البيانات غير الدقيقة تؤثر على الأبحاث المتعلقة بأسباب الوفاة في الدول العربية

/ 20-10-2019

البيانات غير الدقيقة تؤثر على الأبحاث المتعلقة بأسباب الوفاة في الدول العربية

كشفت دراستان جديدتان أن شهادات الوفاة في الشرق الأوسط غير دقيقة في كثير من الأحيان، مما يجعل من الصعوبة بمكان تحديد أسباب الوفاة التي يتوجب على الباحثين وأخصائيي الصحة العامة تركيز جهودهم عليها.

جمعت الدراسة الأولى، المنشورة في مجلة الطب الشرعي والطب العدلي، نتائج خمس أوراق بحثية منفردة سجلت أو ذكرت أخطاء في شهادات الوفاة في جميع أنحاء المنطقة.

يعتبر تحديد مدى دقة شهادات الوفاة في الشرق الأوسط صعبّا بحد ذاته. بحسب مؤلفي الدراسة، تتفاوت معدلات الخطأ في الدول العربية المختلفة، لكن ليست هناك بيانات كافية لتعيين نسبة محددة لكل بلد بشكل موثوق. ويقدر الباحثون أن لمعظم دول الشرق الأوسط معدل خطأ يتراوح بين 15 و40 في المئة. حتى معدلات الخطأ في الحد الأدنى من السلّم كبيرة بما يكفي لتقويض دقة البحوث العلمية التي تعتمد على شهادات الوفاة.

قال محمد مدَدين، الأستاذ المشارك في الطب الشرعي بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل في المملكة العربية السعودية وأحد مؤلفي الدراسة، “تجاوزتُ مرحلة الذعر والصدمة. أحاول الآن جمع المزيد من الأدلة والمعلومات لوصف المشكلة حتى نتمكن من البدء بحلها.”

 أخطاء متكررة

تضمنت الأخطاء الأكثر شيوعًا التي لاحظها مدَدين وزملاؤه في شهادات الوفاة الفشل في تفصيل الفاصل الزمني بين بداية سبب الوفاة والموت نفسه، واستخدام لغة الشخص العادي بدلاً من المصطلحات الطبية الدقيقة، وعدم وجود توقيع الطبيب، وحتى الفشل في ذكر سبب الوفاة نفسه.

ويشك أيضًا في سبب الوفاة المسجل في العديد من الحالات. على سبيل المثال، يقول إنه من الشائع جدًا كتابة “السكتة القلبية” كسبب للوفاة دون أي أدلة داعمة. ويوضّح إن السكتة القلبية تعني توقّف تدفق الدم لأن القلب قد توقف عن الخفقان، لكن يجب أن يدرج ذلك كآلية للوفاة وليس كسبب أولي لها.

تدعم دراسة ثانية، نُشرت مؤخرًا في المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية، نتائج مدَدين على نطاق أكثر محلية في العراق. إذ استخدم الباحثون في جامعة هولير الطبية في أربيل شهادات الوفاة لإجراء مراجعة لمعدل الوفيات في المدينة العراقية الشمالية بين عامي 2007 و2011. وبينما تمكنوا من تحديد معدل الوفيات في المدينة، وجدوا أيضًا عددًا مثيرًا للقلق من الحالات  الغريبة في شهادات الوفاة التي قاموا بفحصها.

إذ اكتشفوا أن ما يقرب من 28 في المئة من شهادات الوفاة الصادرة في أربيل خلال الإطار الزمني المذكور لم تتضمّن أية بيانات عن سبب الوفاة، مما قادهم إلى استنتاج أن “الاستخدام الوحيد لشهادة الوفاة في أربيل هو لغرض الدفن والقضايا القانونية،” وليس بهدف تسجيل سبب الوفاة بشكل صحيح.

“نحتاج إلى معرفة مدى فعالية أنظمة الرعاية الصحية لدينا، وفهم اتجاهات المرض ومعرفة المجتمعات الأكثر تضررًا إذا كنا نريد أن نكون استراتيجيين في تخطيط الميزانية والإنفاق العام.”

محمد مدَدين   الأستاذ المشارك في الطب الشرعي بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل في المملكة العربية السعودية

يقول مدَدين إن قضية الإغفال وعدم الدقة هذه معروفة للأطباء والمسؤولين الحكوميين الذين يصدرون شهادات الوفاة. قال “إما أنهم ليسوا على دراية بالعواقب أو أنهم لا يهتمون. لهذا الأمر عواقب كبيرة حقا.”

يتفق آخرون مع مدَدين. تقول نهلة تواب، مديرة فرع مجلس السكان بمصر، وهي منظمة دولية غير حكومية تقوم ببحوث في قضايا الصحة والتنمية، “لا يتم تدريب مقدمي الخدمات بشكل جيّد على ملء هذه المعلومات. “

يعتمد العديد من الباحثين على شهادات الوفاة كمصدر رئيسي للبيانات بهدف دراسة أنماط الأمراض، والتي تعتبر ضرورية لفهم مدى فعالية التدخلات أو السياسات الصحية الخاصة بحالات معيّنة. (اقرأ التقرير ذو الصلة: اختلاف الأمراض المسببة للوفاة في المنطقة العربية).

 يمكن أن تؤدي مثل هذه الدراسات أيضًا إلى تفسير الفجوة المعرفية بخصوص الدوافع الكامنة وراء متوسط العمر المتوقع غير المتكافئ بين مختلف الفئات الاجتماعية في الشرق الأوسط، والتي شكا الباحثون في السابق من الصعوبة الشديدة في تحديدها. (اقرأ التقرير ذو الصلة:  ألغاز حول مخاطر مسببات المرض في العالم العربي).

الحاجة إلى المعرفة

قال مدَدين “نحتاج إلى معرفة مدى فعالية أنظمة الرعاية الصحية لدينا، وفهم اتجاهات المرض ومعرفة المجتمعات الأكثر تضررًا إذا كنا نريد أن نكون استراتيجيين في تخطيط الميزانية والإنفاق العام. من المهم أيضًا للأفراد أنفسهم معرفة الأمراض الوراثية التي قد يحتاجون إلى البحث عنها عن طريق معرفة سبب وفاة أقربائهم.”

يأمل مدَدين أن تؤدي زيادة الوعي بالمشكلة إلى تحسين موثوقية البيانات المُستقاة من شهادات الوفاة. ومع ذلك، يقرّ مدَدين بأن دقة بعض الأبحاث التي تعتمد على شهادات الوفاة بشكل رئيسي، كما يفعل الكثيرون، يمكن أن تتأثر بشكل كبير.

لا تعترض توّاب على هذه النقطة، لكنها تضيف أن شهادات الوفاة، مهما كانت معيبة، غالبًا ما تكون الخيار الوحيد وأنها بالتأكيد أفضل من لا شيء.

قالت “بالتأكيد، يجب أن نكون حذرين في قبول نتائج هذه الدراسات، لكنها في بعض الأحيان المصدر الوحيد للبيانات.”

لمواجهة هذه المشكلة، يقول مدَدين إنه يجب أن يكون هناك وعي أكبر بالمشكلة في البداية – ولاسيما بين صانعي القرار والسياسات. ويدعو أيضًا المزيد من الباحثين إلى تناول الموضوع لزيادة كمية البيانات الخاصة بأخطاء شهادات الوفاة.

قال “نحن بحاجة أيضًا إلى معرفة كيفية حل المشكلة. الأمر ليس واضحًا، لأن كل مجتمع يختلف عن غيره. لكن هناك أوجه قصور في كيفية تدريب الأطباء على كتابة الشهادات. إنهم لا يتلقون أي تدريب رسمي بهذا الصدد.”

ويضيف إنه من غير المرجّح أن يشكّل التقليد الإسلامي المتمثل في دفن الموتى بسرعة عائقًا أمام تحسين الوضع. قال “عادةً ما يكتب الطبيب الشهادة فورًا بعد الوفاة. لا ينبغي أن تتسبب الدقة في حصول تأخير كبير.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام