النشر الأكاديمي يصل علماء العراق بالخارج

/ 25-10-2019

النشر الأكاديمي يصل علماء العراق بالخارج

تسببت عقود من الحرب والعزلة الدولية في تأخر العلماء العراقيين عن نظرائهم في البلدان الأخرى في نشر مقالات أكاديمية عالية الجودة، لا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانية التي غالبًا ما تتعرض للتجاهل.

هذا العام، بدأ مشروع بريطاني عراقي تعاوني في محاولة حل هذه المشكلة، من خلال تقديم سلسلة من ورش العمل في جامعات في جميع أنحاء العراق يتعلم من خلالها العلماء الحاصلين على درجة الماجستير والدكتوراه كيفية نشر أعمالهم في المجلات الصادرة باللغة الإنجليزية. تكشف ورش العمل عن بعض المشكلات الهيكلية الموجودة في النشر الأكاديمي في العديد من الدول العربية، فضلاً عن إتاحة الفرصة لنقل أبحاث مهمة جديدة ذات صلة بالعالم العربي إلى الصعيد الدولي.

تم إطلاق ورش عمل النشر العراقية من قبل مهيار كاظم، وهو مؤرخ عراقي تابع لشبكة نهرين في كلية لندن الجامعية. تدعم شبكة نهرين تقديم منح دراسية في التراث الثقافي والإنساني في العراق وشمال سوريا.

قالت سارة كاماتشو فيليكس، المتخصصة في التعليم الدولي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، والتي تساعد في تنظيم هذه الندوات، “يعرف العلماء العراقيون المنطقة بشكل أفضل من أي عالم أجنبي. تتمحور هذه الورش حول قدرة العراقيين على امتلاك النتائج التي تخرج من العراق، وتوجيه كيفية كتابة تاريخه وتقديم صورة عن وضعه.”

تعتقد فيليكس أن ورش العمل تهدف للإجابة على أسئلة مثل “كيف يكتب المرء للمجلات الأكاديمية الدولية؟ ما الذي يريدونه، وكيف تكتب لهم بطريقة تسهّل الاستماع إليك ونشر أعمالك؟”

قالت ” أخبرنا المشاركين في ورش العمل عن القواعد غير المعلنة التي تتبعها المجلات في الولايات المتحدة وأوروبا. إنهم يبحثون عن حجة أكاديمية واضحة المعالم، مكتوبة وفقًا لبنية معينة.”

وأضافت “قد تتوفّر لديك الحجة، لكن إذا لم تذكرها على الفور، فلن يرى محرر المجلة الأميركية أو البريطانية أو المراجع الأكاديمي ذلك.”

عقدت الورشة الأولى في جامعة السليمانية التقنية في شمال العراق في أيار/ مايو، بحضور حوالي 100 باحث عراقي في تخصصات مثل الإعلام والاتصالات والتاريخ وتعليم اللغة والقانون والتراث الثقافي.

قالت “كان رد الفعل مذهلاً. لقد كانوا توّاقين للمعرفة. كان هناك اهتمام عميق، وكانوا منتبهين وطرحوا أسئلة جيدة بشكل مثير للدهشة. كان هناك الكثير من العمل الجماعي، وكانوا يساعدون بعضهم البعض. كان هناك على الدوام ضوضاء في الغرفة.”

وأضافت فيليكس إن بعض المشاركين يعتقدون أنهم مُنعوا من النشر في المجلات الدولية بسبب أوجه القصور في إجادتهم للغة الإنجليزية. قالت لهم “لا يتعلق الأمر بلغتك الإنجليزية. ليست اللغة الإنجليزية الأكاديمية اللغة الأم لأيّ شخص.”

“يعرف العلماء العراقيون المنطقة بشكل أفضل من أي عالم أجنبي. تتمحور هذه الورش حول قدرة العراقيين على امتلاك النتائج التي تخرج من العراق، وتوجيه كيفية كتابة تاريخه وتقديم صورة عن وضعه.”

سارة كاماتشو فيليكس   المتخصصة في التعليم الدولي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية

الصوت العراقي الأكاديمي 

نشر الباحثون في 11 جامعة حكومية في العراق 4,087 مقالة في المجلات الأكاديمية في عام 2017 (كجزء من زيادة حادة بدأت في عام 2005). من بين هؤلاء، ذكرت مجموعة ScimagoLabs، وهي مجموعة بحثية مستقلة مقرها في إسبانيا، أنه في ذلك العام كانت هناك 19 مقالة فقط تتعلق بموضوعات العلوم الإنسانية.

تعكس هذه الأرقام غير المتناسبة تفضيلًا تاريخيًا للعلوم الطبيعية والتطبيقية من قبل الحكومات العربية ووزارات التعليم التابعة لها. حيث يتم قبول الطلاب الحاصلين على أفضل النتائج في امتحانات المدارس الثانوية لدراسة العلوم بالجامعة، بينما يتم تخصيص أماكن دراسة العلوم الإنسانية للطلاب ذوي النتائج الأقل.

يؤثر هذا على النشر في المجلات. قال كاظم “في العراق، ستمول الحكومة الطلاب للدراسة في الخارج للحصول على درجة الماجستير والدكتوراه، ولكن في الغالب في مجالات العلوم الصعبة.” حسّنت الدراسة في الخارج من آفاق النشر للعلماء، وهي ميزة لا يزال الطلاب في العلوم الإنسانية والاجتماعية غير قادرين على الحصول عليها.

لكن في هذه المرحلة من تاريخ العراق، هناك حاجة ملحة لتقديم منح دراسية ومنشورات محترمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

بحسب كاظم فقد “مر العراق بتغيير سريع في السنوات الـ 15 الماضية. لم يتم تسجيل أو دارسة الكثير من هذا. يمكن أن يقدّم تمكين العراقيين من الكتابة حول كيفية تغير مجتمعهم، وحول التغييرات التي طرأت على البنية التحتية السياسية منذ عام 2003، صورة أكثر دقة لما يحدث بالفعل في البلاد ممّا لو ترك الأمر للباحثين الأجانب.”

قال “يعتبر تعزيز بنيتنا الفكرية والأكاديمية مفتاح إعادة بناء وإعمار العراق.”

الضغط السياسي على العلماء

خلال عقود من الديكتاتورية وهيمنة أيديولوجية حزب البعث، خضع العمل الأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العراق لضغوط سياسية شديدة، ولاسيما مجال التاريخ.

قال جعفر الجوذري، أستاذ علم الآثار الأرضية في جامعة القادسية في العراق، والمشارك في ورشة السليمانية، “لقد منع صدام حسين نشر أي شيء يذكر العصر الساساني في العراق، لأنه يخصّ سلالة فارسية. كان علينا إما أن نتجاهلها أو ندعي أنها إسلامية. كان يتوجب أن يكون التاريخ العراقي تاريخًا سنيًا وأن يتم يتجاهل الشيعة.”

“لدى الناس آراء ورؤى حول الماضي والحاضر، لكنهم يخشون من التعبير عن هذه الأشياء. لم تتح لهم الفرصة للتعبير عن صوتهم.”

  مهيار كاظم مؤرخ عراقي يعمل مع شبكة نهرين في كلية لندن الجامعية

على الرغم من صعوبة الظروف الحالية في العراق، تقدم هذه المرحلة فرص عمل مهمة في العلوم الإنسانية، في البحث والكتابة والنشر حول التاريخ والثقافة العراقية. تؤكد ورش عمل النشر في العراق على الدور الذي يمكن أن يلعبه الباحثون العراقيون في هذا المجال.

قال كاظم إن من الواجب تعقب ودراسة أعداد كبيرة من المواد الأرشيفية حول التاريخ العراقي. على سبيل المثال، صادرت القوات الأميركية ملايين الصفحات من الوثائق الخاصة بالحكومة العراقية في عهد صدام حسين قبل وبعد الإطاحة به في عام 2003. ويُحتفظ بهذه المحفوظات في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، بينما يتم الاحتفاظ بمجموعات أخرى في قطر وفي المنطقة الخضراء في بغداد.

وأضاف كاظم إن العلماء العراقيين لا يحتاجون إلى دراسة مثل هذه المصادر الأولية فحسب، بل يجب عليهم التغلب على خوفهم المتأصل من الكتابة حول تاريخ العراق الحديث. قال “لدى الناس آراء ورؤى حول الماضي والحاضر، لكنهم يخشون من التعبير عن هذه الأشياء. لم تتح لهم الفرصة للتعبير عن صوتهم.”

 النشر بهدف الترقية

تشجع ورش عمل النشر في العراق الباحثين العراقيين على النشر في المجلات باللغة الإنجليزية بهدف الوصول إلى المجتمع الأكاديمي الدولي. يتناقض هذا النهج مع تقليد النشر في المجلات المحلية، وهو أمر شائع ليس في العراق فقط وإنما في جميع أنحاء المنطقة العربية.

في النموذج المحلي، بحسب وصف عدنان الأمين، أحد مؤسسي موقع شمعة، الذي ينشر مقالات عن التعليم العالي في المنطقة العربية، ينشر الباحثون في المجلات بشكل أساسي لتحسين وضعهم داخل المؤسسات التي يعملون فيها. عادةً ما يتم نشر هذه المجلات من قبل الجامعة نفسها التي يسعى الباحث فيها للترقية، بحسب الأمين. لا يتم قراءة المقالات المنشورة لتلبية النقاط الخاصة بالترقية خارج المؤسسة الصادرة عنها.

تدرج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية 272 مجلة أكاديمية علمية عراقية على موقعها على شبكة الإنترنت، وجميعها تُنشر في العراق من قبل الجامعات والمؤسسات البحثية العراقية.

قالت روزن كمال محمد أمين، مديرة مجموعة أبحاث التراث الثقافي الرقمي بجامعة السليمانية التقنية، والتي شاركت في أول ورشة عمل للنشر في العراق، إن نشر المقالات في المجلات أمر ضروري للترقية. قالت، “من أجل التأهل للترقية إلى مدرّس مساعد، يتعين عليك نشر ثلاث ورقات فقط. لا بأس من نشر هذه الأوراق في الصحف المحلية. المجلات المحلية سيئة للغاية.”

وأضافت “لا ينشر الناس في المجلات المحلية لحل أي مشكلة، وإنما بهدف الحصول على الترقية الأكاديمية.”

من الناحية المثالية، يرى مهيار كاظم وجوب أن تكون ورش العمل من النوع الذي بدأه هو وزملاؤه جزءًا منتظمًا من مساقات نيل درجة الماجستير والدكتوراه.

قالت  فيليكس “لا تكفي ثلاثة أيام لذلك. لقد بدأنا الآن في رؤية ما يحتاج إليه العلماء العراقيون، لكننا لم نتمكن من تقديم دعم المتابعة. يحتاج هذا النوع من الدورات بالطبع إلى أن يُدمج في المؤسسة. يجب عليك البدء من مكان ما.”

من المقرر عقد ورشتي عمل أخريين: واحدة في 31 تشرين الأول/ أكتوبر والأخرى في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر في الجامعة المستنصرية في بغداد، وثالثة في أوائل كانون الأول/ ديسمبر في جامعة الكوفة في النجف، جنوب وسط العراق.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام