فقدان الشهية في الشرق الأوسط مشكلة منسيّة

/ 16-04-2019

فقدان الشهية في الشرق الأوسط مشكلة منسيّة

أبو ظبي – يقول الباحثون إن الشرق الأوسط يعاني من مشكلة فقدان الشهية وهو ما يتم تجاهله إلى حدٍ كبير.

قالت ميليسا رزق، أخصائية اضطرابات الأكل التي تدير عيادة في بيروت، “اعتدنا التفكير في الأمر باعتباره مرضاً يصيب فتاة بيضاء غنية، لكن هذا لم يعد صحيحًا. يمكن أن يصيب المرض الناس من جميع الفئات الاجتماعية والاقتصادية، والأجناس والأعراق، لكن الوعي بذلك منخفض.”

تعتبر البيانات عن انتشار مرض فقدان الشهية على المستوى الإقليمي – وهو اضطراب في الأكل وحالة خطرة في الصحة العقلية يعتقد المصابون بها في كثير من الأحيان أنهم يعانون من البدانة حتى عندما يكونون يعانون من نقص شديد في الوزن – بعيدة عن الاكتمال. لكن الأرقام الموجودة تشير إلى أن المشكلة قد تكون أسوأ بكثير من المعدلات التي رأيناها في أوروبا وأميركا الشمالية.

يبحث جاستن توماس، أستاذ علم النفس بجامعة زايد في أبو ظبي، في اضطرابات الأكل وتصورات صورة الجسد لدى النساء الإماراتيات. في دراساته الأخيرة، طلب من الطالبات في جامعته القيام بملء استبيانات – وهي ذات الاستبيانات التي يستخدمها أخصائيو الصحة العامة لتحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة باضطراب الأكل مثل فقدان الشهية أو الشره المرضي. وقد بيّنت نتائجه أن ما بين 24 و30 في المئة من المشاركات يقعن ضمن هذه الفئة.

تعتبر هذه النسبة أعلى من العديد من النسب التي تم رصدها بين السكان في الغرب. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، خلصت دراسة حديثة إلى أن 6.4 في المئة من البالغين أظهروا علامات على اضطراب الأكل. مع ذلك، فإن هذه الإحصائية تأخذ الرجال في الاعتبار، في حين أن دراسات توماس ركزت على النساء الشابات، اللائي من المرجح أن يعانين من اضطرابات الأكل.

قال توماس محذراً “مع ذلك، أنا لا أحبذ المقارنات المباشرة بين الشعوب. تقوم هذه الدراسات بشكل عام على مجموعات سكانية مختلفة، وقد تكون الاختلافات مرتبطة بالعمر أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية.”

الحاجة للمزيد من البيانات

في لبنان، تبدو الصورة أقل وضوحاً. قالت كارين الخازن، أخصائية علم النفس السريري ونائبة رئيس جمعية اضطرابات الأكل في الشرق الأوسط، في بيروت، “ليست لدينا أرقام عن المشكلة بعد، لكن من المحتمل أن تكون مماثلة لبقية أنحاء الشرق الأوسط.”

لهذا السبب تحتاج المنطقة لإجراء المزيد من الأبحاث مثل تلك التي أجراها توماس، بحسب رزق.

قالت “دائما ما يبدأ أي مشروع للصحة العامة بالدراسات والأرقام. إذا كنت ترغب في زيادة الوعي، فعلينا إجراء مثل هذه الدراسات. عندما تُظهر للناس أنها مشكلة حقيقية، عندها ستبدأ الأمور في التغيير.”

يعتقد توماس إن العالم العربي يستيقظ ببطء من خطر ارتفاع معدلات السمنة، لكنه يتخلف كثيرًا بخصوص الوعي بمشكلة فقدان الشهية (اقرأ التقرير ذو الصلة: اختلاف الأمراض المسببة للوفاة في المنطقة العربية.)

قال “لكن هذا هو الجانب الآخر لذات العملة. يمكن أن تكون السمنة مشكلة أيضًا في الصحة العقلية، وهناك أسباب متداخلة.”

قد يكون من الصعب تحديد السبب الدقيق لإصابة شخص باضطراب في الأكل، لكن الخبراء يتفقون على أن الثقافة تلعب دورًا مهمًا في ذلك.

في العالم العربي وخاصة في لبنان، لدينا تقديس للمظهر. تقول رزق إن الملابس التي ترتديها والسيارة التي تقودها وشكل جسمك جميعها أمور مهمة بشكل كبير.

وتضيف بأن جزءًا من هذا يفسر سبب احتمالية إصابة النساء باضطرابات الأكل أكثر من الرجال. قالت “لدينا ثقافة يكون فيها من المناسب بالنسبة للرجال أن تظهر عليهم علامات زيادة الوزن قليلاً ولكن ذلك غير مقبول بالنسبة للنساء. ومع ذلك، أعتقد أيضًا بأن الرجال يعانون من نقص في التشخيص لأنهم يخافون من أن يظهر بأنهم مصابون بمرض يخص النساء.”

عدد قليل من المعالجين

قالت الخازن “المشكلة تزداد سوءًا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الأطباء والعاملين في مجال الصحة العقلية بشكل عام أصبحوا مجهزين بشكل أفضل لتشخيص المرض، وليس لعلاجه”.

يتفق آخرون مع ذلك.

قالت رزق “نحن في غاية السوء فيما يخص تطوير علاجٍ ما هنا. يمكنك أن تعدّ الأشخاص الذين تم تدريبهم بشكل خاص للتعامل مع اضطرابات الأكل في لبنان على أصابع اليد الواحدة وأراهن أنه ليس هناك أكثر من 200 شخص في الشرق الأوسط بأكمله.”

يعتبر الشفاء من هذا المرض عملية طويلة الأمد؛ حيث يستغرق الأمر سنوات ويتطلب المساعدة من أخصائيي التغذية والأطباء النفسيين وأخصائيي الهرمونات في بعض الأحيان. قالت “نحن نتحدث عن سبع سنوات كوقت للعودة بالمريض لحالة انعدام وجود مشاكل مع الطعام أو صورة الجسد.”

يعد الإطار الزمني الطويل والتنسيق بين المتخصصين المطلوبَين أحد أسباب ضعف العلاج. بالنسبة للمبتدئين، تحتاج إلى تأمين جيد وحتى بالنسبة لأولئك الذين ينتظرون في كثير من الأحيان لوقتٍ طويل قبل أن يطلبوا المساعدة، بحسب نادين زيني، أستاذ التغذية في الجامعة اللبنانية الأميركية.

في دراسة أجريت عام 2015، أجرت زيني مناقشات جماعية مركزة مع أخصائيين في الصحة يعالجون مرضى يعانون من اضطرابات الأكل.

قالت “اتصلت بعدد من الأطباء النفسيين وأخصائيي التغذية للحصول على فكرة عن الأشخاص الذين يبحثون عن المساعدة. كان هناك شعور عام بين الذين قابلتهم بأن مرضاهم غالباً ما ينتظرون حتى تتطور الحالة بشكل بالغ قبل طلب المساعدة.”

وأضافت “يجعل ذلك من العلاج أكثر صعوبة ويرجّح لدي أيضًا إلى أن الكثير من الناس لا يسعون للحصول على المساعدة على الإطلاق.”

وبينما يقول الباحثون إن هناك بلا شك ثغرات في علاج اضطرابات الأكل في العالم العربي، إلا أن طالبة الكيمياء في جامعة الشرقية في عُمان تريد المساعدة لسد هذه الفجوة. إذ تحاول زينب البلوشي عمل رقعة في الجلد لتوصيل المواد الغذائية التي تشتد الحاجة إليها للمرضى الذين يعانون من أشد مراحل المرض.

أجرت البلوشي بالفعل تجارب لنموذجها الأولي على جلد الفئران ووجدت أن فيتامين (د) و (هـ) وحمض الفوليك قد تم امتصاصهم بنجاح. قالت “هذا النوع من العلاج ضروري لأن العديد من المصابين بفقدان الشهية يواجهون سوء تغذية خطير لكنهم يواصلون تجنب تناول الطعام. نأمل في نهاية المطاف أن يتم استخدامه من قبل العيادات الخارجية ولكننا في انتظار الموافقة على إجراء التجارب السريرية على البشر.”

بينما يرحب الخبراء بمزيد من الحلول المبتكرة من هذا القبيل، فإن في الإمكان علاج مرض فقدان الشهية واضطرابات الأكل الأخرى، في نهاية المطاف، من خلال بروتوكولات علاج راسخة ومتعددة التخصصات. إن ما نحتاجه حقًا في العالم العربي، كما يقولون، هو محرك لزيادة الوعي وتقديم تلك العلاجات بطريقة منسقة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام