لغات سلطنة عُمان القديمة مهددة بالإنقراض

/ 21-02-2019

لغات سلطنة عُمان القديمة مهددة بالإنقراض

لطالما أعتقدتُ بأن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في شبه الجزيرة العربية. ومن دراستي للغة العربية، تعرفت على الكيفية التي قام قدماء النحاة من خلالها ببناء قواعد اللغة العربية القياسية اعتمادًا على كلام عرب الصحراء. كنت أعتقد أن لغة القرآن والأدب العربي الكلاسيكي الابنة الوحيدة للعائلة: كنت أعرف عن وجود أسلاف لتلك اللغة، لكنني لم أكن أعلم أن لديها أقارب على قيد الحياة.

عرفتُ أن القصة لم تكن بهذه البساطة بعد عدة سنوات في سلطنة عُمان، عندما سافرت من مسقط إلى محافظة ظفار في جنوب السلطنة، وهي منطقة تبعد عن العاصمة بحدود 1,000 كيلومتر من الأراضي المنبسطة الخالية من أية ملامح. هناك التقيت بشاب أخبرني أنه يتحدث بلغة محلية غير العربية. وعندما طلبت منه معرفة المزيد، كان مضطرًا، ولدهشتي، للتحدث بعينة من لغة اسمها الشحرية، وهي لغة نادرة يتحدث بها بضعة آلاف من الناس في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية. لم يبدُ عليها أي شبه  باللغة العربية. بدا مسرورًا بمفاجأتي، وفخورًا بقدراته.

فكرتُ في ذلك عندما قرأت عن بدء اليونسكو، المنظمة الثقافية التابعة للأمم المتحدة، لمشروع أطلق عليه اسم “السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية“، بهدف زيادة الوعي باللغات التي تواجه خطر الاختفاء وحمايتها بوصفها ذخائر ثقافية وتعزيز دراستها.

بحسب مشروع اللغات المهددة بالانقراض، الذي أسسته الجمعية العالمية للغويين، هناك ما يقرب من 7,000 لغة في العالم، و40  في المئة من هذه اللغات تواجه خطر الانقراض بدرجات متفاوتة. تقدر منظمة اليونسكو أن هناك حوالي 2,680 لغة تواجه خطر الاختفاء، الأمر الذي سيؤدي إلى فقدان العدالة الثقافية في التاريخ والمعرفة المحلية.

يمكننا بسهولة ذكر اللغات الرئيسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن أسماء اللغات الأصغر، التي تمثل الخيوط الأرفع في النسيج اللغوي في المنطقة، مثل: لهجات اللغة الأمازيغية (البربرية) والكردية والآرامية والأرمنية والشركسية والمندائية، على سبيل المثال لا الحصر.

يعمل عدد قليل من العلماء في جميع أنحاء العالم على منع اختفاء هذه اللغات دون تسجيلها وتوثيقها ودراستها دراستها على الأقل، إما من خلال فقه اللغة التقليدية أو اللغويات الحديثة.

تعتبر الشحرية، والمعروفة أيضاً باسم الجبالي، لغة التخاطب الرئيسية تقريباً في منطقة نائية من محافظة ظفار، وهي واحدة من عدد من اللغات ذات الصلة التي يُتحدث بها في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية والتي تختلف عن العربية، وتعتبر غير مفهومة في معظمها للمتحدثين بلغة الأغلبية.

يحدد الأطلس التفاعلي للغات العالم المهددة بالانقراض التابع لمنظمة اليونسكو اللغة الشحرية بإعتبارها واحدة من ثماني لغات في هذه المجموعة. وتشمل اللغات الأخرى: الباثارية والحرسوسية ولغة هوبيوت والخوجكية والكمزارية والمهرية والزدجالية. ليست هناك فكرة واضحة عن عدد الأشخاص الذين يتكلمون هذه اللغات، حيث إن عُمان، مثل العديد من البلدان في المنطقة العربية، لم تجر أي إحصاء، لكن الخبراء يقدرون العدد الإجمالي للمتحدثين بهذه اللغات بعشرات الآلاف. ويعتقد أن واحدة من هذه اللغات – الباثارية – لا يتحدث بها سوى 11 شخص.

في مجموعها، تعرف هذه اللغات باسم “اللغات العربية الجنوبية الحديثة”. يوضح آرون روبين، أستاذ اللسانيات في جامعة ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة ومؤلف كتاب قواعد اللغة الشحرية، أن اللغات الحديثة في جنوب شبه الجزيرة العربية فرع من مجموعة اللغات السامية التي تشمل العربية والعبرية.

قال روبين في مقابلة “إذا نظرت إلى اللغات السامية كشجرة عائلية، فسترى أن اللغات الحديثة في جنوب شبه الجزيرة العربية قد ابتعدت عن بقية اللغات السامية منذ زمن بعيد. من ناحية التركيب، تمتاز لغة الجبالي بتشابهات مباشرة مع اللغات السامية الأخرى، لكن المفردات مختلفة جداً.”

تمثل مفردات اللغة الشحرية معرفة وخبرات الناس الذين يعيشون في المناطق الطبيعية الجافة والصخرية والذين يعتمدون في رزقهم على تربية الأبقار والماعز والإبل، ولا سيما الإبل. ففي التسجيل المرفق هنا، على سبيل المثال، يصف أحد المتحدثين بلغة الشحرية المهارات التقليدية لاقتفاء مسار آثار أقدام الحيوانات.

ربما يكون تطوّر لغة الشحرية كلغة منفصلة نتيجة للعزلة النسبية للمنطقة الجغرافية التي تتحدث بها: فهي منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة، ومن دون طرق وسط الجبال، وتقع بعيدة عن الساحل حيث يعيش معظم العمانيين. في أوائل السبعينيات، وبينما كان السلطان قابوس بن سعيد، حاكم سلطنة عُمان، يوطد أسس الدولة العُمانية الحديثة، كافح المتحدثون بالشحرية في منطقة ظفار في البداية للحفاظ على استقلالهم.

كتبت جانيت واتسون، أستاذة اللغة  في جامعة ليدز في المملكة المتحدة، “تعكس لغات الشعوب الأصلية العلاقة الوثيقة بين الناس وبيئتهم الطبيعية.”

بدءًا من عام 2013 ، قادت واتسون فريقًا بحثيًا لتوثيق وأرشفة اللغات العربية الجنوبية الحديثة

في حالة لغة الشحرية، تنعكس عزلة المتحدثين بهذه اللغة على الكلمات والتعابير التي تشير إلى الأشياء والخبرات الخاصة بالمناظر الطبيعية للمنطقة. هناك كلمات تشير إلى النباتات والحيوانات الموجودة في المنطقة، على سبيل المثال. وبذلك تعتبر اللغة سجل لبيئة بشرية فريدة من نوعها. مع تراجع النظام البيئي، تتراجع اللغة التي يتحدث بها أيضا.

قال روبين، من جامعة ولاية بنسلفانيا، “هناك أصوات في اللغة الشحرية نعتقد بوجودها في لغة من أسلاف اللغات السامية تعرف باسم السامية الأم، لكنها فُقدت في اللغات العربية والعبرية والأمهرية (لغة إثيوبيا).”

رجال يتحدثون بالشهرية في ظفار ، عُمان في عام 2013 (تصوير: جانيت واتسون).
رجال يتحدثون بالشهرية في ظفار ، عُمان في عام 2013 (تصوير: جانيت واتسون).

كانت الشحرية لغة غير مكتوبة حتى بدأ العلماء بتوثيقها، بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر. هناك رواية شفوية للقصص، لكنها تفتقر لوجود أي أدب مكتوب أو مطبوع. لم يتم تعليمها أبداً في المدارس، وأجبرت الضرورة الاقتصادية المتحدثين بالجبالي على ترك مرتفعات ظفار بحثا عن فرص العمل في المنطقة الساحلية . كما أن الآباء أقل ميلا إلى تعليم اللغة لأولادهم مقارنة بالماضي، فضلا عن أن المتكلمين الأكبر سنًا – والذين يتقنون اللغة أكثر من الشباب – يموتون.

قالت خالصة الأغبري، أستاذة اللسانيات في جامعة السلطان قابوس، في عُمان، والتي تناولت أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه تشكيل صيغ الجَمع في لغة الشحرية، “إن وضع لغة الشحرية متناقض. الشباب الذين يتكلمونها فخورون بمعرفة اللغة ويفتخرون بتراثهم، لكن المتحدثين الأكبر سنا يشتكون من أن الشباب لا يتحدثون اللغة بطلاقة مثل ذويهم.”

تتواصل الدراسة الأكاديمية للغة الجبالي واللغات المرتبطة بها على نطاق ضيق في عُمان وأوروبا والولايات المتحدة. ويرى روبين أن من اللازم القيام بعمل مفيد بخصوص هذا الموضوع. قال “اللغة تتطور، ويتعين القيام  بجمع العديد من الكلمات والتعابير.”

أضاف روبين “أنت لا تنتهي أبدًا من دراسة لغة ما: يمكن إضافة قواعد اللغة الخاصة بي، وهناك حاجة لمزيد من الفهم لكيفية عمل الأفعال والصيغ الصوتية.”

بصفتها من أبناء العمومة القدماء للغتين العربية والعبرية، يمكن أن تساعد اللغات العربية الجنوبية الحديثة العلماء في تعميق فهمهم للقرآن والكتاب المقدس، بحسب روبين، حيث قال “هناك المزيد لنتعلمه.”

 

استمع إلى أمثلة الفيديو والصوت

في المثال الأول ، أدناه ، يصف رجل النباتات المختلفة التي يأكلها الجمل

 

“يقتفون الناس قديما الأثر لالحيوانات”

 

ترجمة

نعم الان سأخبرك الناس قديما / الناس قديما / يقتفون الاثر للحيوانات / يقتفون الاثر تعني ان الناس تبحث عن جمالهم او حيواناتهم / يقولوا الناس اضاع ناقته او الجمال ضاعت/ ويبحثوا عنها من غابة الى غابة يقتفوا الاثر يقتفوا اثر القدمن · يقتفوا اثر القدم/ يعني قدم الحيوان/ بعض من الناس قديما / انا الان لا اعرف اثر القدم هذه ولكن الناس القدامى يعرفون · يعرفون/ الاثر/ اثر الحيوانات واثر البشر/ يقولون ابن فلان يقتفي الاثر / او مثلا اذا كان يبحث عن شي · يقتفون واذا وجد اثر / للحيوانات / اثرها اعني جمل يقول جمل/ وجدت اثر اقتفيت اثرها هنا و/ ويعرف بأنها مرت من هذه الغابة او نزلت الغابة او جلست / في تلك الغابة او دخلت داخل/ وبعض الناس / من شدة المعرفة يعرفون اثر الناس ايضا · من كثر المعرفة / يقول هذا الاثر لإنسان / وليس من المنطقة /مثلا/ او يقولوا هذا اثر فلان / اذا انتهى من التقفي / يقول هذا اثر فلان يكون يعرفه · بعض الناس يعرفون ولكن ليس كثيرا يعرفون ماشيتهم اكثر شي / الحيوانات التي تكون عنده وهكذا يعرف الماشية يقول هذه جمل لفلان / اثرها / هذا اثرمثلا ناقة فلان / جمل فلان · فهمتي/ويعرف كذلك اثار حيوانات اعني حيوانات اخرى كـ هذه / كالنمر كالكلاب / الضباع يقولو الناس هذا اثر نمر اثر كلب هذا اثر ضبع /وهذا اثر ذئب / يعرفون الاثر الناس من زمان الناس لديهم معرفة كثيرة · الان نحن هذا الجيل هذا لايعرف الاثر ولا نعرف كيف نقتفي /مثل   الناس في الماضي /الناس القدامى يعرفوا كيف يقتفوا الاثر افضل / هذا بالنسبة للاثر /

(ترجمة: سعيد المشيخي )




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام