الدراسات النسوية: السبيل لتغيير العالم العربي

/ 21-02-2019

الدراسات النسوية: السبيل لتغيير العالم العربي

بإمكان دراسات المرأة أن تقدم الكثير في البحث عن حلول لبعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الأكثر إلحاحًا في العالم العربي اليوم، ومع ذلك غالبًا ما يتم تجاهل هذه الدراسات من قبل صانعي السياسات.

لماذا نواجه إذن بالشكوك عندما نشجع دراسات المرأة باعتبارها مجالًا مهمًا لتمهيد الطريق لتحقيق المساواة بين الجنسين؟ وهذا السؤال مناسب بشكل خاص في الشرق الأوسط حيث أن وضع المرأة ليس في أفضل حالاته – وهي حقيقة تحتاج إلى أن تُذكر بصراحة سواء أكنا نحب ذلك أو لا.

يظهر تمثيل المرأة والمساواة بين الجنسين بشكل متزايد في جداول الأعمال العالمية والوطنية. وحتى الدول التي لا تلتزم كليًا بالمعايير الدولية للمساواة بين الجنسين لا تزال تدرجها ضمن خططها الاقتصادية والتنموية، وتدرك الأهمية التي تمثلها لصورتها السياسية العالمية والدعم الذي يمكن أن تقدمه لاقتصاداتها. المساواة بين الجنسين جزء ضروري من المواطنة العالمية وشرط أساسي للاستقرار والازدهار على المستويين المحلي والإقليمي.

تجربتنا الخاصة

لم يولد قسم دراسات المرأة العربية بدافع الضرورة فحسب، بل بهدف التأكيد على الذات. إذ كانت هناك حاجة إلى التحرر من الأطر الفكرية الأميركية والأوروبية المهيمنة والتي كانت لفترة طويلة تحدد الكيفية التي تُعرّف من خلالها النظرية النسوية صراعات النساء “الأخريات” والحركات النسوية “الأخرى”. وُجِهَت هيمنة الدراسات ذات المركزية الأوروبية بتحديات في أواخر القرن العشرين من خلال نظريات “نساء العالم الثالث” و “نساء ما بعد الاستعمار”، والتي تقدم بدائل للتعريفات الشاملة السابقة التي تفتقر للتجارب الواقعية للنساء “المختلفات”.

تستلزم التمثيلات الواقعية للمرأة العربية تفكيك طبقات من التلفيق وتتطلب إعادة كتابة التاريخ، وهي عملية طويلة ومكلّفة. تعتبر الدراسات العلمية أفضل طريقة للتعامل مع هذه المهمة المحورية من خلال اختصاصها الأساسي في بناء ونشر المعرفة. لطالما أنتقِدت الجامعات في الدول العربية باعتبارها مستهلكة للمعرفة الغربية وغير قادرة على إنتاج المعرفة الحقيقية التي تتوافق مع التاريخ المضطرب والمستقبل المجهول لهذه الدول.

تعتبر دراسات المرأة المجال الذي يمكنه أن يتحدى مثل هذه المقترحات من عدم الكفاءة الأكاديمية، كما أنه يمثل بانوراما للعديد من التخصصات، وبالتالي يمكنه تقديم تمثيل متعدد الزوايا وشامل وواقعي للموضوع المتغير والمتطور باستمرار. من شأن دراسات المرأة أن تساعدنا على إنتاج سرد حقيقي يقدم قصصا مضادة من قبل علماء لديهم خبرة مباشرة في الشرق الأوسط، وبعضهم من أكاديميات المنطقة. (اقرأ المقال ذو الصلة فاطمة المرنيسي: ميراث باحثة ومفكرة نسوية).

يرتكز الخطاب الحديث حول التعليم إلى حدٍ بعيد على القيم الإنسانية العالمية للمساواة والإندماج. ويتمثل الاتجاه الحالي القوي بين الجامعات في المواءمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030. وبينما يبرز موضوع المساواة بين الجنسين منفردا باعتباره الهدف الخامس، إلا إنه جزء لا يتجزأ من معظم الأهداف المترابطة.

هناك العديد من الأكاديميين الذين ما زالوا يعتقدون أن مهمتنا لا تقتصر على الاستجابة لسوق العمل، ومدّه بما يحتاج إليه اليوم فحسب. نحن نعتقد أن الدور الرئيسي للتعليم يتمثل في المساهمة ببناء مجتمعات عادلة وشاملة، وما نقوم بتدريسه عامل رئيسي للقيام بذلك. إن المساواة بين الجنسين كخطاب جديد في المجتمعات العربية لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد إلا إذا كان جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الأكاديمي الذي يمكن أن يترجم من خلال التأييد السياسي ومشاركة المجتمع المدني لإحداث تغيير اجتماعي. هناك حاجة إلى التعليم والمجتمع المدني والإرادة السياسية لمعالجة قضية المساواة بين الجنسين بشكل جماعي وإحداث تغيير دائم.

تطبيقات للقضايا الحالية

تعتبر دراسات المرأة تخصص أكاديمي جديد نسبيًا في هذا الجزء من العالم. وبوقوعه في نطاق العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، يتخطى هذا الفرع الحدود التخصصية التقليدية، كما أن أساسه النظري يشتمل على نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونسوية. إن دراسات المرأة في الدول العربية أو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (حيث أستخدم المصطلحات بالتبادل هنا) هي أن تتم دراستها في سياقها التاريخي، بناءً على تفاعل الدين والسياسة والثقافة، ومن ثم ترسيخها في واقعها الاقتصادي والسياسي.

تجلب دراسات المرأة مناقشات معاصرة حول المواطنة والهجرة والتنمية والصحة. وكموضوع مهم، أصبحت دراسات المرأة وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في بعض البلدان العربية جزءًا من رواية بناء الدولة. ومع ذلك، فإن معظم خطط تمكين المرأة تفشل بسبب عدم وجود الأسس اللازمة، سواء أكانت هيكلية أو تعليمية أو مهنية. يبدأ تمكين المرأة من التعليم، ويفضل أن يبدأ في مرحلة مبكرة من حياة المرأة، في إطار يتم تعديله ليشمل الأدوار والتطلعات الجديدة للنساء.

يعتبر الخطاب المتعلق بالمساواة بين الجنسين مهم أيضا بالنسبة للاقتصادات الوطنية، حيث وجدت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي أن زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة تميل إلى تعزيز النمو الاقتصادي، كما أن الفوائد أكبر مما كان يُعتقد في السابق.

وغني عن القول، أن اقتصادات العديد من البلدان العربية متخلفة من حيث التنمية، ويُستثنى من ذلك قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي تصنف بانتظام من بين أغنى دول العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد. ومع ذلك، تبقى الفوارق بين الدول “المتعثرة اقتصاديًا” والدول “المزدهرة والغنية” في العالم العربي شاسعة.

علاوة على ذلك، يحتاج الاهتمام المتزايد في المنطقة بالمشاركة الاقتصادية للمرأة، وترابطها مع خطط التنمية البشرية، إلى أساس أكاديمي من شأنه أن يجعل الإحصاءات الموجودة هناك ذات مغزى. على سبيل المثال، تعتبر مشاركة المرأة في القوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا صغيرة نسبيًا، إلا أن تحصيلها التعليمي مرتفع. في الوقت نفسه، تعتبر حرية المرأة وقدرتها على الحركة من بين الأدنى في العالم.

يمكن للدول أن تتلاعب بالأرقام أو تقلل من شأنها بحيث لا تعكس الواقع. لذلك، هناك حاجة للكشف عن الحقائق الكامنة وراء الإحصائيات ودراستها. يعتبر قسم دراسات المرأة المجال المُجهّز للقيام بذلك عن طريق التفاعل مع نظرية الاقتصاد والتنمية لتوفير نموذج مع القياسات المخصصة اللازمة للكشف عن القضايا الحقيقية. يمكن أن تصبح دراسات المرأة أداة أكاديمية لجعل الاقتصادات القائمة على المعرفة قائمة على الإدماج والمساواة حقيقة واقعة.

عندما رسمتُ وزملائي خريطة لبرامج النوع الاجتماعي أو دراسات المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت النتائج مخيبة للآمال، لكنها كاشفة للواقع. من الواضح أن هناك فجوة بين البحوث والباحثين، وفراغ مملوء بالمستندات الدراسية المستوردة التي تعيد تدوير المعلومات عن النساء العربيات منذ زمن ما قبل الاستعمار والفترة الاستعمارية.

حان الوقت الآن لمنح المرأة العربية حقوقها المتأخرة في التمثيل الدقيق. يجب أن تتبوأ المرأة العربية موقعها الجغرافي المحدد وأن يتم الاحتفاء بها والاعتراف بتنوعها واختلافها، دون المحاولة لحصرها في صورة نمطية واحدة. نعتقد أن تعليم المرأة أحد الدوافع الرئيسية للتغيير الاجتماعي في أي مجتمع، ورفع الوعي بموضوع الجندر. ليس في الإمكان أن يحدث التفكير في السياسات ما لم تأت قوة للتغيير من داخل المجتمعات على شكل بحوث وباحثين ومدافعين عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين وناشطين وممارسين لهذه المجالات – بمن فيهم السياسيون.

*أمل المالكي، العميدة المؤسسة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة حمد بن خليفة في قطر.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام