قادر عطية: يحاكي التاريخ الاستعماري وآثاره النفسية

/ 03-05-2019

قادر عطية: يحاكي التاريخ الاستعماري وآثاره النفسية

يُظهر الملصق ذي اللون الأصفر الفاتح الذي يمثل معرض “متحف العاطفة” المُقام لإسترجاع أعمال الفنان قادر عطية في هايوارد غاليري في مركز ساوث بانك بلندن تلميحًا سخيفًا، إذ تبرز الصورة فهدًا محنطًا يطل على المشاهد بفضول، وقد وضِع بجوار قناع خشبي منقوش بشكل بدائي.

يحمل الملصق إشارة دقيقة إلى عادة المستعمرين في جمع عينات من الحياة البرية ومقتنيات من مختلف الثقافات، بما في ذلك الملابس، والأدوات الدينية، والأدوات المنزلية لوضعها في متاحف الإثنوغرافيا. يسخر الملصق، والنحت الذي يشير إليه، من التاريخ الممتد للقوى الاستعمارية التي عرضت ذات مرة الثقافات الأجنبية باعتبارها عناصر مثيرة للفضول وليست أشياء ذات أهمية دينية وثقافية.

بدأ عطية، المولود في فرنسا والذي يعتبر كلاً من الجزائر وبرلين الآن وطنًا له، مساحة فنية في باريس عام 2016 ركزت على “إنهاء الاستعمار ليس على الشعوب فحسب، وإنما على المعرفة والمواقف والممارسات أيضًا”. وقد حصل عمله، الذي يركز أيضًا على إصلاح الأضرار الثقافية والنفسية للتاريخ الاستعماري في الواقع، على أرفع جائزة فنية فرنسية، جائزة مارسيل دوشامب Prix Marcel Duchamp، في عام 2016.

يعتقد عطية أن آلاف القطع الموجودة في المتاحف اليوم قد تم اخراجها من سياقها بوحشية مّما جعلها مجردة من أيّ معنى، حيث يجعل جلال الفهد من وضع القناع الخشبي معه أمرًا ساذجًا. تعكس هذه القطعة الأفعال السطحية بصريًا وفكريًا المتمثلة في وضع حيوانات محنطة وأقنعة، دون أي سياق، في متاحف الإثنوغرافيا. إذ يتساءل عطية: ما هي الفائدة أو المعرفة المكتسبة من وراء ذلك؟

تجربة شخصية مع التاريخ الاستعماري

ولد عطية عام 1970 لأبوين جزائريين، وكان يمضي الأجازات الصيفية في العاصمة الجزائر وجبال أوراس. وكان قد ذكر في كتيب المعرض أن السفر والتنقل المستمرين هما اللذان ساهما في تشكيل حساسيته تجاه الفجوات “المادية والجغرافية والفكرية” بين الأماكن التي زارها وعاش فيها بانتظام.

يُبرز متحف العاطفة العديد من هذه الموضوعات من خلال إعادة تقييم التمثيل الرديء للأقليات والأجانب في متاحف الإثنوغرافيا وقانون تاريخ الفن الغربي حيث يتم تصنيف الأشياء علمياً ووضعها في خزائن زجاجية. كمثال على ذلك، هناك الأقنعة القبلية الإفريقية التي جمعتها القوات الاستعمارية الفرنسية والمعروضة في متاحف باريس ليس بصفتها فنًا بل مجرد أشياء، وبذلك تكون نظرة عطية المراجعة للأمر بمثابة إصلاح لهذا التاريخ المخجل. وبمزيج من الطرافة والعبقرية، وضع الفنان طبقات من التصريحات فوق بعضها البعض في عمله. حيث كانت مثل هذه الأقنعة الإفريقية، التي كانت تهدف في السابق لعرض الطبيعة “البدائية” للسكان الأصليين، الدافع الذي حرّك بيكاسو إلى إعادة النظر في فن التصوير واقتراح أسلوب الرسم التكعيبي، مما أحدث ثورة في الفن.

قادر عطية: متحف العاطفة. (الصورة: هايوارد غاليري، لندن).
قادر عطية: متحف العاطفة. (الصورة: هايوارد غاليري، لندن).

في معرض هايوارد، سلطت الغرف السبع الضوء على مواضيع رئيسية مختلفة من أعماله. إذ ضمّت أحداها مقطع فيديو حديث بعنوان برج روبسبيرLa Tour Robespierre . يوثق الفيديو تفاهة مشروعات الإسكان التي بنيت على مشارف باريس لإيواء مجتمعات المهاجرين في منطقة بانليو banlieues. نشأ عطية في واحدة من تلك المناطق، ويتحدث الفيديو عن تهميش مجتمعات المهاجرين والشعور الملازم بالمراقبة والسيطرة التي تخلقها هذه المجتمعات على سكانها. وبينما تتحرك الكاميرا من أسفل كتلة البرج إلى أعلى السطح، تهمس الشرفات التي تغصّ بالأشياء وحبال الغسيل بالخراب العاطفي للسكان. ليس هناك أي شعور بالحياة النابضة أو اللون هنا، وحده السكون يخيم على المشهد.

تشير سلسلة عطية للتصوير الفوتوغرافي بعنوان “مهبط الطائرات The Landing Strip”، حول المومسات الجزائريات المتحولات جنسيًا، إلى طريقة وصولهن إلى فرنسا ولقب الشارع الذي يعملن فيه ليلاً. وتقدم المعارض أشياء صغيرة من الحياة اليومية: شخصية ترتدي زي رقص أخضر وهي تخطو بسعادة مع فواتير بارزة من خصرها؛ وملكات مخدرات في تسريحات منتفخة ينفخن شموع موضوعة على كعكة عيد ميلاد؛ وشخصية تحدق في ثلاجة فارغة وهي تفكر في ما ستقوم بطهيه. تظهر هذه الموضوعات بشرًا يختبرون الطيف الكامل للحياة. من خلال ذلك، يوضح الفنان في كتالوج المعرض استعادته لشخصية الشخصيات المهمشة في المجتمع عن طريق التقاط عواطف الأشخاص، على أمل بدء عملية التشافي الاجتماعي من خلالها.

التصنيف كوسيلة تحكم

يؤكد عمل عطية على أهمية إعادة القطع الأثرية المسروقة إلى بلدانها الأم، وهو وعد قطعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكنه ثبت بأنه أمرٌ صعب بسبب المسائل القانونية التي يثيرها. يقول عطية إن هاجس تصنيف الثقافات الأخرى يعكس الرغبة في السيطرة. إذ يمكن العثور على الفهد الموضوع على ملصق المعرض في غرفة مخصصة لموضوع الدافع المُتحفي للغرب.

يتساهل عطية مع هذه المتاحف الإثنوغرافية التي أقيمت ذات مرة لإظهار أنواع مختلفة من النباتات والحشرات والحيوانات وفق ترتيب متحذلق. إذ تقف المعروضات في صندوق زجاجي يحمل أيضًا صورة صغيرة لعالم يبتسم أثناء حمل شبل فهد يصارع ليحرّر نفسه – وهو عبارة عن تداخل يجيب على سؤال عطية السابق حول ما تم اكتسابه: ليست هناك أي جدوى. وبذلك يصبح الحطام الثقافي وسخافة البيئة أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

قادر عطية: متحف العاطفة. (الصورة: هايوارد غاليري، لندن).
قادر عطية: متحف العاطفة. (الصورة: هايوارد غاليري، لندن).

يتطلب العمل المعنون “إصلاح من الغرب إلى ثقافات شديد التغريب” (2012) لدراسة جادة. إذ يشبه العمل، الذي يشغل مساحة معرض كامل، مخزن متحف حيث يتم ترتيب مئات الأشياء المؤلفة من الكتب القديمة والصحف والأشياء التعبدية والصور الفوتوغرافية القديمة والأقنعة الأفريقية بجانب منحوتات لجنود من الحرب العالمية الأولى بوجوه مشوهة. نفذت المنحوتات بطلب من الفنان من قبل حرفيين في كارارا بإيطاليا. وبجوارهم ينتصب تمثال نصفي خشبي صممه حرفيون في السنغال في غرب إفريقيا ليصوّر مجموعة عرقية إفريقية في إفريقيا تشتهر بإجراء تحويرات في الجسد مثل ندبات الوجه.

بربط المفاهيم الغربية للإصلاح (الجنود المرقعون والمُخاطون بشكل بارز) مع الندوب المتعمدة للأفارقة، يعرض التركيب مواقف مختلفة حول إصلاح الشكل البشري. فإلى جانب فكرة هوس الغرب بالإصلاح البدني للأشياء المهشمة والجسد البشري، يسلط عطية الضوء على الأدلة المكتسبة بشكل طبيعي من التجارب الإنسانية، ويقترح مرة أخرى فكرة أن الشفاء من الصدمة النفسية يمكن أن يحدث من خلال تصوير التجارب البشرية.

يواصل الفنان استكشاف الصدمة في عمله “حدود متحولة” (2018)، التي تناقش الصدمة الاجتماعية الجماعية للنزاع الأهلي في جنوب شرق آسيا، مع التركيز على الاحتجاجات الطلابية في كوريا الجنوبية في عام 1989. تتألف السلسلة من ثلاثة مقاطع فيديو لأكاديميين يناقشون الصدمات النفسية والاجتماعية للمشاركين في الاحتجاج وكيف عالجهم علماء النفس. وبجوار الشاشات توجد تماثيل لأطراف صناعية مرتبة في مكان قريب. وتمثل الأطراف الوهمية تذكير غريب للندبات غير الملموسة التي خلفها الصراع. يشبه ظل الطرف المبتور القناع الأفريقي الذي تم التقاطه بعيدًا عن موطنه الأصلي: إذ يمكننا رؤية الصدمة وما هو غير مرئي على حدٍ سواء. يمكن اعتبار فن قادر عطية بمثابة خطوة أولى نحو علاج مثل هذه الصدمات.

قادر عطية: يستمر عرض “متحف العاطفة” في هايوارد غاليري، في مركز ساوث بانك حتى السادس من أيار/ مايو 2019 في لندن، إنجلترا.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام