فوارق اجتماعية واقتصادية وراء إضراب الأساتذة في الجامعة اللبنانية

/ 28-06-2019

فوارق اجتماعية واقتصادية وراء إضراب الأساتذة في الجامعة اللبنانية

طرابلس، لبنان – من المحتمل أن يقضي طلاب الجامعة اللبنانية معظم أيام العطلة الصيفية في حضور محاضرات تعويضية بسبب إضراب أعضاء هيئة التدريس الذي أجبر العديد من الطلاب على عدم خوض الامتحانات وخسارة فرص التدريب والدخول في برامج نيل درجة الماجستير.

إذ صوّت الأساتذة، يوم السبت، على مواصلة توقفهم عن العمل الذي استمر لمدة تجاوزت الأسابيع الستة في إضراب بدأ في 6 أيار/ مايو بعد اقتراح حكومي بخفض الميزانيات ورواتب الموظفين في الجامعة الحكومية. وتعد هذه الخطط جزءًا من حزمة من مسودة تدابير التقشف المصممة لإطلاق 11 مليار دولار أميركي مقدمة على شكل مساعدات من المانحين، تم التعهد بتقديمها إلى لبنان في مؤتمر باريس 2018.

في وقت سابق من هذا العام، حذرت الحكومة اللبنانية المُشكّلة حديثًا من احتمالية وجود حاجة لإجراء إصلاحات “صعبة ومؤلمة” لتخفيض الدين العام الذي يشل البلاد، والذي يعد من بين أعلى المعدلات في العالم. أدى مشروع الميزانية الذي تم تقديمه في نيسان/ أبريل إلى إضرابات في القطاع العام حيث تجمع الموظفون، بمن فيهم أساتذة الجامعات، أمام البرلمان للاحتجاج على تخفيضات الرواتب المقترحة.

يقول الطلاب إنهم يشعرون بالإحباط بسبب توقف دراساتهم واستخدام مستقبلهم كورقة مساومة، لكن المضربين يصرون على أن هذا الإجراء ضروري لحماية مؤسسة التعليم العالي منخفضة التكاليف الوحيدة في لبنان، حيث لا يستطيع الكثير من الطلاب تحمل تكاليف الدراسة في الجامعات الخاصة. (يبلغ متوسط التكلفة السنوية للدراسة في جامعة لبنانية خاصة حوالي 7,000 دولار سنويًا للمرحلة الجامعية، ولكن يمكن أن تصل التكلفة إلى 25,000 دولار سنويًا في أفضل المؤسسات الخاصة في البلاد).

قال عمّار أسّوم، الذي يُدرس في كليات الهندسة والعلوم في الجامعة اللبنانية، “بشكل عام، لا ترد الحكومة ما لم نقم بإضراب وأول ضحايا الاضرابات هم الطلاب. إنه لأمر محزن بالنسبة إليهم، لكن ليس لدينا أي خيار آخر.”

في البداية، أيد الطلاب الإضرابات، وهي أمر شائع في الجامعة، لكن صبرهم تضاءل فيما بعد. قالت رانيا يوسف، وهي طالبة في منتصف الطريق لنيل درجة البكالوريوس في الأدب العربي، “الآن سيكون لدينا عمل مكثف للغاية لأنه لا يزال يتوجب علينا إكمال نصف المساق. إنها ضغوط كبيرة.”

وقد وعد الأساتذة المضربون بمساعدة الطلاب من خلال دروس تعويضية بمجرد انتهاء الإضراب.

فصول دراسية متداعية ومكتبات قديمة

يبحث بعض من ألمع الطلاب في البلد للدراسة في الجامعة اللبنانية بسبب انخفاض تكلفتها، أو بسبب قوتها الأكاديمية بالنسبة لبعض الأقسام على الأقل. وضع تصنيف جامعات لبنان لعام 2019 من قبل UniRank، وهو دليل للتعليم العالي، الجامعة اللبنانية في المرتبة الثالثة من أصل 35 مؤسسة في البلاد، بعد الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية اللبنانية. (كما تحرز جامعة القديس يوسف في بيروت في كثير من الأحيان موضع جيد في التصنيفات الجامعية.)

قال داني عثمان، الذي يُدرّس علم الوراثة في الجامعة اللبنانية، إن كلية العلوم كلية رائدة في المنطقة، حيث ينجح الطلاب على الرغم من فقر المختبرات وغيرها من المرافق، مما يجعلهم في وضع غير مؤات. قال، “الظروف سيئة حقًا ولكن لدينا مستوى أكاديمي عالٍ لأن [الطلاب] لديهم طموحات كبيرة.”

تسببت التخفيضات في التمويل على مر السنين في نفاد ميزانية الجامعة لتصل إلى 250 مليون دولار أميركي، والتي يقول أعضاء هيئة التدريس أنها غير كافية لصيانة المباني المتهالكة، وإعادة ملء المكتبات القديمة بالكتب، وتجهيز المختبرات.

أوقف علاء شهاب، 28 عاماً، وهو طالب سوري يدرس في الجامعة اللبنانية، دراسته لمدة عام وبدأ بالعمل في أحد المطاعم على شكل مناوبات للحصول على رسوم التسجيل البالغة 1,000 دولار أميركي (تبلغ الرسوم حوالي 500 دولار للمواطنين اللبنانيين) بهدف الحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية. يقول شهاب إن جودة التدريس جيدة، والأساتذة متعاونون – وغالبًا ما ينصحون الطلاب في ساعات خارج العمل من خلال مجموعات على تطبيق واتساب WhatsApp. لكن البيئة ليست مواتية للتعلم على الدوام.

وأضاف بأن المراوح المكسورة وغياب أجهزة تكييف الهواء يجعل من الصعب على الطلاب التركيز داخل الفصول الدراسية الخانقة خلال فصل الصيف، وفي الشتاء “يكون الجو باردًا لدرجة أن يدي ترتجف أحيانًا أثناء الامتحانات”. كما أن الكتب المنهجية الأساسية غير متوفرة على أرفف المكتبة. قال “نحن في العام 2019  وأنا أجري بحثًا في كتب نشرت قبل 20 عامًا، هذا سخيف للغاية.”

يشيد علاء شهاب، طالب الماجستير في العلوم السياسية، بجودة التعليم والطبيعة الداعمة لأساتذة الجامعة اللبنانية (الصورة: أوليفيا كوثبرت).
يشيد علاء شهاب، طالب الماجستير في العلوم السياسية، بجودة التعليم والطبيعة الداعمة لأساتذة الجامعة اللبنانية (الصورة: أوليفيا كوثبرت).

سد الثغرات من خلال التمويل

يحاول مدراء فروع الجامعات ملء فجوات التمويل. إذ تعتمد جاكلين أيوب، مديرة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في طرابلس، جزئياً على التبرعات، والتي تم تقديم أحدثها من قبل إحدى المجلات – وتتمثل في مقاعد خشبية للساحة التي يتجمع فيها الطلاب أثناء فترات الاستراحة.

ودائما ما تكون التبرعات غير مالية ولا يمكنها تعويض أزمة السيولة النقدية التي من شأنها أن تحافظ على الحرم الجامعي المستنزف – وهو مقر عسكري فرنسي سابق. يتقشر الطلاء من جدران الممرات المفتوحة في الهواء الطلق والفصول الدراسية مفروشة بشكل بائس. كما أن هناك نقص في أدوات التدريس الأساسية مثل أجهزة العرض الضوئية فيما يقتصر اتصال الإنترنت غير المنتظم على المكتبة ومكاتب الموظفين.

لم يتم توضيح مسألة التخفيض في الميزانية وبالتالي فهي غير قادرة على التوقيع على أي إنفاق جديد. قالت أيوب، “نحتاج إلى شاشات LCD للعروض التقديمية وميكروفونات للفصول الدراسية وصيانة المبنى فضلاً عن تكييف الهواء ومراوح لدرء حرارة الصيف – ما نطلبه هو الحد الأدنى”. وبصفتها طالبة سابقة في الجامعة اللبنانية، فهي تنظر إلى الإضراب من وجهة نظر الطلاب والأساتذة.

يشكو العديد من المشاركين في الإضراب من فشل الحكومة في أخذ الجامعة اللبنانية على محمل الجد وقنوات التمويل في أماكن أخرى. قالت أيوب، “يتمثل طموحنا في تحفيز الحكومة على دعم الجامعة اللبنانية … المفارقة هي أن العديد من قادتنا هم من خريجي الجامعة اللبنانية، وكان من الحريّ بهم أن يتفهموا وضعنا”.

تقول جاكلين أيوب، مديرة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في حرم الجامعة اللبنانية بطرابلس، إنها تنظر إلى الإضراب من منظور الأساتذة والطلاب (الصورة: أوليفيا كوثبرت).
تقول جاكلين أيوب، مديرة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية في حرم الجامعة اللبنانية بطرابلس، إنها تنظر إلى الإضراب من منظور الأساتذة والطلاب (الصورة: أوليفيا كوثبرت).

الجامعة كفضاء عام

تأسست الجامعة اللبنانية في عام 1951 بعد سلسلة من الاحتجاجات الطلابية ضد ارتفاع تكلفة التعليم التي أسفرت عن اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن في العام السابق لذلك. وهي اليوم أكبر جامعة في لبنان، حيث يدرس فيها حوالي 85,000 طالب وطالبة في خمسة فروع جامعية منتشرة في جميع أنحاء البلاد.

يمثل طلاب الجامعة شريحة عرضية من النسيج الاجتماعي والديني المتنوع في لبنان، حيث لا تزال الانقسامات الطائفية التي ولدتها الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 محفورة في ذاكرة المجتمع. تحمل العديد من الجامعات الخاصة تأثيرات طائفية. تقول عزة سليمان، أستاذة القانون التي درّست في الجامعة لمدة 10 سنوات، إن الشباب من جميع الطوائف الدينية والسياسية يأتون إلى الجامعة اللبنانية ويشاركون في النقاشات. في رأيها، الجامعة هي “الفضاء العام الوحيد في لبنان.”

ناقش نزار حسن وبنيامين ريد من بودكاست السياسة اللبنانية “الخصخصة الطائفية للتعليم العالي” في حلقة مخصصة عن التعليم العالي الأسبوع الماضي. وقالوا “الجامعة اللبنانية مهمشة في حين تزدهر هذه الجامعات الخاصة. هناك الكثير على المحك أكثر من عدم تمكن بعض الطلاب من إجراء الامتحانات.”

تقول دعاء شامي، التي تدرس الجغرافيا في الجامعة اللبنانية،
تقول دعاء شامي، التي تدرس الجغرافيا في الجامعة اللبنانية، "من المهم أن نحصل على تعليم مجاني في لبنان. فمن حق الشباب أن يدرسوا". (الصورة: أوليفيا كوثبرت)

خسارة منحة دراسية

يوم السبت الماضي، صوت الأساتذة على مواصلة الإضراب. وكحال غيرها من الأساتذة غير المتفرغين في الجامعة، تتلقى سوزان كحالة، التي تقوم بتدريس علم النفس وعلم اجتماع الرياضي، راتبها كمبلغ مقطوع كل عامين ويتوجب عليها أن تكمل دخلها عن طريق التدريس في الجامعات الخاصة أيضًا.

قالت “في البداية، قال الناس إنه لا يمكنك القيام بذلك مع الطلاب، لكن عندما سمعوا بما نمر به، وأننا لا نتلقى رواتبنا كل شهر، شعروا بالتعاطف معنا”. من المفترض أن يتم منح الأساتذة غير المتفرغين عقودًا متفرغة كاملة مع المزايا والمعاشات التقاعدية بعد عامين، ولكن هذه التعيينات، في الواقع، غالباً ما تكون نتيجة لصلات سياسية. تقول كحالة، “لم يتم منح أي شخص عقدًا بدوام كامل منذ عام 2014، ما لم يكن لديهم واسطة [علاقات أو نفوذ سياسي].”

أيد حسن سلهب، الذي يدرّس التاريخ في الجامعة اللبنانية، الإضراب في البداية لكنه يعتقد أنه “لم يعد عملاً مقبولاً بعد.”

أمّا بالنسبة للطلاب، الذين ظلوا عالقين في منازلهم وهم يشاهدون تلاشي خطط عطلتهم الصيفية، فإن الإضراب استمر لفترة طويلة. قالت إيمان عثمان، الطالبة الجامعية في قسم الكيمياء، “بعد سنوات من هذا النظام التخريبي، فإننا الخاسرون دائمًا”. إذ كان من المفترض أن يكون هذا الفصل النهائي بالنسبة لها قبل أن تبدأ الدراسة لنيل درجة الماجستير في فرنسا، لكن مع تأجيل الامتحانات، ستفقد عثمان مقعدها ومنحة دراسية مكفولة بنسبة 50 في المئة.

قالت عثمان، التي ترغب في أن ينجح الأساتذة في مساعيهم، “نحن مستعدون للدفاع عن ميزانية جامعتنا، ولكن لا يُسمح لهم باستخدامنا كطلاب للحصول على هذه المطالب إلا إذا كان من شأن ذلك أن يمنع تكرار ذات الموقف عاماً بعد عام.” 




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام