لقاء غير متوقع مع مصور موصلي

/ 14-02-2019

لقاء غير متوقع مع مصور موصلي

سألتُه، “منذ متى وأنت تعيش في الموصل؟”.

“قضيتُ كل حياتي هنا.”

“لهذا، كنت هناك من أجل … كل شيء؟”

“كل شىء.”

تحكي صور علي يوسف البارودي قصةً حاول الدمار محوها، فهو يسعى من خلال أعماله لإستعادة التاريخ وحفظه. يصور البارودي بأمانة مدينته الموصل في ما يُطلِق عليه اسم “Mosulography” – وهي محاولة لتوثيق ويلات الأحداث الأخيرة التي مرت بها المدينة، فضلاً عن روعة وخلود مكان يُعرف بأنه مهد الحضارة. رخام الموصل الشهير، والأقواس الأنيقة التي صمدت أمام الصواريخ حتى لو كانت ضمن مبانٍ متفحمة، وهياكل المباني المنهارة في الجوار؛ والقبة الخضراء بلون اليشم للمسجد النوري حيث تم إعلان الخلافة قبل أربع سنوات بقليل. أطفال على دراجاتهم الهوائية يجتازون الجسر القديم؛ وحفلة موسيقية أمام المبنى ذاته الذي استخدمه داعش لإلقاء المحكوم عليهم من قبله، إنه مهرجان بالمعنى الحرفي للكلمة – تمثل هذه الصور علامات الحياة والتحمل التي يظهرها من بين موضوعاته الأخرى.

قال أمين الجليلي، المحاضر في جامعة الموصل وزميل البارودي، “لدى علي عين ثالثة – عدسة كاميرته. إنه يرى ما لا يراه الآخرون.”

بخلاف مصوري الحرب الذين يأتون ويذهبون إلى الشرق الأوسط، والذين يصوّرون في العادة لحظات الصراع الشديد فقط، فإن البارودي مواطن مصور درس التصوير ذاتيًا بالكامل ولديه جذور راسخة في مكان ميلاده، كما أثبت ملاءمة منذ أول لقاءاته مع التصوير الفوتوغرافي.

قال “أتذكر عندما كنت أسير في مجمع القصور الرئاسية لصدام عام 1999 وقرأت يافطة مكتوبٌ عليها “ممنوع التصوير”. وبعد سنوات عديدة، وبعد الغزو [الأميركي]، قابلت مصورًا وسألته عما إذا كان باستطاعتي النظر من خلال عدسة كاميرته. وعندما حصلت على أول كاميرا، تدفقت كل تلك الذكريات عائدة إليّ.”

كان التصوير الفوتوغرافي في ظل داعش ممنوعًا بشكل صارم، على الرغم من أن المجموعة نفسها كانت تشتهر بتصوير فظائعها بطراز هوليوودي عالي الجودة.

قال الجليلي “كان من الخطر أن تحمل الكاميرا حتى، ناهيك عن استخدامها. فقد العديد من الأشخاص حياتهم بسبب القيام بذلك.”

يمتلك البارودي القليل من الصور من تلك الفترة. وتبرز واحدة من بينها على وجه الخصوص، إنها صورة تجمعه بابن أخيه الصغير، قام بمشاركتما مؤخرًا لكنها ألتقطت بتاريخ 7 كانون الثاني/ يناير 2017، قبل ستة أشهر من التحرير. يظهر البارودي فيها بدون أن يحلق ذقنه، وهو تذكير مرئي صارخ على مدى إصرار داعش على التحكم في أدق تفاصيل حياة من كانوا خاضعين لحكم التنظيم. كما تظهر منشورات أخرى مشابهة تفاصيل حياته بشكل رجعي في ظل المجموعة الإرهابية. يروي البارودي تجارب مروعة لمواجهة الموت عن قرب، وهو يرافق شقيقه المصاب إلى المستشفى، والركض وسط وابل من الرصاص، والأيام التي كان فيها الحصول على المياه النظيفة والطعام أمرًا غير مؤكد. لكن منشوراته تتضمن جدولاً زمنيًا يشع بالأمل.

يصف الجليلي مراحل عمل زميله، من الرمزية المتجسدة في صوره في ظل داعش إلى المرحلة الحالية للبارودي في تصوير الشوارع وتوثيقها.

في عملٍ سابق للبارودي، قال الجليلي “التقط صورًا للطيور المهاجرة كرمز للنزوح الجماعي للمسيحيين من الموصل. فيما مثلت الغربان السوداء تنظيم داعش، وكانت الأوراق المتساقطة أو الأشجار الميتة تجسيدا لموت المدينة.”

وبينما يمكن لمشاعر الحنين إلى الماضي أن تلقي التاريخ في ظلال وردية وغير واقعية، إلا أن البارودي يصر على أن ماضي الموصل كان مثالاً يحتذى به للتعايش، وأن هذا الماضي مصدر إلهام للمستقبل. اشتهرت المدينة بالتنوع، بحسب البارودي – حيث كانت فسيفساء من الأديان والأعراق، اختلافات تم استغلالها في وقت لاحق وتم تضخيمها من قبل الديكتاتورية، وتغيير النظام، ومختلف المجموعات الانتهازية التي صعدت لملء الفراغ.

قال “كانت المدينة القديمة بمثابة بوتقة انصهار. هناك تزاوج السُنة والشيعة وتجاورت الكنائس والكُنُس اليهودية والمساجد جنبًا إلى جنب.”

وبإستثناء زيارتين قصيرتين إلى الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، عاش البارودي كل حياته في الموصل. يعيش البارودي مع أسرته ويُدرّس اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعة الموصل، بعد حصوله على درجات البكالوريوس والماجستير في الترجمة. كانت أطروحة الماجستير الخاصة به عن دور المناظرات المتلفزة في العالم العربي.

اشتق اسم عائلة البارودي من تجارة البارود التي كان أسلافه يعملون فيها. وهو يتكلم بشغف عن المدينة القديمة، الواقعة غرب نهر دجلة، والتي أصابها الضرر الأكبر خلال معركة تحريرها، في ما يوصف بأنه أشد قتال حضري منذ الحرب العالمية الثانية. سألته إذا ما كان قد فكر في الانتقال، فوجدته يجيب على هذا السؤال بشكل غير مباشر على فترات منفصلة أثناء محادثتنا، مدرجًا كلاً من الأسباب الدافعة للإنتقال والأخرى الموجبة للبقاء. تلقى البارودي تهديدات من متعاطفين محتملين مع تنظيم داعش، والذين اتهموه بالعمل لصالح الحكومة الأميركية.

قال “أعتبر الأمر مسؤولية أخلاقية لإظهار مدينتي للعالم من خلال التصوير الفوتوغرافي، لكنهم يتهمونني بخدمة مصالح التحالف!”

في لقطات قام بمشاركتها معي، أهان أحد مستخدمي تويتر، من مجهولي الهوية، البارودي واصفًا إياه بالعبد للقوى الأجنبية واستخدم لغة مهينة وعلامة مميزة بالعربية ترمز لتنظيم داعش. لكنه يقول بإنه يرفض العيش في ظل الخوف.

قال “في ظل داعش، كنا نموت ألف مرة في اليوم. لن يتمكنوا من دفننا.”

في الواقع، وحتى قبل وصول داعش، لم يكن البارودي أبدًا من أولئك الأشخاص الخاضعين للسيطرة، ولا حتى لإملاءات صدام حسين. عندما ارتدى المدرسون والطلاب على حد سواء، في نهاية اليوم الدراسي، الزي العسكري بهدف التدريب على السلاح كجزء من الإعداد لجيش القدس التابع لصدام، كان البارودي يقفز من فوق حائط المدرسة متجنبًا الروتين.

أخبرني البارودي أن التلفاز في المنزل الذي نشأ فيه كان يستقبل قناتين فقط – وكلاهما تُداران من قبل الدولة. وفي الأيام التي التقطت فيها هوائياتهم الإذاعات السورية المجاورة، كان يشاهد الأفلام الأميركية القديمة. في حينها، كانت التحريفات الدعائية للفظائع التي يرتكبها النظام السابق تُعرض لمشاهدي التلفزيون. بحسب ذلك، إذا ما أهلك الجيش العراقي حلبجة عام 1989 في هجومٍ بالأسلحة الكيماوية سيئة الصيت والذي أسفر عن مقتل آلاف المدنيين الأكراد، فذلك لأن تلك المدينة الكردية قامت بإدخال الجنود الإيرانيين. وإذا قام النظام في التسعينيات بتجفيف الأهوار في الجنوب لإجبار الشيعة على المغادرة، فإنها خطوة في إطار الإصلاح الزراعي.

أخبرني البارودي أنه أدرك الدوافع الحقيقية لتلك الإبادات الجماعية في وقتٍ لاحق. وبعد رؤيته لمثل تلك المآسي التي تمت التغطية عليها من خلال العلاقات العامة الدكتاتورية، ينظر نشطاء الموصل الآن إلى تاريخها الحديث المظلم بدافعٍ كبير لتوثيقه بتفصيل أكبر، سواء من خلال الكتابة أو الصور الفوتوغرافية. لكن القيام بذلك، لا يزال خطرًا. ففي كانون الثاني/ يناير، أصدر محافظ نينوى أمرًا بحظر التصوير الفوتوغرافي وتسجيل مقاطع الفيديو في مدينة الموصل القديمة، وقد تم اعتقال الصحافيين لخرقهم الأمر منذ ذلك الحين، بما في ذلك طاقم كان يقوم بإجراء تحقيق صحفي عن إعادة افتتاح المحلات التجارية في البلدة القديمة. (احتج الصحافيون المحليون على الأمر).

وفي ختام حديثنا، عاد البارودي إلى سؤالي السابق: هل فكرت في الانتقال إلى مكان آخر؟ ليعترف لي بأن الحياة في الموصل تكاد لا تطاق. لا تزال المدينة تحت الأنقاض، التي يقوم الأطفال بجمعها في محاولة لإنقاذ المواد التي يمكنهم بيعها. ما زال الآلاف من الناس في عداد المفقودين. ويبدو الطريق إلى التعافي طويل ومحفوف بالصعوبات. أفكر في ألمانيا واليابان، كأمثلة على طموحات إعادة الإعمار بعد الحرب والتي لم تتحقق فحسب، بل تجاوزت الأمر بكثير. يصرّ البارودي على البقاء متفائلاً – كإستعراض للشجاعة والمقاومة، وكل الأمور المعتبرة.

*سارة ميلز كاتبة ومحررة مستقلة تنشر مع وسائل إعلامية مختلفة، بما في ذلك “مشروع الثقافة”، وهي مجلة  كردية تصدر باللغة الإنجليزية.

*ساهم جلجامش نبيل، صحافي ومترجم عراقي، في إعداد هذا المقال.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام