مبادرات نسوية لمجابهة التحرش الجنسي الرقمي

/ 26-09-2019

مبادرات نسوية لمجابهة التحرش الجنسي الرقمي

يعتبر التحرش الجنسي في الشارع مخيفًا للضحايا، ولكنه قد يكون مخيفًا بذات القدر على الإنترنت. في الوقت الراهن، يناضل ناشطو حقوق المرأة والمنظمات غير الحكومية والجامعات ضد التحرّش في ذات المجال الرقمي لحماية المستخدمات من عددٍ متزايد من التهديدات عبر الإنترنت.

بالنسبة لنادين جوني، بدأت المضايقات عبر الإنترنت في عام 2014 عندما تلقت رسائل مجهولة المصدر. تتذكر جوني قائلة “أخبرني أنه يحبني ويريد النوم معي”. منذ ذلك الحين، راسلها ذات الشخص يوميًا أو أسبوعيًا لمدة خمس سنوات. قالت المرأة البالغة من العمر 29 عامًا، “أرسل لي تهاني بحلول شهر رمضان وأمنيات في عيد ميلادي يومًا ما، ثم أخبرني عن رغباته الجسدية في اليوم التالي.  إنه يعرف أنني متزوجة وأم، لكنه يقول إنه لا يزال يرغب في ممارسة الجنس معي.”

بصفتها ناشطة بارزة في مجال حقوق المرأة في بيروت، أصبحت جوني، التي تعمل مع منظمة أبعاد للمساواة بين الجنسين، هدفًا دائمًا للمضايقات عبر الإنترنت. تتلقى جوني ما بين رسالتين إلى ثلاث رسائل في اليوم، أو حتى 20 رسالة في حالة نشرها على موقع فيسبوك. ينتاب التعب جوني أحيانًا من الاستيقاظ ومشاهدة صور صريحة لأعضاء الرجال الخاصة ورسائل تهدد بالاغتصاب. قالت “أخبرهم بكونهم مرضى وبمدى سخفهم وإساءة معاملتهم للآخرين.”

تخاطب جوني بعض المتحرشين من خلال إعادة نشر رسائلهم علانية. ومع ذلك، لا تشعر جميع النساء بالأمان عند مشاركتهن لتجاربهن في التحرش في لبنان، حيث يمكن أن يشعرن بالخجل ويُجبرن على الصمت من قبل مجتمع يجد، كما تقول جوني، طرقًا لتبرير التحرش. قالت “في بعض الأحيان ترسل لي الفتيات لقطات شاشة عن رسالة يتلقونها ويطلبن مني أن أنشرها بشكل مجهول نيابة عنهن لأنهن يرغبن في تحذير النساء الأخريات.”

 مشكلة مشتركة

شهدت بلدان أخرى في المنطقة طفرة مماثلة في التحرش عبر الإنترنت، لكن ندرة البيانات تجعل من الصعب مواجهة مثل هذه الهجمات.

قالت روثنا بيغم، باحثة حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، “إنه واقع يطارد النساء حقًا، وفي العادة وسيلة لإقصائهن من الفضاء العام وترويعهن بهدف اجبارهن على الابتعاد.”

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

يمكن استهداف المرأة نتيجة لمحاولات ذات دوافع سياسية لتشويه سمعة القيادات النسوية، أو اضعاف مكانة الناشطات في مجال حقوق المرأة، أو لأن الشريك السابق الراغب في الانتقام يرغب في ابتزاز الضحية لاجبارها على الزواج أو تهديدها بـ “الانتقام الاباحي”. تقول بيغم إن النساء معرضات لذلك، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يُنظر إليهن غالبًا بمثابة حافظات لشرف العائلة.

وجدت دراسة أجراها المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي أن ثلث الشابات الفلسطينيات يتعرضن للتحرش الجنسي عبر الإنترنت، وفي المغرب، أبرزت دراسة استقصائية أجرتها الحكومة في وقت سابق من هذا العام ارتفاع مشكلة التحرش عبر الإنترنت. لكن إذا كانت ثقافة الصمت التي تحيط بالعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي منعت الكثيرات من التحدث في العصر ما قبل الرقمي، فإن بعض النساء الآن يستخدمن وجودهن على الإنترنت للرد.

قالت علياء عواضة، التي تعمل مع أبعاد، “بمجرد أن تتعرض المرأة للمضايقة، فإنها ستذهب إلى صفحتها على وسائل التواصل الاجتماعي وتفضح الجاني حتى تتمكن النساء الأخريات من حماية أنفسهن وحجب هذا الحساب. إن أقوى شيء عند الإبلاغ هو التضامن عبر الإنترنت. سيؤدي ذلك إلى إنشاء مساحة آمنة عبر الإنترنت وتشجيع النساء الأخريات على التحدث عن هذه الحوادث.”

قامت حملات هاشتاغ مكافحة التحرش مثل #أنا_مش_حبيبتك #NotYourHabibti في فلسطين و#أنا_كمان (#MeToo) و#اسمعني (#HearMeToo)، بتسريع هذا الاتجاه، مما ألهم عددًا متزايدًا من النساء لمشاركة تجاربهن. تسعى المبادرات العالمية، بما في ذلك #MeToo# TimesUp والعديد غيرها إلى أن يدفع الجناة الثمن من خلال سمعة مشوهة وقضاء وقت في السجن عقابًا على ما فعلوه.

قالت جانيك فان دير غراف-كوكلر، المديرة الإقليمية لتمكين المرأة في الدول العربية في هيئة الأمم المتحدة، “إنها فرصة لإنهاء ثقافة الصمت ووضع الناجيات في مركز الاستجابة.” 

نادين جوني، ناشطة بارزة في حقوق المرأة في لبنان. غالبًا ما تكون الناشطات هدفًا للتحرش عبر الإنترنت، إذ تتلقى جوني ما يصل إلى 20 رسالة ذات طابع جنسي بعد قيامها بالنشر على الإنترنت. (الصورة: نادين جوني)
نادين جوني، ناشطة بارزة في حقوق المرأة في لبنان. غالبًا ما تكون الناشطات هدفًا للتحرش عبر الإنترنت، إذ تتلقى جوني ما يصل إلى 20 رسالة ذات طابع جنسي بعد قيامها بالنشر على الإنترنت. (الصورة: نادين جوني)

دعم الطلاب والجامعات

في عام 2017، أطلقت الجامعة الأميركية في بيروت هاشتاك “مش_بسيطة #MeshBasita، وهي حملة على وسائل التواصل الاجتماعي استمرت لمدة ستة أسابيع لتحدي التحرش الجنسي. انتشرت مقاطع الفيديو المرتبطة بالمشروع بشكل واسع حيث تبنت النساء والرجال الفرصة للتعبير عن دعمهم عبر الإنترنت.

قامت الجامعة مؤخرًا بتوسيع سياستها تجاه المضايقات الإلكترونية. قالت ميترا طوق، المنسقة في مكتب المساواة والمادة 9 Equity and Title IX Office، والمشرفة على مبادرات عدم التمييز ومناهضة التحرش، “شعرنا أنه أمر يحتاج إلى معالجة محددة”. وقالت إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة اتصال أساسية للأجيال الشابة، لذا من المهم على نحو متزايد معرفة كيفية حماية أنفسهم على الإنترنت.

يُعدّ وجود سياسة واضحة تحدد التحرش الجنسي والعواقب المترتبة على مرتكبيه أمر بالغ الأهمية.

قالت طوق “إنه يخلق بيئة أكثر أمانا من جميع النواحي. ربما يفكر الشخص مرتين قبل ارتكاب سوء سلوك من هذا النوع إذا ما كانت هناك سياسة صارمة قائمة. كما أنه يجعل من السهل اكتشاف السلوك السيء ونقله بعيدًا عن المنطقة الرمادية حيث لا يكون الأشخاص متأكدين مما إذا كانت هذه المشاركة على فيسبوك أو رسالة واتساب تلك أمرٌ جيد أو لا.”

قالت رشا الريس، الطالبة في الجامعة اللبنانية الأميركية، “إن قواعد السلوك الصارمة التي تتبعها تساعد في تهيئة بيئة آمنة للطلاب. ما يجب تغييره هو القوانين والسياسات التي تتجاوز جامعاتنا الخاصة. لسوء الحظ، على الرغم من أنه تم تنفيذ الكثير من الحملات والمبادرات في لبنان، إلا أن حكومة البلد لم تتعامل مع هذا الأمر بجدية.”

في عام 2017، تم اقتراح مشروع قانون يجرم التحرش الجنسي في لبنان لكنه لم يصبح قانونًا.

في مصر، حكم المجلس الأعلى للجامعات بوجوب إنشاء وحدة لمكافحة التحرش والعنف ضد المرأة في كل جامعة في البلاد. قالت إيناس حمدي، المديرة التنفيذية في خريطة التحرش، وهي خريطة تفاعلية على الإنترنت تستخدم الحشد الجماعي لتسليط الضوء على النقاط الساخنة للتحرش، “إنها خطوة رائعة نحو إنشاء أماكن أكثر أمنًا للنساء في مؤسساتنا التعليمية”. (اقرأ التقرير ذو الصلة: التحرش الجنسي بالجامعات … صمت وإنكار وخوف من الفضيحة).

في عام 2014، انتشرت لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهرطالبة تتعرض للصفير والسخرية من قبل حشود من الرجال بينما تسير في الحرم الجامعي بجامعة القاهرة. تمتلك خريطة التحرّش الآن فرق من المتطوعين في المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء البلاد كجزء من برنامج المدارس والجامعات الآمنة، والذي يستهدف مكافحة التحرش من الطلاب والمدرسين. قالت حمدي “أصبحت النساء والفتيات أكثر وعيًا بحقهن في التحدث والإبلاغ عما يتعرضن له.” 

المسائل القانونية

في ذات العام، عدلت الحكومة المصرية قانون العقوبات لتشمل عقوبات ضد التحرش الجنسي، واتخذت بلدان أخرى، بما فيها تونس والمغرب، خطوات مماثلة منذ ذلك الحين. يعد قانون المغرب لعام 2018 الخاص بالعنف ضد المرأة أحد القوانين القليلة التي تحدد المضايقات الإلكترونية كجريمة. أمّا في الأردن، الذي شهد ارتفاعًا سريعًا في جرائم الإنترنت، وخاصة ضد النساء، يتم توفير مستوى من الحماية القانونية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية المثير للجدل.

لكن المدافعين عن حقوق المرأة يقولون إن هذه القوانين غالبًا ما تكون أقل من المطلوب لحماية المرأة. قالت جمعية المعهد الدولي لتضامن النساء Sisterhood، وهي منظمة أردنية لحقوق المرأة، إنه ليس هناك عدد كافٍ من النساء على دراية بالقانون الجديد، وبالتالي لا يزلن لا يبلغن عن مضايقات. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تعزيز بعض أحكام القانون الضعيفة. حددت المنظمة الأشكال المتنوعة التي يمكن أن تتخذها جريمة التحرش الجنسية: الملاحقة الإلكترونية، الانتقام بنشر المواد الإباحية، والتحوير (تحرير الصور لإحراج الضحية)، وإرسال البريد الإلكتروني بالتحايل بهدف خداع المتلقي بخصوص هوية المرسل.

قالت روثنا بيغم من هيومن رايتس ووتش، “على الرغم من تحوّل التكنولوجيا الالكترونية إلى قوة تحرير من بعض النواحي، إلا أنها يمكن أن تكون أيضًا “سيفًا ذا حدين”. يمكن القيام بعنف منزلي عبر الإنترنت، عندما تقوم العائلات بمراقبة سلوك المرأة عن كثب من خلال تفتيش هواتفهن وتطبيقاتهن.”

أظهر تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في عام 2016 حول العار والشرف والابتزاز في المجال الرقمي كيف أدت التكنولوجيا عبر الإنترنت إلى تفاقم بعض المشكلات الحالية التي تواجهها النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يحكي الفيلم قصة غدير البالغة من العمر 18 عامًا من مصر، التي أرسلت مقطع فيديو لها وهي ترقص في منزلها في ثوب ضيق إلى صديقها. عندما انتهت العلاقة، قام بنشرها على موقع يوتيوب YouTube. رفضت غدير التخويف ونشرت الفيديو على صفحتها على فيسبوك موضحة أنه ليس لديها سبب للخجل من ذلك. (كانت في المنزل مع الأصدقاء، لم يكن الصديق السابق هناك في ذلك الوقت.)

لكن الشهر الماضي شهد تذكيرًا مأساويًا بالمخاطر غير المتوقعة التي يمكن أن تواجهها المرأة عبر الإنترنت عندما وقعت شابة فلسطينية ضحية لجريمة “شرف” مشتبه بها في الضفة الغربية المحتلة. حيث زُعم أن إسراء غريب، البالغة من العمر 21 عامًا، تعرضت للتعذيب والضرب حتى الموت على يد شقيقها بعد أن نشرت شريط فيديو خاص بها في نزهة مع خطيبها قبل الزفاف.

قالت بيغم “نحتاج إلى التعامل مع قضية التمييز ضد المرأة بشكل جذري. بالنسبة إلى الشابات بشكل خاص، فإن العالم مخيف. حيث إنهن معرضات الآن بطريقة، إذا ما كُنّ يشاركن الصور، يمكن استخدامها ضدهن من دون أن يدركن عواقب ما سيحدث.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام