فنانة عراقية المولد تواجه الهويات المفروضة على النساء

/ 04-09-2019

فنانة عراقية المولد تواجه الهويات المفروضة على النساء

يفتتح معرض “ليست إنسانًا كاملاً“، وهو معرض جديد لأعمال الفنانة الكردية العراقية هيف كهرمان، اليوم الخامس من أيلول/ سبتمبر في معرض جاك شينمان في نيويورك. وبصفته من المعارض التجارية التي تمثل بداية السنة الفنية الجديدة في نيويورك، تقدم أعمال كهرمان منظورًا فريدًا حول موضوعات النوع الاجتماعي واللاجئين – خاصة وأن تلك المفاهيم تتعلق بشخص قادم من الشرق الأوسط. كما أنها أيضًا واحدة من الفنانين القلائل الذين ترجع أصولهم إلى المنطقة ويعرضون أعمالهم بشكل متكرر في نيويورك.

حظيت أعمال كهرمان الفنية بترحيب متكرر من قبل هواة جمع التحف والنقاد على حدٍ سواء بسبب تناولها لمجموعة واسعة من المواضيع السياسية والشخصية في لوحاتها. تعالج كهرمان مواضيع خاصة بتجربتها كلاجئة عراقية – ولدت في بغداد، وأجبرت على مغادرة العراق في عام 1990 في أثناء حرب الخليج الأولى، وكيف نشأت بصفتها لاجئة في السويد – فضلاً عن تجربتها كامرأة تعيش الآن في لوس أنجلوس، لتتصفح الافتراضات التي وضعها الآخرون عليها في عالم ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر.

تجسد الموضوعات التي تعرضها كهرمان في رسوماتها مستوى من الفوارق البسيطة من التجارب التي واجهتها شخصيًا منذ صغرها، ومع ذلك فإن أعمالها الفنية لا تشكل أبدًا تصريحاتٍ مبتذلة عن هذه المواضيع، وإنما دحض حازم للأفكار الخاطئة المفروضة عليها وعلى الآخرين من أمثالها.

تشمل الدوافع وراء عملها الأخير أسبابًا واسعة الإنتشار الآن في عالم الفن. قالت، “إن أهم طريقة يمكنني وصف الحالة بها هي أن النساء مواطنات من الدرجة الثانية. أنا لا أقترب من [فني] كامرأة شرق أوسطية، وهي الطريقة التي يستقبلني من خلالها الجمهور الغربي بافتراض أنني كنت امرأة عراقية مضطهدة. أعتقد أن المسألة أكثر تحديدًا من ذلك. نعلم جميعًا أن النساء يتم إظهارهن بشكل أقل ويتقاضين أجورًا أقل في عالم الفن، وبالتالي يتم تصنيفنا بشكل أساسي على أننا كائنات أدنى”.

يمثّل عنوان المعرض، “ليست إنسانًا كاملاً”، تورية مزدوجة في تحدي مفهوم “الآخر”، وهو التصنيف الذي وضعه الغرب ضمنيًا على الشعوب التي لا تدخل ضمن مفاهيم الهوية القياسية. تاريخيًا، كان فعل إطلاق صفة “الآخر” على الأفراد والتواريخ هو الذي أدى إلى استبعاد قصص شخصية وحكايات من الشرائع الأكاديمية والمحادثات العالمية.

يمكن قراءة عنوان المعرض كرد فعل ساخر على هذه الفكرة، ليكون بمثابة تأكيد كون هذه الموضوعات إنسانية تمامًا في واقع الأمر. واجه عمل كهرمان منذ بداية حياتها المهنية عادة الغربيين الذين يحاولون إنكار الصدمة العاطفية وتجارب اللاجئين، وحتى الجماهير المحلية التي تحاول رفض وجود الانتهاكات الاجتماعية المتمثلة في انعدام المساواة بين الجنسين. وبالتالي، فإن عملها يمثل منفذًا شخصيًا للتعبير وقناة لموضوعات مشحونة للغاية تؤثر على العديد من التواريخ الفردية والشخصية.

يعرض معرض “ليست إنسانًا كاملاً” كلاً من اللوحات كبيرة الحجم والقطع النحتية الصغيرة مع المواضيع المنمنمة للأنثى التي اشتهرت بها كهرمان، بأشكال مُلتوية في أوضاع تشبه فناني السيرك الماهرين. في الماضي، أُجبرت كهرمان على فرض رقابة ذاتية على أعمالها الفنية في الشرق الأوسط، وقيل لها إنها لا تستطيع أن تظهر أعمال تضم أشكالًا عارية أو تصويرًا للأعضاء التناسلية الأنثوية. على مر السنين، بدأت بإدخال شخصياتها في مواقف ودرجات من العري الذي لا يزال وفيًا لجماليات وموضوعية رسوماتها.

هيف كهرمان، من معرض لست إنسانا كاملاً (الصورة: جاك شاينمان غاليري، نيويورك ، فيلمان، لوس أنجلوس، والخط الثالث، دبي.)
هيف كهرمان، من معرض لست إنسانا كاملاً (الصورة: جاك شاينمان غاليري، نيويورك ، فيلمان، لوس أنجلوس، والخط الثالث، دبي.)

ليس المقصود من عُري الشخصيات والتصوير المفصل لتفاصيل مثل شعر الجسم أن تدغدغ الأحاسيس، بل هي بمثابة تعبيرات صادقة عن الشكل المادي. تقف الشخصيات في وضع الوقوف على اليدين، وتمرين الانشقاقات وغيرها من مآثر الجمباز. تظهر أرجل وأيدى وأكتاف شخصياتها ملتوية في لوحاتها، مما يثير إحساسًا كبيرًا من الانزعاج والفضول العجيب.

لا يبدو أن معرض “ليست إنسانًا كاملاً” يستنكر فكرة التساهل المتلصص من قِبل المشاهدين، مثلما وجد خلال فترة “عروض النزوة” المتجولة التي كانت شائعة في الغرب. وبالتالي، فإن زوار اليوم هم أولئك الذين يقفون بلا مبالاة في وجه الجرائم الكبرى.

الأمر الجدير بالملاحظة في أعمال كهرمان هو أنها تتطور باستمرار. يمتاز عملها بتكرار الأنماط الهندسية والتراكيب عالية التنظيم لشخصياتها، ولكن في أحدث لوحاتها، تميّزت هذه الأشكال بالسيولة والعفوية على عكس أعمالها السابقة. تم تمهيد العديد من قماش لوحات العرض أولاً ثم غُطيت مرارًا وتكرارًا بغراء جلد الأرانب قبل أن تصبغ جافة، مما أدى إلى إحساس بصري لا يصدق يماثل مياه محيط تتحرك بسلاسة عبر اللوحة. حيث أن التسطيح في الخلفية والحركة في المقدمة يمثلان تباينًا لا مثيل له في أعمالها السابقة. وهكذا تبدو الشخصيات وكأنها ترقص في الماء، مثل السباحين المتزامنين.

قالت كهرمان “لقد استمتعت برسم هذه الأعمال. أنا فنانة مسيطرة للغاية على عملي، أنا أدرس بتفكّر تام كل ضربة فرشاة أقوم بها. مع ذلك، كان هناك الكثير من العفوية في إنتاج هذه القطع ولم أكن أعرف كيف ستبدو الأشياء في النهاية.”

يعتبر الشكل البشري محور أعمال كهرمان الفنية. إذ يتكرر الموضوع الأنثوي المنمنم كليا أو جزئيا في جميع أعمالها تقريبا. قالت، “الجسد يحمل عبء الذاكرة، تصبح الذكريات منقوشة على الجسد – وهذا جانب سياسي. كم من الناس خاضوا تجربة من هذا القبيل؟”

لا تمثل هذه الموضوعات – ذات الشعر الأسود الحالك المُسرّح بشكل منتفخ على طريقة بوفانت، والبشرة الكريمية ذات التدرجات الوردية، والشفاه المتوردة المبهرة – الفنانة نفسها حرفيًا، بل تمثل عناصر من قصة حياتها في الوقت الذي يُقصد فيه أيضًا تمثيل جميع النساء.

قالت كهرمان “لا أتوقع أن يشعر جمهوري أو يفكر في شيء محدد. عملي شخصي للغاية، لكنني أشعر أنه جزء من تاريخ أو مجموعة أكبر. إنها متشابكة لأن الكثير ممّا هو شخصي يمثل جزءًا من تاريخ أكبر. أعرف أن الكثير من الفنانين يعترضون على إدخال الذات في العمل، لكنني أعتقد أن ما هو شخصي أمر سياسي.”

وأضافت “هناك اعتقاد أكاديمي غربي أنه من الأفضل عدم وضع نفسك في العمل، ولكن الأمر يتعلق بما يسلبه المشاهد بصريًا من العمل الفني. بالنسبة لي لا يمكنني فصل نفسي عن العمل.”

 

سيُعرض معرض ليست إنسانًا كاملاً، وهو معرض فردي لأعمال هيف كهرمان، في الفترة من 5 أيلول/ سبتمبر وحتى 26 تشرين الأول/ أكتوبر في معرض جاك شينمان في نيويورك.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام