شبكة جديدة لدعم العلوم السياسية في العالم العربي

/ 03-09-2019

شبكة جديدة لدعم العلوم السياسية في العالم العربي

تعتبر العلوم السياسية، وبدرجة أكثر من العلوم الاجتماعية الأخرى، البطة القبيحة من بين التخصصات الأكاديمية في العالم العربي. إذ تعرضت للإزدراء والتشكيك بها من قبل الحكومات التي لا ترغب في إجراء فحص نقدي لها، وتم حرمانها من تمويل البحوث، وغالبًا ما تفتقر إلى المهارات والموارد التي يتمتع بها المجال في الغرب، وتواجه معضلات حول أماكن ولغة النشر.

بهدف مواجهة هذه التحديات، تم إنشاء الشبكة العربية للعلوم السياسية في وقت سابق من هذا العام. تصف الشبكة، المعروفة اختصارًا باسم APSN، نفسها بأنها “مبادرة تعاونية أكاديمية تسعى لدعم وتعزيز وزيادة مخرجات البحوث والتدريس للباحثين … مع التركيز بشكل خاص على دعم الباحثين المقيمين في الدول العربية”.

تعتمد اللبنة الأساس للشبكة الجديدة على علماء السياسة الشباب وطلاب الدكتوراه الذين شاركوا في ورش العمل التي نظمتها الجمعية الأميركية للعلوم السياسية في المنطقة على مدى السنوات الست الماضية.

وقد ساعد العديد من كبار العلماء الأميركيين في توجيه المجموعة الجديدة.

يقول سلطان العامر، طالب الدكتوراه السعودي بجامعة جورج واشنطن وأحد المنظمين الرئيسيين للشبكة، إن المجموعة تهدف إلى بناء القدرات المهنية لعلماء السياسة العاملين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال توفير منح دراسية لدعم ورش العمل والبحث وتمويل الباحثين للعمل في مشاريع تعاونية وحضور مؤتمرات أكاديمية.

في منطقة تعاني فيها العلوم السياسية من نقص التمويل، وقلة المهارة، والتقييد بسبب التهديد المستمر بالقمع، فإن الهدف يتمثل في مساعدة “علماء السياسة العرب على تحسين نتائج أبحاثهم ومنشوراتهم، وتجاوز الخصومات بين الدول العربية والتعاون بطريقة غير حزبية،” بحسب العامر.

 ورش عمل في بيروت وواشنطن

عُقدت ورشة تطوير الأبحاث، الحدث الأول للشبكة، في بيروت في نيسان/ أبريل لتقديم ملاحظات نقدية حول مسودات بحوث مبكرة لستة علماء عرب من الجزائر والبحرين ومصر والأردن والمغرب. وشملت الموضوعات البحثية الاستبداد والاحتجاجات والعمل الجماعي و الديناميكيات الإقليمية والمدن والسياسات الحضرية في العالم العربي.

في نهاية الأسبوع الماضي، عقدت الشبكة مناقشة مائدة مستديرة في العاصمة واشنطن، جمعت عشرات الطلاب من خريجي العلوم السياسية وأعضاء هيئة التدريس من الدول العربية والولايات المتحدة لمناقشة وضع مجال العلوم السياسية في المنطقة العربية. أقيم الحدث على هامش الاجتماع السنوي الكبير للجمعية الأميركية للعلوم السياسية.

تحدث العلماء عن السوط المزدوج المسلط عليهم والمتمثل في النقص الشديد في التمويل اللازم للبحث، و”الخطوط الحمراء” – ويعني ذلك الموضوعات المحرمة في كل بلد والتي لا يتم التسامح بشأنها. غالبًا ما يتحمل أعضاء هيئة التدريس أعباء تدريسية كبيرة ولا يزالون مجبرين على إجراء الاستشارات بهدف زيادة رواتبهم الجامعية الضئيلة. قالت ليزا أندرسون، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كولومبيا والرئيسة السابقة للجامعة الأميركية بالقاهرة، إن هذا يترك لهم القليل من الوقت، أو الطاقة، أو الموارد لتنفيذ مشاريع بحثية.

قالت “لذلك، لا يتوجب على الحكومات منع إجراء البحوث. إنهم لا يقومون بتمويلها فحسب.”

قال ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، إنه حتى في الوقت الذي قدمت فيه الاضطرابات التي اندلعت في الربيع العربي عام 2011 موضوعًا جديدًا ومثيرًا لهذا المجال، إلا أن ظروف العلماء أصبحت أكثر صعوبة. إذ أصبح الحصول على تصاريح البحوث أكثر صعوبة، وأصبحت عواقب غضب السلطات من نتائج البحوث الحرجة أكثر خطورة.

قال “من الصعب العثور على بلد في المنطقة لم تتدهور فيه ظروف إجراء الأبحاث خلال السنوات الخمس أو الست الماضية”. (اقرأ التقرير ذو الصلة: أبواب موصدة أمام الباحثين في الشرق الأوسط). 

“لا يتوجب على الحكومات منع إجراء البحوث. إنهم لا يقومون بتمويلها فحسب.”
ليزا أندرسون، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كولومبيا والرئيسة السابقة للجامعة الأميركية بالقاهرة

 

قمع العلماء

بينما يعتبر الأكاديميون المحليون أكثر عرضة للخطر، إلأ أن بعض العلماء الغربيين في حالات قليلة بارزة قد وقعوا ضحية ذلك. في أواخر العام الماضي، عيّن ممثلو الادعاء الإيطاليون عددًا من أعضاء جهاز الأمن القومي المصري كمشتبه بهم في تعذيب وقتل جوليو ريغيني، طالب الدكتوراه الإيطالي البالغ من العمر 28 عامًا بجامعة كامبريدج، والذي عثر على جثته في مصر في شباط/ فبراير 2016.

لم يتم حل لغز جريمة القتل بعد، لكن كبير المدعين في روما قال العام الماضي إنه يعتقد أن ريغيني قد قتل بسبب بحثه في شؤون النقابات العمالية في مصر. (اقرأ التقرير ذو الصلة: جوليو ريغيني: ضحية سياسة الانغلاق في مصر).

تقدم السياسة المضطربة في المنطقة مادة غنية للباحثين في العلوم السياسية، لكنهم يعانون من القمع ونقص التمويل (الصورة: تويتر الشبكة)
تقدم السياسة المضطربة في المنطقة مادة غنية للباحثين في العلوم السياسية، لكنهم يعانون من القمع ونقص التمويل (الصورة: تويتر الشبكة)

في قضية أخرى، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تم العفو عن ماثيو هيدجز، طالب الدكتوراه بجامعة درهام في المملكة المتحدة، بعد أن أمضى ستة أشهر في السجن في الإمارات العربية المتحدة، حيث أدين بتهمة التجسس لصالح الحكومة البريطانية. كان هيدجز يبحث في السياسة الأمنية للإمارات العربية المتحدة وقد نفى التهم الموجهة إليه بالتجسس. (اقرأ التقرير ذو الصلة: تداعيات إدانة باحث بالتجسس في الإمارات على البحوث).

في عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تقوم منظمات خارجية بدعم العدد القليل من الأبحاث العلمية الاجتماعية. في المغرب، على سبيل المثال، تقدم المفوضية الأوروبية والعديد من وكالات الأمم المتحدة بعض التمويل. قالت سلوى الزرهوني، الأستاذة المشاركة في جامعة محمد الخامس بالرباط، في المغرب “تدور معظم الأبحاث حول مجالات مثل الهجرة والأمن والإرهاب”.

قالت الزرهوني “يتم تحديد البحوث إلى حد كبير من قبل المجتمع الدولي. إذا اعتقدت أن هناك مشاكل أخرى مهمة، فلن يمكنني العثور على تمويل.”

بهدف تعزيز البحوث المهمة محليًا، أسست الزرهوني وبعض الزملاء في عام 2011 مركز أبحاث مستقل، باسم معهد الرباط للدراسات الاجتماعية، بدعم من العديد من الممولين الغربيين.

 مصاعب النشر للجمهور المحلي

يعتبر البحث عن مكان للنشر قضية شائكة أيضًا. تنشر الزرهوني الكثير من أعمالها في المجلات الصادرة في الولايات المتحدة وأوروبا باللغتين الإنجليزية والفرنسية. بسبب الغياب شبه التام للمجلات الأكاديمية الصادرة بالعربية والتي يراجعها النظراء في العلوم السياسية، يقول الباحثون من المنطقة إن النشر في الغرب، وخاصة باللغة الإنجليزية، ضروري لكسب سمعة دولية.

مع ذلك، يمثل هذا الأمر مأزقًا للزرهوني وغيرها.

قالت “عندما تنشر باللغة الإنجليزية، فلن يكون لما تنشره تأثير على الرأي العام في المغرب. ولن يتمكن طلابنا الذين لا يتحدثون الإنجليزية من الوصول إلى أحدث الأبحاث والتحليلات. بالنسبة للباحثين، يعتبر ذلك معضلة.”

يقول حمد البلوشي، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، والذي نشر على نطاق واسع حول السياسة الكويتية والسياسات الإيرانية الداخلية والخارجية، إن الطريقة المثلى لتكون ذو صلة وتأثير على المناقشات السياسية في هذه البلدان تتجسد في الظهور على شاشات التلفزيون، وكتابة أعمدة الصحف أو مدونات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو إلقاء محاضرات عامة.

ثم تأتي مشكلة “الخطوط الحمراء”. ففي كل دولة عربية تقريبًا، هناك موضوعات معينة محظورة. قد يحاول الباحثون تجاوز تلك الخطوط في بحثهم، أو الذهاب أبعد من ذلك إذا ما نشروا بلغة أخرى. لكنهم يعرفون أن تجاوز تلك الخطوط يمكن أن يؤدي إلى عقوبات تتراوح ما بين الفصل من الوظيفة الجامعية وحتى السجن أو ما هو أسوأ.

في المغرب، على سبيل المثال، تشمل الموضوعات المحظورة استطلاع الرأي العام بخصوص الملكية، والصراع على السيطرة على الصحراء الغربية، والدين، وحقوق الإرث غير المتساوية بين الرجال والنساء، وقضايا المثليين (اقرأ التقرير ذو الصلة: دراسة الميول الجنسية في العالم العربي: عقبات وتحديات).

من بين الأهداف الرئيسية للشبكة الجديدة، بحسب عدد من مؤيديها، تشجيع التعاون داخل المنطقة. قالت الزرهوني “لدي تعاون مع زملائي في الغرب أكثر من الباحثين في منطقتي. نحن بحاجة إلى تطوير شبكات من الباحثين في المنطقة حتى يتمكنوا من التعاون مع بعضهم البعض.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام