دراسة الميول الجنسية في العالم العربي: عقبات وتحديات

/ 12-08-2019

دراسة الميول الجنسية في العالم العربي: عقبات وتحديات

يعتبر لبنان حالة اختبار بالنسبة لحقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسية في العالم العربي، نظراً لكونه واحدًا من أكثر بلدان المنطقة ليبرالية من الناحية الإجتماعية، لكن الباحثين الذين يعملون على دراسة الميول الجنسية  في هذا البلد يقولون إنه لا يزال موضوعًا يصعب على الناس تقبله بسهولة.

أصبح لبنان أول دولة عربية تحتفل بفخر المثليين في عام 2017، لكن تم إلغاء الحدث الافتتاحي بسبب تهديدات الإسلاميين باللجوء إلى العنف. في العام الماضي، تم إلغاء أسبوع فخر بيروت في منتصف الطريق على خلفية اعتقال أحد المنظمين. على الرغم من تلك القضايا، لا يزال من المقرر تنظيم حدث هذا العام في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر.

تعد مرونة حركة فخر المثليين في بيروت أحد الأسباب لتوقع حدوث تغيير في المواقف والرؤى الاجتماعية، لكن الباحثين يقولون إن الطريق لا يزال طويلًا. قال هادي نائل، مساعد الباحث في معهد الصحة العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، “إنه أمرٌ صعب للغاية، حتى في بيروت، أن تجعل الناس ينخرطون معي.”

 المثلية ليست مرضًا 

عمل نائل أيضًا كمدير مشروع سابق في الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية، وهي منظمة من المتخصصين في مجال الرعاية الصحية تسعى إلى تحقيق المساواة في الرعاية الطبية لجميع الفئات، مع التركيز على احتياجات مجتمع الميم.

في دراسة نشرت مؤخرًا، ونُفذت بالتعاون مع الجمعية، قام نائل بدراسة مواقف مقدمي الرعاية الصحية تجاه المرضى من المثليين.

أظهرت نتائجه اختلافات ذات دلالة إحصائية بين طريقة تفكير أخصائيي الرعاية الصحية العقلية ومقدمي الرعاية الصحية العامة.

على سبيل المثال، كان أخصائيو الرعاية الصحية العقلية أقل عرضة للاعتقاد بأن المثلية الجنسية اضطراب في الصحة العقلية أو أن التمايز مع جنس آخر غير الجنس عند الولادة أمر غير طبيعي. كما كانوا أيضًا أكثر عرضةً لمعالجة الأشخاص المتحولين جنسيًا باستخدام ضمائر المخاطبة المفضلة لديهم.

يقول عمر فتال، المدير المساعد للطب النفسي للمرضى الراقدين في مستشفى بلڤو في نيويورك وعضو هيئة تحرير مجلة LGBT Health، إن نتائج نائل تقدم دروسًا للآخرين. ولكون أصوله من لبنان، فإن فتال من مؤسسي الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية أيضًا.

قال فتال “تعتبر الجمعية اللبنانية للطب النفسي هيئة رسمية وقد خرجت لتقول بأن المثلية الجنسية ليست مرضًا. وقد مضت في الأمر أبعد من ذلك وقالت بأنه أمر طبيعي ويجب ألا تخضع لعلاج التحويل. كان هذا أمرًا كبيرًا.”

يقول نائل إن هذا الإعلان، الذي نُشر لأول مرة في عام 2013، قد تغلغل منذ ذلك الحين في صفوف مقدمي خدمات الصحة العقلية وزاد من مواقفهم الإيجابية تجاه مجتمع الميم.

قال “نحن نعلم، استنادًا إلى الاختلافات في إجابات مقدمي خدمات الصحة العقلية ومقدمي خدمات الصحة غير العقلية، أن شيئًا ما على الأقل قد تغيّر. عندما تقوم بتدريب الناس وتقول إن المثلية ليست اضطرابًا، فإن هذا سينعكس في صورة مواقف إيجابية.”

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

حجم العينات ومخاوف أخرى

اتصل نائل بما مجموعه 4,500 من المتخصصين في الرعاية الصحية لدعوتهم للمشاركة في هذه الدراسة، لكن أقل من 3.4 في المئة فقط وافقوا على المشاركة.

قال “كان معدل الاستجابة منخفضًا للغاية. يعتبر أخذ العينات مشكلة كبيرة لأن من يتقبلون الموضوع هم الأكثر عرضة للإجابة. ويعتبر التحيز في أخذ العينات مشكلة كبيرة بالنسبة لنا يجب أخذها في الاعتبار، كما أن جمع البيانات بشكل عام يمثل مشكلة – إذ تجد أن الأشخاص لا يريدون التحدث عنها فقط.”

يتفق آخرون مع ذلك. يدير إسماعيل معتوق عيادة خاصة في بيروت متخصصة في الصحة الجنسية، كما ركزت أبحاثه أيضًا على الجوانب النفسية الاجتماعية للرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال في لبنان.

يوضح قائلاً “لم أواجه ترددًا بخصوص عملي بسبب رفض الزملاء أو عامة الناس. لكن من الصعب تجنيد أشخاص للدراسات، ولن تقوم وزارة الصحة أبدًا بإجراء دراسة واسعة النطاق على مثليي الجنس لأن هذا المجتمع لا يمثل مجموعة معترف بها.”

تتسبب مشكلة أخذ العينات في زيادة الصعوبات التي تواجه الأكاديميين من أمثال نائل ومعتوق لنشر أبحاثهم.

قال معتوق “عندما ترسل أوراقًا بحثية، كثيراً ما ينتقدها محررو المجلات العلمية ويقولون إنها صغيرة جدًا أو غير ممثلة بالقدر الكافي، لكن هذا يعود في الغالب إلى عدم فهمهم للسياق.”

ويقول إن المخاوف بشأن دقة البيانات حقيقية وتشكل مشكلة حقيقية، لكن هناك القليل من الأبحاث حول هذا الموضوع في المنطقة، ويرى الباحثون إنه ينبغي الترحيب بأي دراسات كبداية، طالما أقرّ المؤلفون بمحدودية الدراسة عند كتابة نتائجها.

يقول نائل إن بعض المحررين أفضل من غيرهم في فهم تحديات إجراء البحوث حول قضايا المثليين في العالم العربي.

قال “غالباً ما تكون المجلة التي تتناول قضايا المثليين على وجه التحديد أكثر تفهمًا. بالنسبة للمجلات الدولية، هناك بعض الفضول حول أبحاث المثليين في العالم العربي، لذا فإن أي دراسة للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية (LGBT) تستدعي النظر في نشرها بسبب ندرة هذه البحوث.”

 أهمية أهمية دراسات مجتمع الميم

يقول معتوق إن الناس بحاجة إلى الاهتمام بالبحوث المتعلقة بالجنس المثلي في المنطقة العربية، لأن لديها فرصة لتحسين أو إنقاذ حياة الناس.

قال “من المهم دراسة الأشخاص ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين جنسيًا لأننا نعرف أن فيروس نقص المناعة البشرية يتركز في فئات سكانية رئيسية، ومجتمع المثليين أحد تلك الفئات. إذا كنت ترغب في التعامل مع فيروس نقص المناعة البشري فعليك أن تتعامل معهم”. (اقرأ المقال ذو الصلة: ارتفاع معدل الوفيات بالإيدز في المنطقة العربية).

يتفق نائل مع ذلك.

قال “من المهم دراسة القضايا المتعلقة بالجنس المثلي لأن هناك العديد من التحديات التي يمكن أن تواجهها إذا ما كنت من المثليين في لبنان، مثل وصمة العار والتمييز. من المهم معرفة كيفية التعامل مع هذا الأمر لتحسين صحتهم والحد من التمييز والتحيز الذي يواجهونه.”

تأتي النتائج المتوفرة عن الموضوع في المنطقة العربية بشكل حصري تقريبًا من الدراسات المنفذة في لبنان – وبشكل أكثر تحديدًا، من مناطق معينة في بيروت. وهذا ما يجعل من الصعوبة بمكان معرفة ماهية الوضع في بلدان أخرى أو ما إذا كان في الإمكان تطبيق ما يعرفه الباحثون من هذه الدراسات في مكان آخر.

تساءل فتال “لماذا لا نتحدث عن العالم العربي الأوسع؟ الجواب هو أن العالم العربي ضخم ومختلف تمامًا. لا يمكنك وضع المملكة العربية السعودية أو مصر أو لبنان في ذات الجملة بالنسبة لهذا الموضوع. الأمر معقد للغاية ويستحق كل بلد إجراء دراساته الخاصة.”

في الوقت الراهن، لا يجري كل بلد دراساته الخاصة.  قال نال، “سأفترض أن هناك قبولًا أكبر في تونس والمغرب مقارنة بأماكن مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. لكن بصراحة، من الصعب جدًا أن أقول ذلك بثقة لأنني لم أر الكثير من الأبحاث من تلك البلدان، إن وجدت.”

 توقعات متفائلة

على الرغم من قلة البيانات والتحقيقات في قضايا المثليين في المنطقة، يقول الباحثون إنهم متفائلون بعض الشيء بشأن مستقبل مثل هذه الأبحاث. إذ يقولون إن مسار التغيير الاجتماعي يدفع لبنان، على الأقل، نحو مزيد من التسامح.

قال فتّال “من الصعب قياس هذه الأشياء، لكن عندما نشأتُ في لبنان قبل 30 عامًا، كان من الشائع جدًا استخدام كلمة” منحرف” في وسائل الإعلام. بدل من استخدام كلمة “مثلي”. الآن تستخدم وسائل الإعلام مصطلحات أكثر حيادية.”

مضيفاً “في لبنان، هناك تحول في الدعم الشعبي نحو المزيد من الدعم، لكن إذا ما استيقظت غدًا لتجد حكومة مختلفة، فقد يتغير كل ذلك مرة أخرى.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام