الطلاب السوريون في بريطانيا يواجهون قرارات صعبة

/ 06-08-2019

الطلاب السوريون في بريطانيا يواجهون قرارات صعبة

أمضت ريما فصل الصيف في مكتبها وهي تعمل على إنجاز أطروحتها. سيكون الموعد النهائي للتسليم في أيلول/ سبتمبر، وبعد ذلك سيكون لديها فترة مدتها أربعة أشهر قبل انتهاء صلاحية تأشيرة دخولها إلى المملكة المتحدة، ولهذا، فإنها تسعى، في الوقت الذي لا تدرس فيه، للعثور على وظيفة.

قالت الفتاة البالغة من العمر 29 عامًا، والتي ترسل جزءًا من راتبها الدراسي إلى وطنها لدعم والدتها المُسنة في حلب، “لا يمكنني العودة إلى سوريا.” توقف صرف هذه الأموال هذا الشهر والآن تتزايد الضغوط عليها وعلى المستفيدين الآخرين من منحة تشيفنينغ لتحديد خطواتهم التالية.

قالت ريما، (والاسم مستعار تم استخدامه لحماية أسرتها في الوطن)، “بالنسبة للسوريين، فإن التجربة مختلفة تمامًا.”

تقدم تشيفنينغ، وهو برنامج المنح الدراسية الدولي التابع للحكومة البريطانية الذي يدعم طلاب أكثر من 160 دولة، فرصة للحصول على درجة الماجستير في المملكة المتحدة.

تعتبر ريما واحدة من 32 باحثًا من سوريا، من إجمالي 203 طلاب من جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ممّن درسوا في المملكة المتحدة كجزء من دفعة العام الدراسي 2018/2019 للبرنامج. انتهت الآن منحهم الدراسية التي تبلغ مدتها عامًا واحدًا، وهذا يعني بالنسبة للكثيرين أن خياراتٍ صعبة تلوح في الأفق الآن.

تُقدّم المنح الدراسية على أمل أن يعود الخريجون، بعد إكمال شهاداتهم، إلى بلدانهم الأصلية لمدة عامين بهدف توظيف تلك الخبرة لإحداث تأثير إيجابي. لكن بالنسبة لبعض الطلاب السوريين وغيرهم من البلدان المتأثرة بالحروب أو النزاعات المسلحة المستمرة، بما في ذلك جنوب السودان واليمن، فإن العودة تشكل خطرًا كبيرًا للغاية.

يشير الباحثون في تشيفنينغ أيضًا إلى قلة فرص العمل في الوطن – ولا يقتصر ذلك على سوريا فحسب، بل العديد من البلدان العربية الأخرى أيضًا، بما في ذلك الأردن. أكمل باسم أبو نعمة درجة الماجستير في جامعة برايتون عام 2015 قبل أن يعود إلى عمّان. قال الرجل البالغ من العمر 35 عامًا، والذي يتواجد الآن في المملكة المتحدة لاستكمال برنامج دراسات عليا، “كان الأمر صعبا. لم يقدر أصحاب العمل قيمة الحصول على درجة في ريادة الأعمال.”

 عندما تنتهي المساعدات

كان علي السيد، الباحث السوري الحاصل على منحة من تشيفنينغ، متحمسًا بحصوله على المنحة ودراسة نمذجة وإدارة بناء المعلومات في جامعة أكسفورد بروكس. قال الشاب البالغ من العمر 25 عاماً “غيرت هذه الفرصة حياتي، خاصة بالنسبة لشخص يعيش داخل سوريا.”

اكتشف السيد البلاد خارج أوقات دراسته. إذ تشجع تشيفنينغ  الحاصلين على المنح على التعرف على البلاد والتفاعل مع الثقافة البريطانية. قال “أحببت كورنوال أكثر من غيرها. لقد عشت حياتي كلها في مدينة ساحلية وقد ذكّرتني كورنوال  قليلاً بوطني.”

مع ذلك، تصاعد قلقه في الأشهر الأخيرة. إذا ما عاد إلى سوريا في كانون الثاني /يناير، فسيضطر إلى أداء الخدمة العسكرية، كما أن العثور على وظائف في مكان آخر أمر صعب، قال “ليس لدي وقت للتخطيط لمستقبلي بينما لا أزال أعمل على إنجاز رسالتي. يجب أن يكون كل شيء واضحًا الآن، لكن الأمر صعب على السوريين في هذه الحالة.”

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

تحب حنان كسواني، الحاصلة على درجة الماجستير في التنمية الاجتماعية من جامعة ساسكس، التنوع في المجتمع البريطاني (الصورة: أوليفيا كوثبرت)
تحب حنان كسواني، الحاصلة على درجة الماجستير في التنمية الاجتماعية من جامعة ساسكس، التنوع في المجتمع البريطاني (الصورة: أوليفيا كوثبرت)

تنص شروط وأحكام منح تشيفنينغ على أن الطلاب الذين لا يقيمون في وطنهم لمدة عامين بعد الانتهاء من دراستهم سيتم معاملتهم على اعتبارهم قد خرقوا اتفاقية المنحة الدراسية وقد يُطلب منهم سداد تكلفة منحهم. تنص الشروط أيضًا على أنه في “الظروف الاستثنائية”، يجوز للطلاب التقدم بطلب للعودة إلى دولة ثالثة لمدة عامين “إذا كان من المستحيل العودة إلى بلدهم الأصلي بسبب النزاع في ذلك البلد.”

أكد متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية أنه من المتوقع أن يستخدم المستفيدون من منحة “تشيفنينغ” خبراتهم لإحداث تأثير إيجابي في بلدهم ومجتمعهم. وأشار المتحدث إلى أن دعم الرعاية الاجتماعية متاح للطلاب أثناء دراستهم في المملكة المتحدة. لكنه أضاف “لا يمكننا تقديم المساعدة للباحثين الذين يسعون إلى التقدم بطلب للحصول على تأشيرات أو لجوء في المملكة المتحدة بعد انتهاء منحهم.”

 التقديم ليس سهلاً

تعتبر عملية تقديم الطلبات في تشيفنينغ تنافسية للغاية. وغالباً ما يستثمر المرشحون الكثير من الوقت والمال في عملية التقديم.

قالت ميرفت الحفار، وهي طالبة سورية تدرس الصحة العامة في كلية لندن لعلوم الصحة والأمراض الاستوائية، “يتعلق التقدم بطلب للحصول على منحة تشيفنينغ بالمواعيد النهائية للتقديم، لذلك عليك أن تكون حذرًا.”

لا توجد سفارة بريطانية في دمشق، لذلك يسافر المتقدمون السوريون إلى لبنان لإجراء المقابلات وخوص امتحانات إجادة اللغة الإنجليزية. بالنسبة للبعض، يمثل عبور الحدود عقبة كبيرة. (اقرأ التقرير ذو الصلة: متاهة تعيق الطلاب السوريين من تحقيق أحلامهم).

أنفقت ريما حوالي 600 دولار أميركي للتقدم بطلب للحصول على منحة تشيفنينغ. وهي تأمل في أن تصبح أستاذة وأن تساعد في تحسين أساليب التدريس في الجامعات السورية، لكن مع ظروف احتجاز أحد أخويها من قبل النظام وتواجد الآخر في تركيا، فإنها تتحمل مسؤولية إعالة أسرتها. قالت “وفرت تكاليف النقل عن طريق المشي إلى العمل حتى أتمكن من تحمل تكلفة شبكة الإنترنت اللاسلكية 3G [الجيل الثالث] من أجل أخذ دورات اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت. حتى ذلك الحين كان علي أن أستيقظ في الساعة الرابعة صباحًا. عندما لا يستخدم أحد الإنترنت.”

وبالتفكير في الوقت الذي قضته في المملكة المتحدة، قالت إن التجربة “غيرت الطريقة التي تنظر من خلالها إلى العالم”. لكنها عززت أيضًا من رؤيتها للمسافة الفاصلة بين السوريين والشباب الآخرين. بعيدًا عن الوطن، تطفو إلى السطح المشاعر الخانقة حيث تُحدث صدمة الحرب آثارها. قالت “لأول مرة ستتواجد لوحدك ويكون في إمكانك التعبير عن كل المشاعر. عندما تكون مع عائلتك، يحاول الجميع أن يكونوا أقوياء لدعم بعضهم البعض.”

في حفل توديع طلاب تشيفنينغ الشهر الماضي، شاهدت ريما طلابًا من دول أخرى يعرضون أفلامًا عن تجاربهم. قالت ” شاهدت مقدار المتعة التي حضوا بها جميعًا خلال العام الماضي، لكن السوريين أمضوا هذا الوقت في التفكير في القرارات الصعبة والناس في وطنهم. ذكرني ذلك حقًا بأنك كسوري، لا يمكنك أن تكون شخصًا عاديًا بعد الآن.”

 الحياة في المملكة المتحدة

في البداية، اعتقدت أمامة زنكوان، 28 عامًا، أنها تريد العودة إلى حمص، في غرب سوريا، بعد الانتهاء من دورتها الدراسية، لكنها غيرت رأيها بعد أن قامت برحلة قصيرة في شهر حزيران/ يونيو. إذ كانت معظم صديقاتها عاطلات عن العمل مع وجود آفاق ضئيلة للغاية أمامهن. قالت ” أدركت أنه ليس هناك حقاً ما أعود من أجله.”

عند وصولها إلى لندن لأول مرة، شعرت بالارتباك. قالت “استغرق الأمر مني بعض الوقت فقط لأدرك أنني كنت في أمان؛ وأن لا أخشى من تعرضي للقصف في أي لحظة.”

كانت متحمسة لحداثة تجربة العيش بمفردها. قالت “يبدو أنني كنتُ مدللة للغاية – لم أكن قد طهيت أو أغسلت الملابس من قبل!” وتمثلت المفاجأة السارة بالنسبة لها في عدد النساء اللاتي يرتدين الحجاب، مما أزال شعورها بأنها غريبة في مدينة غريبة.

يقول غيث دقماق أن المنحة غيرت حياته، لكن العودة لسوريا ليست خياراً بعد. (الصورة: : أوليفيا كوثبرت
يقول غيث دقماق أن المنحة غيرت حياته، لكن العودة لسوريا ليست خياراً بعد. (الصورة: : أوليفيا كوثبرت

علّق العديد من الطلاب السوريين على الحرية التي وجدوها في مجتمع بريطانيا المتعدد الثقافات. عاش غيث دقماق، 32 عامًا، في تركيا لمدة خمس سنوات، حيث كان يقول في بعض الأحيان إنه نصف لبناني لتجنب الصور النمطية السلبية. قال “في لندن يمكنني أن أقول بصراحة وبفخر أنني سوري لأنه مجتمع متنوع للغاية. أنا لست لاجئًا هنا، أنا باحث. أعطاني برنامج تشيفنينغ الفرصة لأشعر بنفسي مجددًا ولا أشعر بالخجل من هويتي.”

مع ذلك، وكحال الآخرين، يشعر دقماق بالقلق حيال خطواته التالية ويشعر أن تشيفنينغ يمكن أن يقدم مزيدًا من الدعم في تحريك المتطلبات القانونية للعمل في المملكة المتحدة. إنه حريص على العودة إلى تركيا ومواصلة عمله في مجال إدماج مجتمعات اللاجئين لكنه يريد تطبيق ما تعلمه أولا. قال “إذا كنت ترغب في العودة وأن تصبح لاعبًا رئيسيًا، فأنت بحاجة إلى الخبرة في دولة متقدمة. لقد جئنا إلى هنا ليس من أجل أن نأخذ من المملكة المتحدة فحسب، بل ولنعطيها أيضًا.”

تعبّر حنان كسواني، 28 عامًا، والحاصلة على درجة الماجستير في التنمية الاجتماعية من جامعة ساسكس، عن حرصها على العودة، لكنها قالت إنها تفضل بناء بعض الخبرة العملية أولاً. قالت “أنا حقًا أريد أن أعود لأنفع بلدي بعد الحرب. نحن جميعًا متحمسون ولكننا قلقون بشأن الخطوة التالية. هل العودة إلى هناك آمنة أم لا؟ هل ستكون لدينا فرص جيدة للعمل، لاستثمار هذه المؤهلات في سوريا؟”

ليست العودة خيارًا بالنسبة لريما، التي قررت التقدم بطلب للحصول على حق اللجوء في المملكة المتحدة. تقول إنه كان “قرارًا صعبًا”، لكنها ترى أن آرائها السياسية تمنعها من العودة إلى ديارها. كطالبة لجوء، لن تكون ريما قادرة على السفر ورؤية أسرتها لمدة أربعة أشهر على الأقل، وربما يصل الأمر إلى العام. لكنها تتطلع إلى المستقبل وتأمل أن تتمكن في يوم من الأيام من تحقيق حلمها البعيد في تطوير التعليم العالي في سوريا.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام