد يعاني من ثالث أسوأ عبء للدين العام في العالم. وجدت إحدى التحليلات أن واحد بالمئة من سكان لبنان يجمعون 25 بالمئة من الدخل القومي. يحتل لبنان المرتبة 138 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد في منظمة الشفافية الدولية. يتحكم قادة الطوائف إلى حد كبير في وظائف الخدمة المدنية وفقًا لنظام المحسوبية. لا تصل الخدمات العامة، مثل جمع القمامة والكهرباء والمياه النظيفة، إلى نسبة كبيرة من السكان، هذا إذا كانت تعمل أصلاً.

في الواقع، كانت الاحتجاجات الكبرى الأخيرة في لبنان في عامي 2015-2016، بسبب فشل الحكومة في حل أزمة التخلص من النفايات. في هذه المرة، يبدو أنه ليست هناك قضية واحدة – الرعاية الصحية أو البطالة أو التعليم أو الخدمات الحكومية الأخرى – تُمثّل محور غضب المحتجين. بدلاً من ذلك، يقول المحتجون أن صبرهم قد نفذ مع حكومتهم – الرئيس والبرلمان والحكومة – بشكلٍ تام. كما طالبوا بمقاضاة السياسيين، بمن فيهم السياسيون السابقون، مرددين شعار “كلّن يعني كلّن” بما يعني عدم استثناء أي زعيم سياسي.

في نظر العديد من المتظاهرين الشباب، تحولت الحرب الأهلية بين الطوائف إلى حرب بين الطبقة الحاكمة وبقية شعب لبنان. حيث انتشرت صورة على وسائل التواصل الاجتماعي تأخذ خريطة للطوائف وتحولها إلى لبنان موحد. بالنسبة للشعب، لم تعد المزحة القائلة بأن لبنان يثبت أنه لا يمكن أن توجد دولة بدون حكومة مضحكة بعد الآن.

ساحة النور تستقطب احتجاجات بحماس شديد 

في الأسبوع الماضي، أُطلق النار على بعض المتظاهرين في ساحة النور بطرابلس/ شمال لبنان عندما زارها عضو سابق في البرلمان، على أمل أن يستميل المحتجين ويعود إلى المنصب. لم يرغب المتظاهرون بأي من ذلك. أطلق حراسه الشخصيون النار أولاً في الهواء لإخافة المحتجين، ثم أطلقوا النار مباشرة على المتظاهرين. قالت إحدى النساء إن هذا الحادث كان بمثابة “المحفّز لتظاهرات الشمال”، حيث بدأ المتظاهرون في القدوم إلى الساحة بأعداد أكبر وحتى وقت متأخر من الليل.
في ألبوم الصور أعلاه، منظر ليلي للساحة من الطابق العاشر لمبنى مجاور؛ ثلاث نساء يتقاسمن مكالمة فيديو مع إحدى قريباتهن لإخبارها عن الاحتجاجات؛ وشباب في دائرة يأخذون استراحة من الهتافات الثورية ويغنون الأغاني الشعبية، ورجال يمسكون هواتفهم بينما يشغّل مشغل الدي جي الموسيقى في الساحة.

التواصل عبر الانقسام الطائفي

(القصة والصورة: أشرف الأمين))
(القصة والصورة: أشرف الأمين))

الأربعاء، 23 تشرين الأول/ أكتوبر: كنت أجلس في الشارع على الجسر الدائري [في بيروت] فيما كان صديقي نائمًا على الأسفلت. لقد التقطتُ صورة له. كانت ملابسنا متسخة ووجوهنا سوداء بسبب الدخان والأوساخ. اقتربت امرأة مني وسألت: منذ متى وأنت في الشارع؟
قلت: منذ يوم الخميس.
سألتني:أين تعيش؟
أجبت: في الضاحية (المنطقة الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله).
قالت: منزلي في الأشرفية [منطقة ذات أغلبية مسيحية] ولدي سيارة. إذا كنت ترغب في النوم على السرير والاستحمام، فإن منزلي مفتوح لك.
أعطتني قطعاً من المناقيش. وقالت: رجاءً، تناول الطعام، حافظ على صحتك، فالبلد كله يعتمد عليك.

تحوّل الشوارع إلى منتدى عام للنقاش

في يوم الثلاثاء، 22 تشرين الأول/ أكتوبر، دخلت امرأة وسط الاحتجاجات في ساحة النور في طرابلس، للتعبير عن تعاطفها مع رئيس الوزراء سعد الحريري. إذ اقترح الأخير سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية هذا الأسبوع لتلبية مطالب المحتجين، لكن المحتجين واصلوا مطالبته بترك منصبه. اندلع نقاش حاد لكن محترم بين المحتجين والمرأة.

يعكس هذا تحول شوارع لبنان إلى فضاء للمناقشات السياسية حيث يتجمع الناس للنظر في طريق مضي الاحتجاجات الحالية؛ وما الذي يتوقعونه إذا ما سقطت الحكومة، وما نوع “لبنان الجديد” الذي يسعون إليه. يقول الكثيرون إن مجرد إجراء انتخابات جديدة لن يكون كافيًا، لأن النظام الانتخابي يحتاج إلى إصلاح كبير.

فيديو: أجواء احتفالية في احتجاجات ليلة السبت

بعد إطلاق النار على سبعة متظاهرين على أيدي حراس أحد السياسيين في طرابلس، ناقش العديد من النشطاء المحتجين كيفية إعادة الناس إلى الشوارع وجعلهم يشعرون بالأمان. تحدثوا عن أنشطة مثل الرسم على الوجه أو جلب فرق موسيقية أو جوقات غناء أو مشغلي دي جيه. في يوم السبت، 19 تشرين الأول/ أكتوبر، تم تركيب DJ على شرفة تطل على ميدان مركزي مع مكبرات صوت. لتتحول ساحة الاحتجاج لساحة احتفال و انتشر الفيديو الذي جسّد روح الحدث بشكل فيروسي على مستوى العالم.

توزيع الطعام كبيان سياسي

في واحدة من العديد من الجهود الفردية للحفاظ على الاحتجاجات ، يساهم الناس بتوفير الطعام والشراب للمحتجين. في الخلفية  مسجد محمد الأمين في بيروت (الصورة: دانا عابد).
في واحدة من العديد من الجهود الفردية للحفاظ على الاحتجاجات ، يساهم الناس بتوفير الطعام والشراب للمحتجين. في الخلفية مسجد محمد الأمين في بيروت (الصورة: دانا عابد).

تحدُث المبادرات الفردية لتوزيع الوجبات الخفيفة والمشروبات المجانية للمتظاهرين بصورة يومية. فإلى جانب الرغبة في إطعام المتظاهرين الجياع، تهدف هذه المبادرات إلى مواجهة الرأي القائل بأن المحتجين يعملون عملاء لبلد أجنبي. يوضح أمجد رمضان، الشخص الذي يقف وراء الجهد الموضح في الصورة أعلاه، بالقرب من مسجد محمد الأمين، في بيروت، يوم الخميس، 24 تشرين الأول/ أكتوبر، حيث سلم للمتظاهرين علامات تجارية محلية من العصائر والكعك والشوكولاته، “من المثير للإعجاب رؤية تفاعل الناس مع هذه المبادرة، إذ تراهم يتبرعون بالمال والطعام للحفاظ عليها. الأشخاص الذين يلتقون ويدعمون بعضهم البعض تضامنا مع الحركة هو الشيء الأكثر تفاؤلا الذي لم نشهده منذ فترة طويلة جدا.”

ثورة اللبنانيين تتجلى في “البيضة”

تحول مبنى يُعرف باسم البيضة، شيّد في ستينيات القرن الماضي في بيروت، إلى مركز لتجمع المحتجين بصبغة تعليمية واضحة.

توقف بناء هيكل المبنى المقبب، والذي كان مصمماً كدار عرض سينمائي، بسبب الحرب الأهلية في عام 1975. مؤخراً، تم العمل على استكمال البناء، لكن قبل أيام قليلة، اقتحم المتظاهرون المبنى وحولوه إلى ساحة نقاش. إذ زينت جدرانه برسومات الغرافيتي والتي تناصر في الكثير منها حقوق المثليين. كما يجتمع الكثير من أساتذة الجامعات المغلقة يومياً في المبنى لعقد جلسات نقاشية تعليمية.

على موقع الفيسبوك، تم تأسيس مجموعة باسم “Eggupation”، تضم أكثر من 1600 مشارك، وهي بمثابة موقع إلكتروني لجميع المهتمين بالأنشطة الثقافية والتعليمية التي تقام في المبنى.

تصف المجموعة المبنى بكونه “المكان الذي سيولد منه النظام الاجتماعي الجديد، بشكل أكثر تواضعاً، ربما، يمكن للمبنى أن يكون أحد الأمكنة لتخيل البداية الجديدة. البيضة في الشوارع، لكنه يوفر مساحة للتفكير والنقاش المعمقين. إن دوافعنا هي البيداغوجيا النقدية باعتبارها ممارسة سياسية تهدف إلى نقد النظام الاجتماعي القائم والتفكير في وسائل تغييره.”

بالإضافة إلى التدريس اليومي والمحاضرات، تعقد في البيضة جلسات ميكروفون مفتوحة، حيث يمكن للمتظاهرين التعبير عن آرائهم.

قالت يارا بنا، ناشطة لبنانية، “أحد أهم أجزاء هذه الثورة هو أنها تعليمية. إن وجود خبراء من مختلف المجالات يجتمعون في أماكن عامة ويجرون محادثات حول العديد من الأشياء المختلفة فيما يتعلق بالأوضاع الراهنة أمر مهم للغاية.” مضيفة “هناك أشياء لا نتعلمها في الفصول الدراسية، لكننا نتعلمها  في أماكن مختلفة في ظل هذه الثورة. نحن الآن نفهم الصحافة والاقتصاد والقوانين وغير ذلك الكثير. إن الثورة ليست مجرد مساحة للتغيير، ولكنها أيضًا مساحة للتعلم والنمو.”

هذه المادة بقلم دانا عابد.

فيديو: الاحتجاجات مازالت مستمرة

يظهر هذا الشريط المصور بعضاً من الاحتجاجات في بيروت وطرابلس.

تم تجميع الفيديو وتحريره بواسطة ريم ذوق.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام