هندسة السلام: تخصص جديد يشق طريقه إلى الشرق الأوسط

/ 05-05-2019

هندسة السلام: تخصص جديد يشق طريقه إلى الشرق الأوسط

الموصل – لم يتبق الكثير من المدينة القديمة هنا، ولم تكن الضواحي الأحدث في هذه المدينة الواقعة شمال العراق أفضل حالًا. الآن، وبعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، حان الوقت لتنظيف وإعادة بناء هذه الأحياء. لكن بعض المهندسين يقولون إنه لا ينبغي عليهم تكرار ما حدث في السابق بالضبط. وبدلاً من ذلك، ينبغي عليهم التفكير ملياً في الكيفية التي يمكن أن تساعد من خلالها تصاميمهم في تعزيز سلام دائم.

قالت ميرا أولسون، أحد مؤسسي برنامج هندسة السلام بجامعة دريكسل في فيلادلفيا، “تتمثل المهمة في تحسين الهدف الحالي للمهندسين لتصميم الأشياء بشكل أفضل بالنسبة للمجتمعات التي تشهد نزاعات أو الخارجة منها للتو. نريد من المهندسين أن يعرفوا المزيد عن كيفية استخدام تصاميمهم في سياق اجتماعي.”

هذا هو هدف قسم جديد نسبيًا معروف باسم “هندسة السلام” – إذ يسعى لمساعدة المهنيين في جميع مجالات الهندسة على التفكير في كيفية استخدام عملهم لتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي، وفهم كيف يمكن لبعض التصميمات أن تحد من ذلك. تقول أولسون، الأستاذة المشاركة في الهندسة المدنية والمعمارية والبيئية، إن المفتاح يتمثل في البدء في التفكير في هذا الأمر منذ بداية عملية التصميم.

شهادة في هندسة السلام

يُعتقد أن جامعة دريكسل هي أول جامعة في العالم تقدم درجة ماجستير في مجال هندسة السلام، لكن بعض الخبراء في العالم العربي مهتمون بالأمر بالفعل.

يقول طلال الشهابي، الأستاذ المشارك في قسم الإدارة الهندسية والتشييد في جامعة دمشق في سوريا، “عندما تبحث عن هندسة السلام في محرك البحث غوغل Google، فلن تجد إجابات كما هو الحال مع الهندسة الميكانيكية أو الكيميائية. فهي تعني أساسًا ممارسة الهندسة في مناطق النزاع مع إدراك كيفية تطبيقها على الهندسة في جهود بناء السلام.”

تعتقد أولسون بأن الطريقة التي يتم من خلالها تخطيط الطرق يمكن أن تكون مثالًا يوضح مزايا هندسة السلام.

قالت موضحة “تملي كيفية تصميم الطرق داخل مدينة الكيفية التي يمكن أن يتكشف أو لا يتكشف الصراع عنها. في ظل الدكتاتورية، على سبيل المثال، عادة ما تفضل الحكومة طرقًا فسيحة كبيرة مصممة للخروج السريع. كما تميل أيضًا إلى تقليل الطرق الأصغر، ومساحة الأرصفة والساحات حيث يمكن للناس مقابلة بعضهم البعض وتبادل الأفكار.”

بالإضافة إلى ذلك، يجب على المخططين النظر في ما إذا كانت شبكات الطرق تخدم جميع مناطق المدينة، بحسب أولسون. فإذا ما أهملت البنية التحتية للمدينة أحياء بأكملها، فمن المحتمل أن تلحق ضررًا بالتماسك الاجتماعي. تؤثر نقاط الضعف هذه في البنية التحتية للنقل على المدن العربية التي لا تشهد تعافيًا من النزاع. (اقرأ المقال ذو الصلة: باحثون عرب يعملون على حل مشاكل السكن العشوائي).

قالت أولسون “الأماكن التي لا تصلها طرق النقل، ستشهد عواقب ذلك.”

يقول بيرنارد أمادي، أستاذ الهندسة المدنية بجامعة كولورادو-بولدر ومؤسس المجموعة الإنسانية لمهندسون بلا حدود، إن مفهوم هندسة السلام لا يركز على البنية التحتية المادية فحسب. قال، “يتعلق الأمر أيضًا بتصميم التقنيات التي تعمل على تحسين سبل عيش الناس عمومًا في الأزمات والأوضاع الاعتيادية.”

ويضيف أمادي بأن تطوير هندسة السلام كمفهوم تعليمي أمر ضروري، لأن المهندسين يمتلكون الكثير من الإمكانيات في عملهم لتعزيز السلام – من خلال استعادة الخدمات المجتمعية، أو إعادة البناء، أو معالجة قضايا التنمية مثل الوصول إلى المياه من خلال بنية تحتية أكثر مرونة وعدلا، بشكل يجعل تكرار آثار النزاعات أمرًا غير مرجح.

وأضاف “مع ذلك، لا يعالج التعليم الهندسي الدور الذي يلعبه المهندسون في هذه الجهود، التي تعد حاسمة في حالات الأزمات.”

خطر الفوضى الحضرية

بغياب جهد مدروس ومنسق لإعادة بناء المدينة وبنيتها التحتية، غالبًا ما يأخذ السكان على عاتقهم بناء أحياء جديدة غير رسمية. يمكن أن تتوافر هذه الأحياء على مجموعة من اهتمامات الصحة والسلامة ويمكن أن تجعل من الصعب على الحكومات والمنظمات غير الحكومية تحقيق مدينة مصممة بشكل أفضل من أجل السلام. (اقرأ المقال ذو الصلة: مدينة عراقية تعرض نموذجًا للتخطيط الحضري الشعبي).

يأمل برنامج الماجستير في هندسة السلام في دريكسل في تغيير ذلك. يستغرق البرنامج سنتين ويعمل حاليًا على استقطاب أول دفعة كاملة من خريجي الهندسة للتسجيل في أيلول/ سبتمبر القادم. يركز جزء من المنهج على نظرية بناء السلام وكيف يتقاطع ذلك مع الهندسة.

قالت أولسون “إنك تدرك بسرعة بأن المهندس ليس الوحيد في كونه جزء من العملية. يحتاج المهندس إلى التعاون مع الآخرين.”

وأضافت “لا تتوقع أن يقوم المهندس بتخطيط المدينة بأكملها. لذلك، نعمل أيضًا على تعليم مهارات التواصل حتى يتمكنوا من إجراء محادثات مع الأشخاص المناسبين لأخذ تصاميمهم على محمل الجد. فقد تحتاج لإقناع الحكومات، على سبيل المثال.”

كما سيتعلم الطلاب أيضًا كيفية تحليل البيانات وكيفية اختيار مجال للتخصص، مثل شبكات الصرف الصحي للمياه أو شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية.

يقول المشاركون في تطوير هندسة السلام كمجال من مجالات الخبرة، مثل أولسون في جامعة دريكسل، بأن من المهم ألا ينظر إليهم على أنهم غربيون يهبطون بالمظلات حاملين إجابات لأسئلة لم يطرحها أحد.

قالت “نعمل على بناء شراكات على الأرض. وهو أمر لا يمكننا القيام به بمفردنا”.

وبالعودة إلى دمشق، يتفق الشهابي مع ذلك.

قال “يدرك زملائي في الولايات المتحدة تمامًا حقيقة أنهم يدرسون من بعيد، ولكنهم يريدون ويحتاجون إلى مُدخلات من أجزاء أقل سلمًا في العالم، كمكان تواجدي في سوريا. إنهم لا يرسلون إنجازاتهم فحسب إلى الشرق الأوسط. إنه تدفق ثنائي الاتجاه للمعلومات والخبرات.”

يحاول الشهابي حاليًا تنفيذ أجزاء مما تفعله جامعة دريكسل في جامعة دمشق، على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تكون هناك درجة ماجستير منفصلة تمامًا. لكنه يأمل في أن يتم تضمين هذا المفهوم في البرامج الهندسية الموجودة في الجامعة بالفعل.

قال “لا يتعين علينا انتظار تطوير هذا الأمر بالكامل في الولايات المتحدة قبل القيام بتنفيذه هنا. هناك حاجة ملحة لذلك في هذه المنطقة.”

وبالتجول في أرجاء الموصل، سيكون من الصعب على المرء أن يتجادل معه بهذا الصدد.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام