رواية جديدة دقيقة للنهضة العربية

/ 02-11-2018

رواية جديدة دقيقة للنهضة العربية

يصعب تعريف “النهضة” التي اجتاحت العديد من الدول العربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إذ كانت حركة طويلة ومعقدة ومتنوعة، عقدت العزم على تطوير الحداثة السياسية والاجتماعية للمنطقة، لكنها ضمت العديد من التأثيرات والأصوات والأيديولوجيات المختلفة.

وكما يشير طارق العريس في مقدمته لمختارات جديدة مكرسة لموضوع النهضة، فإنه كثيرًا ما يتم استحضارها اليوم للإشارة إلى مشروع تنوير عربي ورثاء فشله.

يعمل العريس أستاذًا لدراسات الشرق الأوسط في كلية دارتموث. وقد قام بتحرير مختارات جديدة ثناية اللغة عن مفكري وكتاب النهضة لجمعية اللغة الحديثة. يحتوي كتاب النهضة العربية على مقالات وخطب ومواضيع وقصص ومقتطفات من المسرحيات – وجميعها تترجم إلى اللغة الإنجليزية للمرة الأولى.

استلهمت النهضة نماذج جديدة من القومية والعلمانية فضلاً عن الإحياء الإسلامي. واتسمت الحركة بالانشغال بالإصلاح اللغوي والترجمة. كما تميزت أيضًا بظهور الرواية العربية، وانتشار الصحف والمجلات، وظهور أشكال جديدة من التعليم.

كانت النهضة جزئيًا ردًا على الانتهاك الاستعماري الأوروبي. وكانت من أولى دوافعها غزو نابليون لمصر بسهولة في عام 1798. وشددت النهضة على الحاجة إلى الإصلاح والتنشيط في مواجهة التفوق العسكري الأوروبي وركود الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها.

بطرس البستاني (الصورة: ويكيميديا كومنز)

كان اللبناني بطرس البستاني من أوائل الشخصيات الرئيسية. ففي العام 1863 أسس المدرسة الوطنية في بيروت، وهي أول مدرسة علمانية في العالم العربي. كما أسس صحيفة الجنان، وكتب قاموسًا عربيًا وعمل على إعداد موسوعة.

في محاضرته “ثقافة العرب اليوم”، التي ألقاها عام 1859 أمام الجمعية السورية للعلوم والفنون، قال “لا يمكن إنكار أن سوق المعرفة قد ركد بين العرب وأنها لم تعد تدور بين الجماهير العربية، ولا بين قادتهم على وجه الخصوص.”

وتشمل توصياته لتحسين هذا الوضع “السماح للعرب المتطورين بالتشبيك على نطاق واسع مع الشعوب المتمدنة، وإزدياد عدد المطابع والمدارس، وانتظام حالة المجالس والمحافل، وتقدم رجال الدولة في المعارف، وفتح باب ميدان الإنشاء والخطب والمحاورات الأدبية والدينية والسياسية وإطلاق زمام العقل وعنان الإرادة، والإنتباه إلى تعليم من النساء.”

محمد عبده (الصورة: ويكيميديا كومنز)

كما تتضمن المجموعة مقالة كتبها محمد عبده، أحد أشهر شخصيات النهضة. درس عبده في جامعة الأزهر في القاهرة، وكان مفتي الديار المصرية من العام 1899 وحتى العام 1905. وكان قد نفي من مصر بسبب آرائه السياسية. فسافر كثيرًا، وعاش في باريس وبيروت، وتراسل مع تولستوي.

في ذلك المقال، قال عبده إن الصور والتماثيل ليست غير إسلامية بل إنها “وسيلة من أفضل وسائل العلم”. وأعرب عن أسفه لعدم الاهتمام بحفظ التراث في الدول العربية، على العكس من الممارسات الأوروبية. كتب قائلا “ولو أردت أن أسرد لك ما حفظوا وضيعنا من دفاتر العلم لكتبت لك في ذلك كتابا يضيع كما ضاع غيره وتجده بعد مدة في يد أوروبي في فرنسا أو غيرها من بلاد أوروبا!”

لكن كتابات النهضة لم تكن مجرد ممارسة في النقد الذاتي أو دعوة لتقليد الغرب. إذ يحتوي الكتاب على العديد من الأمثلة – من المجلات وحتى المسرحيات – تم فيها استخدام السخرية والمحاكاة الساخرة لنقد أولئك الذين تبنوا العادات والأخلاق الغربية بشكل غير متناسب وغير لائق. فقد تضمنت مجلة “التنكيت والتبكيت” للكاتب المصري عبد الله النديم قصصا عن شاب سافر لتلقي تعليمه في أوروبا وعاد إلى الوطن مليئا بالازدراء والجهل، حيث يجد معانقة والده “أمرًا سوقيا” ونسي الكلمة العربية التي تشير إلى “البصل”.

وكثيرًا ما استخدم كتاب النهضة الأدب لتوضيح حججهم. فقد أشاد الكاتب العراقي محمود أحمد السيد بالرواية كوسيلة للتثقيف الأخلاقي، قائلا: “لأن الكتابة من جملة العوامل والأسباب المهمة في ترقية شؤون الأمة وتثقيف عقول أفرادها وتعليمهم”. تدور أحداث روايته الأولى، التي تتحدث عن عاشقين شابين أحبطت خطط زواجهما من قبل والد ماكر، في الهند، وقد استخدم الخلفية الخارجية للرواية ليكون أكثر قدرة على انتقاد التقاليد الدينية، والعادات غير العادلة، والنظام الأبوي.

تحدثت الشاعرة عائشة التيمورية (1840 – 1902) عن إنجازاتها الأدبية وجادلت بأنها لا تتعارض أبدًا مع كونها امرأة:

بيد العفاف أصون عزّ حجابي    وبعصمتي أسمو على أترابي

وبفكرة وقادة وقريحة        نقادة قد كملت آدابي

ما ضرّني أدبي وحسن تعلمي      إلا بكوني زهرة الألباب

تعبّر الأصوات الواردة في مختارات النهضة العربية عن وقتها، لكنها لا تزال تلقى صدى قويًا مع المخاوف الحالية. في الواقع، من المرجح أن يستمر الاهتمام بالنهضة جزئيا لأن العديد من الأسئلة التي يطرحها مفكروها وفنانوها – أسئلة حول كيفية تحقيق الحداثة السياسية، والمساواة بين المرأة والرجل، والتحصيل العلمي – لا تزال ذات صلة كما كانت دائما. لا يزال إرث النهضة قائمًا، كما يكتب العريس، بما في ذلك ضمن الربيع العربي، “كما لو أن شيئًا ما فيه لم يتحقق بعد أو يتم حله”.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام