طلاب الموصل يعودون للدراسة وسط الدمار

/ 26-11-2018

طلاب الموصل يعودون للدراسة وسط الدمار

الموصل، العراق – على أحد رفوف الكتب في جامعة الموصل تقف رواية جورج أورويل الرهيبة “1984” التي تتحدث عن الدعاية والحرب الدائمة. وهي واحدة من الكتب القليلة التي نجت من عمليات الحرق التي قام بها تنظيم الدولة الإسلامية خلال السنوات الثلاث التي سيطر فيها على المدينة.

تعرض كل مبنى في هذا الحرم الجامعي الشاسع للتشويه بطريقة ما. وقد تم تدمير العديد منها بشكل كامل، فيما بقي معظمها واقفًا وهو ممتليء بثقوب الرصاص.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن الحرم الجامعي على قيد الحياة. حيث يأخذ أكثر من 35,000 طالب وطالبة الدروس هناك وقد عاد معظم الأساتذة لتعليمهم. ليس الناس هو ما تفتقر إليه الجامعة، بل البنية التحتية والأموال لإعادة بنائها. (راجع المقال ذات الصلة، “إعادة بناء مكتبة الموصل كتابًا بكتاب“.)

ومع ذلك، يبدو أن الحرم الجامعي يتمتع بروح الإصرار؛ حيث تقوم الأقسام التي نجت من الدمار بإقراض الأماكن للأقسام التي تعرضت للتدمير.

وينطبق هذا الأمر على رئيس الجامعة أيضًا. فقد تمت تسوية مكتب أبي الديوه جي بالأرض خلال فترة الاحتلال، وبذلك اتخذ ومساعديه موقعا مؤقتًا في مركز أبحاث الاستشعار عن بعد في الجامعة.

طردت القوات الموالية للحكومة الدولة الإسلامية من الموصل منذ أكثر من عام، لكن المدينة لا تزال غير آمنة بالكامل.

يحرس فريق SWAT التابع للجيش العراقي مدخل الجامعة. يتم استجواب الزوار وفحص هوياتهم، ويتم تفتيش أسفل المركبات بحثًا عن المتفجرات قبل أن يتمكنوا من دخول الحرم الجامعي – حيث لا تزال السيارات المفخخة تشكل تهديدًا منتظمًا في المدينة.

أبي الديوه جي يقول بأن التحدي الرئيسي لجامعة الموصل يتمثل في البنى التحتية المادية. (تصوير: بنجامين بلاكيت).

عندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل في حزيران/ يونيو 2014، فر العديد من الطلاب إلى كردستان، وهو إقليم شبه مستقل داخل العراق. وانتقل نحو 30 في المائة من الطلاب شمالاً إلى دهوك، أو شرقاً إلى أربيل أو جنوباً إلى كركوك، بحسب الديوه جي. واصل الطلاب الذين غادروا دراستهم في مواقع جامعية مؤقتة “بديلة”، في حين اضطر الطلاب الذين بقوا إلى التوقف عن تعليمهم حتى تم تحرير المدينة في تموز/ يوليو 2017.

قال الديوه جي، “قضيتُ والكثير من المحاضرين ثلاث سنوات في إقليم كردستان”.

تتألف الموصل من قسمين يفصلهما نهر دجلة. كان الجانب الشرقي – المعروف محليًا بالجانب الأيسر – وحيث يقع حرم الجامعة، الأول في التحرير. عندما عاد الديوه جي مع الموجة الأولى من الأساتذة، كان تنظيم داعش لا يزال يحتفظ بمواقعه على الضفة الأخرى من النهر. لم يبقَ أي شيء تقريبًا من الجانب الأيمن والأقدم من الموصل – فالشوارع تحت الأنقاض، وما زال يتعين تنظيفها.

يتذكر الديوه جي قائلا، “عندما عدنا أول مرة، لم تكن هناك كهرباء ولا مياه ولم يزل القتال مندلعا في الجانب الأيمن (الغربي) من المدينة”.

شارع نموذجي في الجانب القديم من الموصل، غرب نهر دجلة. (تصوير: بنجامين بلاكيت).

لم يتم إجراء أي إحصائيات رسمية عن عدد الأساتذة العائدين، لكن الديوه جي يقدر بأن الغالبية العظمى، ما يقرب من 90 في المائة، قد عادوا للعمل في حرم جامعة الموصل.

يتفق آخرون معه بخصوص ذلك. فمن بين ثمانية أساتذة تمت مقابلتهم، قالوا جميعا بأن معظم زملائهم قد عادوا إلى الحرم الجامعي وخمنوا نسبًا مئوية تتماشى مع ما صرّح به الديوه جي.

يدير حكمت صبحي الداغستاني مركز الاستشعار عن بعد الذي يستضيف رئيس الجامعة حاليًا. لا يزال مختبره يحتوي على الأجهزة اللازمة لإجراء الأبحاث لأنه تسلل إلى الجامعة خلال فترة احتلال الدولة الإسلامية وقام بنقل أجهزة الكمبيوتر والكاميرات والأدوات باهظة الثمن التي تقيس انعكاسات الصخور والمعادن وقام باخفائها خارج الحرم الجامعي في منزله معرضا نفسه لخطر شخصي كبير حتى يتمكن عند مغادرة تنظيم داعش من استئناف عمله من النقطة التي اضطر فيها للتوقف.

قال ضاحكًا، “كان ذلك في الوقت الذي كان فيه أخذ دبابيس الورق من الجامعة أمرًا خطيرًا.”

إلى جانب المعدات، عاد جميع الأساتذة في قسم الداغستاني الآن.

في أعقاب تحرير الموصل، وعندما كان الوضع الأمني أسوأ مما هو عليه اليوم، سمحت الجامعة للطلاب من الأقليات مثل المسيحيين واليزيديين بمواصلة الدراسة في كردستان، لكن ذلك انتهى بحلول هذا العام الدراسي. فإذا كانوا يرغبون في الاستمرار في الحصول على شهاداتهم، فيتوجب عليهم العودة إلى الحرم الرئيسي في الموصل.

يسافر هذان الطالبان إلى جامعة الموصل من دهوك حيث يشعران أن الموصل ليست آمنة (الصورة: بنجامين بلاكيت).

كما عاد معظم الموظفين إلى مناصبهم في الموصل بعد أن واجهوا سياسة مماثلة: إذا ما أرادوا الحصول على رواتبهم، فيتوجب عليهم أن يعودوا.

انتقلت أسماء الخطاب، رئيسة قسم التربية في جامعة الموصل، إلى دهوك خلال فترة الاحتلال وهي تنتقل الآن بين المدينتين ذهابًا وإيابًا. قالت الخطاب، “لم يكن من الصعب إقناعنا بالعودة مع إغلاق الفروع البديلة في دهوك وكركوك. يتمثل التحدي الأكبر في حالة المباني المادية وليس في الموارد البشرية”. وأضافت بأن بعض الطلاب ينتقلون من دهوك أيضا قائلين إنها مكان أكثر أمنًا للعيش فيه.

يحرص رئيس الجامعة على التشديد على هذه الرسالة أيضًا، لكن بعض الخبراء يقولون إن التركيز على المباني والحاجة إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ظهور داعش يعوق من تشكيل رؤية بعيدة المدى. قالت لوري ماسون، كبيرة المستشارين الفنيين بمنظمة آيريكس، وهي منظمة غير حكومية يقع مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة وتدعم الدول النامية لتحسين مواردها البشرية، “من المثالي أن تتم إعادة البناء بشكل أفضل وليس فقط إلى ما كانت عليه من قبل”. تتخصص ماسون في العراق والتعليم، وعملت في برامج مع جامعات في البلاد على مدى السنوات السبع الماضية.

قالت ماسون، “لكنني بصراحة لا أعتقد بأن في إمكان الناس تصور ذلك الآن. انهم يركزون فقط على الاستمرار في أعمال البناء.”

عرضت بعض الجامعات في الولايات المتحدة استعدادها للتعاون والمساعدة في تدريب الباحثين والأساتذة في جامعة الموصل، لكن ماسون تقول إن هذه العروض لم يتم تبنيها بالضرورة من قبل الجامعة.

قالت، “لقد كانت الاستجابة من قبيل، كيف يمكننا التعاون إذا لم يكن لدينا مبنى للعمل فيه حتى، أو كتب منهجية؟ وهذا أمر مفهوم تمامًا، ولكن هناك الكثير من المؤسسات التي يمكنها تقديم التوجيه والشراكات.”

لكن في الوقت الحالي، لا يزال الأمن والخوف من عودة داعش وحدوث هجرة ثانية للطلاب والأساتذة أحد أكبر المخاوف بالنسبة لأساتذة جامعة الموصل. قالت ماسون، “إنها تشبه البركان، لا يمكن أن تعرف أبدًا متى سينفجر.”

تقول نهاد محمد، مساعدة عميد كلية الآداب، إنها على استعداد دائم للخروج مرة أخرى إذا ما لزم الأمر. قالت، “لدينا حقيبة معبأة بالضروريات لنكون على استعداد للمغادرة في أي لحظة.”

يشعر أساتذة آخرون في الموصل بذات الشيء. قالت هالة نجم، رئيسة قسم الترجمة، “مازلت أشعر بالخوف من هذا الشعور بالقلق من أنهم سيعودون، وسنكون على قائمتهم السوداء بصفتنا أساتذة جامعات”.

مع ذلك، تبدو رسالة الديوه جي واضحة، وهي أن جامعته تتوافر على الطلاب والمدرسين، ولكنها بحاجة ماسة إلى المباني والاستثمارات لتستعيد مجدها السابق.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام