النسوية والمثلية الجنسية في الأدب العربي: رحلة البحث عن الكلمات

/ 08-07-2019

النسوية والمثلية الجنسية في الأدب العربي: رحلة البحث عن الكلمات

لندن ـ يُنظر إلى “قاهرة”، البطلة المسلمة التي ابتكرتها دينا محمد،على أنها تحدٍ للمبادئ، ليس بسبب امتلاكها قوة عظمى أو قدرتها على الطيران، ولكن لأنها تقوم بفعل تلك الأشياء وهي ترتدي الحجاب. أضحت “قاهرة” الآن أيقونة نسوية للنساء في مصر، لكن ذلك لم يكن القصد منها عندما رسمت محمد، وهي رسّامة غرافيك تبلغ من العمر 24 عامًا، مغامراتها الأولى.

قالت محمد خلال الجلسة الافتتاحية لبيينالي شبّاك في المكتبة البريطانية “يميل الناس إلى افتراض أن عملي يمثل جميع النساء المصريات أو أنه يمثل الحركة النسوية اليوم. في الواقع، إنه يعكس حقًا وجهة نظر مختلفة خاصة بي.”

بعد مرور ست سنوات على إنشاء موقع القاهرة الهزلي على شبكة الإنترنت، والذي حصد أكثر من 750,000 مشاهدة، تشعر محمد بالإحباط الشديد لأن وجود امرأة قوية ترتدي الحجاب لا يزال يشكل مفاجأة. قالت في مقابلة أجريت معها، “الأمر يعزز الصورة النمطية عن المرأة المحجبة.”

كانت مسألة التمثيل موضوعًا تكرر طرحه أثناء الحدث، الذي انعقد يوم الأحد الماضي، عندما اجتمع روائيون وشعراء وصحافيون ومترجمون ورسامو غرافيك من جميع أنحاء العالم العربي في نقاش استمر ليوم واحد حول أعمال جديدة في مجالات النسوية والكتابة عن المثلية والأدب الكردي، وغيرها من أشكال الكتابة. وشكل الحدث الفصل الأدبي لمهرجان شباك الذي يعقد مرة كل عامين، والذي يعمل على عرض الثقافة العربية المعاصرة في المسارح وقاعات الحفلات الموسيقية ودور السينما والمعارض الفنية والمتاحف والأماكن المفتوحة في جميع أنحاء لندن.

يناصر موضوع الدورة الخامسة، الذي يبحث في مسألة العادات، الفنانين العرب الذين يبحثون في الروايات الراسخة ويعيدون تخيل التعاريف التقليدية.

قال إيكهارد ثيمان، المدير الفني للمهرجان، “نحن نسعى إلى تغيير الخطاب حول علاقتنا المعقدة مع العالم العربي. إن امتياز هذا المهرجان هو أنه يمكننا من تقديم عدد كبير من الأصوات، وجماليات مختلفة، وآراء مختلفة في وقت قصير. من شأن هذا أن يكافح القراءة الأحادية والبسيطة للعديد من تعبيرات الفنانين العرب.”

استمع الجمهور بإنتباه شديد لحلقة نقاشية عن الكتابة النسوية الجديدة في مهرجان شباك (الصورة: ميراس صادق).
استمع الجمهور بإنتباه شديد لحلقة نقاشية عن الكتابة النسوية الجديدة في مهرجان شباك (الصورة: ميراس صادق).

تفسيرات جديدة للنسوية

ابتدأ اليوم بحلقة نقاشية بعنوان الموجة اللامتناهية: الكتابة النسوية الجديدة، تناقشت خلالها محمد ومشاركة أخرى، هي بدرية البشر، الصحافية السعودية ومضيفة برنامج دردشة، الحاجة إلى تفسيرات مرنة للنسوية تعكس مختلف البلدان والسياقات — وتنوع الفكر ضمن كل منها – في أرجاء العالم العربي.

بالنسبة للبشر، التي كتبت على نطاق واسع حول القضايا المؤثرة على وضع المرأة السعودية، فإن الموجة الحالية من الحركة النسوية تدعو إلى دعم الفرد من خلال ردود محلية. قالت “علينا أن نجعل ذلك أكثر صلة بالواقع.”

أخبرت البشر المستمعين بأن القضايا التي واجهتها المرأة السعودية في الماضي قد تمت معالجتها، موضحةً بعض المكاسب التي تحققت بصعوبة في الآونة الأخيرة للنساء في المملكة، بما في ذلك الحق في قيادة السيارات وزيادة انخراط النساء في الحياة العامة. وتجنبت مطالبتها بانتقاد الحكومة السعودية لسجنها الناشطات اللائي كنّ فاعلات من أجل الحصول على بعض هذه الحريات قائلة إن هذه القضايا أمنية. وأضافت، “ليس من المناسب بالنسبة لي أن أناقش هذا الآن.” (اقرأ التقرير ذو الصلة: بدء محاكمة ناشطات مدافعات عن حقوق المرأة في السعودية).

في مصر، وصلت حملة ضد حرية التعبير إلى درجة أصبح فيها الحذر ضرورياً في أوساط الكتاب والفنانين والناشطين. قالت محمد، التي فازت روايتها المصورة الأولى شبيك لبيك بجائزة أفضل رواية مصورة مطبوعة، فضلا عن الجائزة الكبرى في مهرجان القاهرة للكوميكس في عام 2017، “من الناحية النظرية، قد يكون لدينا الكثير من الحقوق، لكننا لا نمتلك ذلك من الناحية العملية.”

حددت محمد نوعين من الحركة النسوية في مصر: النموذج الشائع الذي ترعاه الدولة والنشاط الشعبي الذي يعمل في مساحة خانقة للغاية. والنتيجة هي نسوية مطهرة تدور على “أطراف أصابع” حول القضايا التي تحتاج إلى معالجة. قالت، “في الوقت الحالي نحن نعمل على التخلص من البقايا”.

الرقابة على التجارب المثلية

كما تم استكشاف الرقابة من وجهات نظر أخرى من خلال حلقة نقاشية بعنوان أصوات جريئة: الكتابة المثلية الجديدة، حيث مزحت الشاعرة والكاتبة المسرحية والممثلة ديما ميخائيل متّى – دون الكشف عن الكثير من أسرار الحرفة – حول الثغرات التي يستغلها فنانو مجتمع الميم LGBTQ لمشاركة أعمالهم وسط بيئات محظورة. قالت إن المراقبين الذين يسألون عن أسباب اختلاف قطعة فنية ما عن الإصدار المقدم قد يُجابون بأن القطعة “في طور العمل”. وغالبًا ما تستخدم المعارض الفنية بدلاً من المسارح لأن القيود فيها أقل.

بدوره، قال الفنان جوزيف كاي، “يمكن ممارسة النشر من تحت الطاولة أيضًا، وهو أكثر جاذبية.”

بالنسبة إلى كاي، المحرر في مجلة سمندل اللبنانية الكوميدية، فإن رهاب المثلية هو “العين الموجودة دائمًا، والتي تقرأ كل ما أكتب … باحثة عن الجنسانية”.

تحدث كاي، الذي تستكشف أعماله التهميش والجنس والمسكوت عنه، ليحكي عن أشكال مختلفة من رهاب المثلية في بيروت. تُعتبر المدينة واحدة من أكثر المدن ليبرالية في المنطقة وكانت الأولى في العالم العربي التي تستضيف أسبوع فخر المثليين في عام 2017. لكن هشاشة هذه الحريات كانت واضحة في العام الماضي عندما فرضت السلطات إلغاء بيروت برايد واحتجزت منظمها هادي دميان، بين عشية وضحاها.

قالت متّى، التي عبرت عن شعورها بالأمان في حيها في بيروت لكنها تمثل دورها في العمل مباشرة لتجنب التعرض للطرد، “رهاب المثليين موجود بكثرة في لبنان.”

لكنها قالت وآخرون إنهم لم يكونوا في العلن بهدف “تطبيع” تجربة المثليين.

كتب خالد إسماعيل
كتب خالد إسماعيل "رواية سورية مثلية"، تتحدث عن تجربة المثليين على خلفية الثورة السورية. لكن الكتاب، في الوقت الحالي، متوفر باللغة السويدية فقط (تصوير: أوليفيا كوثبرت).

نشر الأعمال بغير العربية

قال الكاتب السوري خالد إسماعيل، الذي شارك أيضًا في الحلقة النقاشية، إنه ينبغي على المؤلفين خلط المثلية الجنسية مع قضايا أخرى في عملهم.

تتصدر روايته الأولى، سلاملك، الحديث عن تجربة المثليين خلال الثورة السورية لتحدي استبعاد الأشخاص المثليين. قال إسماعيل “أحب أن يطلق على كتابي اسم رواية سورية مثلية.” ففي مجتمع ينكر وجود المثلية الجنسية في كثير من الأحيان، أراد الإسماعيل أن “ينقذ التراث الشفهي لحياة المثليين في سوريا،” ليروي عن الأماكن التي كان يتردد عليها والرجال الذين التقى بهم قبل أن تجرفهم الحرب.

نشر إسماعيل روايته في السويد، وهي متوفرة حاليًا باللغة السويدية فقط. وقال إن الطبيعة المثيرة للقصة تجعل من الصعب عليه إيجاد ناشر عربي. قال “من الصفحة الأولى أو الثانية، أخبروني أن هذا أمر مبالغ فيه بالنسبة لنا لنشره بسبب حساسيات الشرق الأوسط.”

 يعتبر هذا عقبة يواجهها كثير من الكتاب العرب. فقد كانت هناك العديد من الإشارات إلى رواية جوابا الشهيرة لسليم حداد، حول شاب مثلي الجنس يستكشف جنسيته في مدينة غير معروفة بالشرق الأوسط. كتبت الرواية باللغة الإنجليزية وتمت ترجمتها إلى أكثر من 15 لغة، فيما عدا العربية. قال إسماعيل “إن الأمر متروك للناشرين العرب لتغيير حساسيتهم وتقديم هذه الروايات إلى الجماهير العربية.”

يتحدث الكتاب عن عملهم وعن الحاجة إلى
يتحدث الكتاب عن عملهم وعن الحاجة إلى "حركة نسوية مرنة" خلال جلسة حول الكتابة النسوية الجديدة (الصورة: ميراس صادق).

“تكوين سردنا الخاص بنا”

تحمل اللغة أيضًا اعتبارات أخرى. أخبرت متّى الجماهير أنها شعرت أنها مضطرة لبدء المسرحية بقولها، “هذا ليس نصًا محفوظًا، إنها قصة تم التدرب عليها جيدًا، ويعزى ذلك جزئيًا إلى عدم وجود نساء عرب مثليات يكتبن باللغة الإنجليزية.” تدرس متّى اختيارها في المونولوج الافتتاحي للمسرحية: “أنا عربية لكنني أتحدث إليكم باللغة الإنجليزية، هل أنا أمثل من أجلكم؟ أجل، أليس كذلك؟ ماذا يحدث عندما أمثل بلغة ليست لغتي؟ إنني أبدو أقل، أليس كذلك؟ أبدو وكأنني على بعد درجة واحدة عن ذاتي.”

بتلقيها تعليمها باللغة الإنجليزية، كان من الأسهل لها أن تجد تعبيرًا في اللغة، لأسباب ليس أقلها أن بعض الكلمات الخاصة بتجربة الجنس الحر queer ليس لها مرادف في اللغة العربية. قالت متّى “في العالم العربي، نحاول اختراع لغة غير مترجمة بشكل مباشر.”

وأضافت “ما زال “جندر” يعني الجنس، ولا يزال “كوير” يعني “المثلي جنسيا”. يتم النظر إلى الكثير مما نحن عليه من خلال عدسة غربية. … يتعلق الأمر بتكوين سردنا الخاص بنا.”

لكن، بالغوص في كتب التاريخ بشكل متعمق، ستظهر تجربة عربية مثلية سباقة. عندما بدأ الكتابة، كان إسماعيل ينتقل من العربية إلى الإنجليزية لمشاهد الجنس. “اعتقدت أنه ليس هناك مفردات في اللغة العربية للتعبير عن حب المثليين”. ثم تعمق في تراث لغته الأم ووجد حركة أدبية، في عهد الأمويين والعباسيين، عندما ازدهر التعبير عن الإثارة المثلية في أوساط كُتاب الأندلس وحلب ودمشق.

ثم كان الأمر مجرد نسج بلهجة العصر الحديث لإنشاء رواية في الشرق الأوسط تسرد قصة المثلية الجنسية في سوريا وتربطها مع عدد متزايد من الروايات المعاصرة التي تجعل الحياة العربية المثلية مرئية في الأماكن التي بقيت فيها تدور في الخفاء.

قال إسماعيل “هناك حاجة لرواية هذه القصة. إنه زمن ثوري بالنسبة للدول العربية والعالم العربي.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام