الرواية العربية التاريخية بمنظور جديد

/ 12-07-2019

الرواية العربية التاريخية بمنظور جديد

يساعدنا التاريخ، بحسب الروائية البريطانية هيلاري مانتل، على وضع حياتنا الصغيرة في سياقٍ معين. ولكن أي نوع من السياق؟ وقصص مَن يتوجب علينا روايتها؟ في مهرجان شباك في لندن في أواخر الشهر الماضي، تحدث أربعة من مشاهير الروائيين العرب عن السياقات الخاصة بأدبهم التاريخي، وكيف يكتبون لتغيير الروايات الرسمية، بهدف التأثير على المستقبل – فضلاً عن الاستمتاع.

قال الروائيون الأربعة جميعًا إنهم عملوا بالضد من المزاج الرسمي للتاريخ. إذ تحدثت الروائية العراقية الويلزية رقية عزالدين عن الكتابة عن قصة حياة تم محوها من الروايات البريطانية عن الحرب العالمية الأولى؛ وتحدث الروائي الفلسطيني ربعي المدهون عن مواجهة الروايات الإسرائيلية. كما تحدثت الروائية العراقية إنعام كجه جي عن نقل قصص عن الفن والثقافة العراقيتين، وتحدث الروائي السوداني حمور زيادة عن الكتابة عن البيض في السودان.

افتتحت الحلقة النقاشية بقراءة من رواية عزالدين الأولى “أولاد البطيخ” (التي تم إدراجها في القائمة القصيرة لجائزة Betty Trask، التي تمنحها جمعية المؤلفين، هي منظمة بريطانية)، والتي تم تدور أحداثها في العراق في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى وثورة عام 1920 ضد البريطانيين. بالنسبة لعزالدين، الروائية الوحيدة في الجلسة التي تكتب باللغة الإنجليزية، كان من المهم توافر قصص عراقية في الأدب المكتوب بالإنجليزية تدور أحداثها خلال تلك الفترة.

قالت عزالدين إن الكتابة باللغة الإنجليزية حول هذا الموضوع “عادةً ما تتمحور حول الروايات الأوروبية والأبطال الأوروبيين وتضع العرب في موضع الخصم، أو كشخصيات هامشية، على الأقل، تعمل ضمن خلفية تهديدية محفوفة بالمخاطر وغريبة للمغامرة الأوروبية.”

كما قرأ زيادة، الذي ألف ثلاث روايات ومجموعتي قصص قصيرة، من رواية “شوق الدرويش” (الحائزة على جائزة نجيب محفوظ، التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة سنوياً لأفضل رواية عربية معاصرة لم تترجم بعد إلى اللغة الإنجليزية)، والتي ترجمت إلى الإنجليزية من قبل جوناثان رايت، الصحافي والمترجم الأدبي البريطاني. تدور أحداث رواية زيادة في السودان أثناء الثورة المهدية في حدود نهاية القرن التاسع عشر.

قال زيادة إنه لم يركز على قصص الشخصيات السودانية فقط، “على العكس من رقية، أريد أن أكتب عن الرجل الأبيض في بلدنا من وجهة نظري. لقد كتبوا عنا … ولكن، كيف نراهم نحن؟ لدي الحق في الكتابة عن هذا الرجل الأبيض أو تلك المرأة البيضاء.”

أدارت الجلسة المسائية التي عقدت يوم الأحد في المكتبة البريطانية، عالمة السياسة لاله خليلي، والتي تُدرّس في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS بجامعة لندن. سألت خليلي الكتاب عن رأيهم في استخدام رواياتهم في الفصول الدراسية كأدوات تعليمية. قالت عزالدين إن الأمر قد يكون إشكاليا إذا تم الضغط على الكتّاب ليعملوا كممثلين لثقافة كاملة، ولكنه يساهم في تمكينهم أيضًا إذا كان ذلك جزءًا من مشروع الكاتب نفسه. تحدث كل من عز الدين وكجه جي والمدهون عن الطرق التي تدخّلوا بها عن قصد في طريقة كتابة التاريخ.

وعلى العكس من ذلك، أكد زيادة على أنه ليس لديه “سبب وجيه” لكتابة الروايات التاريخية. لقد ترعرع في كنف جدته لمعظم الوقت، ولهذا السبب، “لعبتُ وسط قصص من الماضي”. إذ ضمنت حكايات جدته المرسومة بإحكام أن “يعيش خياله في تلك الفترة”. بدلاً من تمثيل السودان، قال زيادة “أنا لا أزال طفلا يعبث بالتاريخ.”

عرض مزدوج على بطاقة بريدية من بعلبك، 1960، من قبل المصور إبراهيم شماس(الصورة: مجموعة FAI ، بإذن من مؤسسة الصورة العربية).
عرض مزدوج على بطاقة بريدية من بعلبك، 1960، من قبل المصور إبراهيم شماس(الصورة: مجموعة FAI ، بإذن من مؤسسة الصورة العربية).

أمّا بالنسبة للمدهون، فلم تكن هناك طريقة لتجنب التمثيل أو السياسة أو الماضي. قال “ليس هناك زمن مثل الزمن الفلسطيني. أنت تعيش هذه الحياة في الوقت الحاضر بينما يسيطر الماضي على حياتك ويحاول فرض تعريف لمستقبلك. إذن ما هو الزمن الذي تعيش فيه؟ أنت لا تعرف.”

شدد المدهون على أن قضية ماضي فلسطين أمر أساسي لحل نزاعات الحاضر. وقال إنه لا يمكننا نسيان الماضي إلا عندما يتم حل المظالم. وأضاف بأن الفلسطينيين والإسرائيليين “بحاجة لنسيان الماضي بهدف العيش بسلام وتقاسم كل شيء: الهواء والسماء والقرف والقمامة والحب وكل شيء.” وقال، “لكن لا يمكننا فعل ذلك تحت أي احتلال.”

فازت رواية المدهون بعنوان “مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة” بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2017، وقد ترجمها بول ستاركي إلى اللغة الإنجليزية، والذي يعمل الآن أستاذًا فخريا بجامعة دورهام ومحرر استطلاع للأدب العربي المعاصر. قال المدهون إن جزءًا من مشروع روايته تمثل في “مواجهة الهولوكوست بالنكبة” – أي طرد الفلسطينيين من منازلهم وقراهم في عام 1948. وقد أكد على أنه من المهم، عند سرد تاريخ الهولوكوست، أن يتم التأكيد على “أنه لن يحدث مرة أخرى. لكن مشكلة النكبة مشكلة مستمرة بلا نهاية.”

بالنسبة لكجه جي، التي تعيش في فرنسا، فإن من المهم أن تتم ترجمة رواياتها وجعلها متوفرة كقصص عراقية جديدة. إذ قالت إنها رغبت في مواجهة المفاهيم الخاطئة حول المهاجرين العراقيين، الذين يصورون في الغالب كشعب بدون تاريخ ثقافي عميق أو توق فني.

ومن بين محاور التركيز في تلك الأمسية مسألة البحث الذي قام به المؤلفون لدعم ورفد رواياتهم بالمعلومات. قالت كجه جي، التي أدرجت أحدث رواياتها الصادرة بعنوان “النبيذة” في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، إنها اعتمدت جزئياً على رسائل ووثائق أخرى حصلت عليها من الشخصيات – أو بالأحرى الأشخاص الحقيقيين الذين تستند إليها شخصيات الرواية.

أضافت كجه جي باللغة الإنجليزية، “وبالطبع، يجب أن أتقدم بالشكر الجزيل للقديس جوجل.”

قالت عزالدين إنها استخدمت القصص العائلية بالإضافة إلى الأرشيفات الرسمية، لأنها شعرت أن “من المهم معرفة ما يقوله الجانب الآخر عنا. ولكي أقوم بذلك، كنت بحاجة إلى مراجعة الروايات البريطانية في الصحف أو السيرة الذاتية.”

مع ذلك، فوجئت عزالدين بمدى غياب وجود أي ذكر للقمع البريطاني للانتفاضة العراقية في الصحف الصادرة باللغة الإنجليزية في العراق. قالت عزالدين إنها “ذهبت إلى الأرشيف في إسطنبول متوقعة العثور على جملة واحدة على الأقل” في صحيفة تصدر باللغة الإنجليزية تدعى ذي بغداد تايمز The Baghdad Times، “لكنها كانت مجرد مقالات حول ما كان يحدث في جمعية الشبان المسيحيين.”

قال المدهون إن الكثير من أبحاثه تضمنت السير في شوارع فلسطين التاريخية حيث تدور أحداث روايته. وقال إنه لم يكن مهتمًا بالشخصيات العامة، بل بحياة الأشخاص العاديين، “أخترت الذهاب إلى التاريخ الذي لم يُكتب، التاريخ الذي لم يتم تعليمه للأطفال في المدارس، وغير المتواجد في وسائل الإعلام. أنا أزور الناس العاديين واقوم بجمع القصص من شفاه الناس العاديين.”

كان من المهم لكجه جي أن تعيد توجيه الأدب التاريخي حول الأشخاص الذين لا يصنعون كتب التاريخ في العادة. قالت كجه جي، “لطالما كان التاريخ الرسمي مزورًا وأعيدت كتابته مع مجيء كل حاكم جديد. فكما قال زميلي في حلقة النقاش، أعتقد أن علينا واجب الكتابة عن أناس حقيقيين يعيشون هذه الحياة، بدلاً من التاريخ الرسمي.”

بالنسبة لكجه جي، كان من المهم إلغاء التأكيد على سرد الحرب، الذي هيمن على الكثير من مناقشات القرن الحادي والعشرين الخاصة بالعراق. بعد العمل كصحافية لسنوات عديدة، بدأت كجه جي في كتابة الأدب في الخمسينيات من عمرها، عندما عبّرت عن رغبتها في أن تظهر للجيل القادم أن العراق بلد غني بالفن والموسيقى والأدب. قالت، “أردت أن أروي قصص هذه الثقافة، وهذا الشعب.”

كان زيادة – الذي إرتدى قميصًا أزرق اللون مزينًا بهاشتاك أطلق على موقع تويتر #blueforSudan – مهتمًا بالعدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي المعاصر. ومع ذلك، فقد كان أيضًا عضو الحلقة النقاشية الذي غالبًا ما حوّل المحادثة في إتجاه متع القراءة والكتابة.

وعن إجراء البحوث، قال “نعم، نحن بحاجة إلى الأرشيف. نعم، نحن نستخدم الأرشيف. لا، نحن لا نكتب الأرشيف.”

يتناول الروائيون الأربعة التاريخ بطرق مختلفة، حيث يعملون على تسليط الضوء على القصص الأقل شهرة. لكن زيادة أشار أيضًا إلى ملاحظة مهمة، هي أن الروائيين ليسوا مؤرخين، وأنه ليس هناك سبب لوجود أدب تاريخي لا يروي قصة جيدة.




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ربعي المدهون:

    أفضل تغطية لحلقة المناقشة بين كل ما نشر حتى الان. شكرا مارشا ، هذا ما تعودناه منك: العمق، الصدق، الدقة، والرزانة.


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام