مقتل خاشقجي يلقي بظلاله على المشهد الفني في نيويورك

/ 27-10-2018

مقتل خاشقجي يلقي بظلاله على المشهد الفني في نيويورك

تداخلت سلسلة من الفعاليات المخطط لها لتقديم الفن العربي إلى الجمهور في نيويورك مع تزايد الغضب الدولي إزاء جريمة القتل الشنيعة للصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي في تركيا في أوائل هذا الشهر.

تم الترويج لـمبادرة الفن العربي والتعليم باعتبارها برنامجًا سنويًا “لربط الثقافة العربية المعاصرة مع جمهور متنوع في الأحياء الخمسة لمدينة نيويورك”. وقد انطلقت هذا الشهر من خلال فعاليات تتضمن عروضاً لفنانين، واستديوهات مفتوحة ومحاضرات ومعارض، من بينها معرض لفن اللاجئين السوريين والتحف الفنية الخاصة بذلك في متحف بروكلين بعنوان سوريا آنذاك والآن: قصص من اللاجئين على مدار القرن، والذي سيستمر حتى منتصف كانون الثاني/ يناير.

تم التخطيط للمبادرة بالتعاون مع أكبر عدد ممكن من المنظمات في نيويورك، بما في ذلك المتاحف والمؤسسات الأكاديمية والخيرية. وشملت المجموعات مشاركة متحف الفن الحديث وجمعية آسيا ومؤسسة إليزابيث للفنون ومتحف المتروبوليتان ومتحف سولومون غاغينهايم.

لكن العديد من هذه المنظمات بدأت بإعادة تقييم كيفية المضي قدمًا في المبادرة، التي تمولها الحكومة السعودية جزئيًا، لاسيما مع استمرار الإدعاءات بخصوص ما إذا كان حكام المملكة متواطئين في قضية اختفاء ومقتل الصحافي في القنصلية السعودية في اسطنبول. كان خاشقجي، الذي أقام في الولايات المتحدة وكتب في صحيفة واشنطن بوست، من أبرز منتقدي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

جرت معظم أحداث الأسبوع الافتتاحي كما هو مخطط لها، لكن العديد من المتاحف أصدرت بيانات تقول إنها ستستخدم أموالها الخاصة ولن تقبل الأموال من الحكومة السعودية أو الجماعات الداعمة لها. وتم إلغاء حدث واحد، هو حديث الفنان والطبيب السعودي أحمد ماطر والمخطط له في جامعة كولومبيا.

يدير ماطر معهد مسك للفنون، وهو ذراع لمؤسسة مسك، التي أنشأها الأمير محمد لتعزيز تطور الفنون والثقافة والعلوم السعودية في البلاد، بالتزامن مع تشجيعه أيضًا على إصلاح صورة البلاد في الخارج.

تمثال فني من إنتاج جينان مكي باتشو، وهو فنان لبناني ، في معرض سوريا آنذاك والآن: قصص من اللاجئين على مدار القرن في متحف بروكلين (تصوير: طارق حداد)

بصفته فنان معروف عالميًا يعمل في مجالات التصوير الفوتوغرافي والرسم والخط العربي وفن الوسائط المختلطة والفيديو، ويركز على القضايا المتعلقة بالتحديات الثقافية والفكرية والبيئية التي تواجه المجتمع السعودي، فقد كان من المقرر أن يشارك ماطر في حوار في جامعة كولومبيا مع أفينوعام شاليم، أستاذ الدراسات الإسلامية بقسم تاريخ الفن بالجامعة.

وقال متحدث باسم جامعة كولومبيا لموقع نيويورك تايمز غوثاميست إن الجامعة قررت إلغاء الحدث مع ماطر، على الرغم من أنها لم تتلق أية أموال من السعودية، وأنها “ستسعى لإيجاد وقت آخر في المستقبل القريب أكثر ملاءمة للحوار الأكاديمي في الحرم الجامعي الذي يمثل الغرض من المحاضرة.”

وعلى الرغم من الوعود بإعادة جدولة الحديث، إلا أن قرار جامعة كولومبيا كان مصحوباً بانتقادات حادة من الصحفيين والفنانين.

فقد وصف “أرسلان محمد”، المحرر السابق في هاربر بازار للفن العربي، ومقرها دبي، الإلغاء بأنه “مغفل بشكل كبير” في أحد مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، فيما قال آخرون إن إلغاء مثل هذه المحادثات يسمح بإسكات الانتقادات من جانب أولئك الذين يستكشفون القضايا الاجتماعية والسياسية من خلال الفن.

مع ذلك، يمكن القول إن أقوى البيانات حول المخاوف المتعلقة بالحكومة السعودية جاءت من مدراء المتاحف.

أصدرت آن باستيرناك، مديرة متحف بروكلين، بيانا قالت فيه إن مؤسستها لن تقبل الأموال من السعودية، “في ضوء الأحداث الأخيرة وانسجامًا مع مخاوف المجتمع الدولي”. وأضافت “لا يزال متحف بروكلين يؤمن بقوة بقيمة الثقافة في خلق الجسور وبناء مجتمع عالمي أكثر ارتباطًا ومدنية ونشاطًا، ونحن ملتزمون بشراكتنا مع مبادرة الفن العربي والتعليم.”

كما أصدر متحف المتروبوليتان للفنون بيانًا مشابهًا في ندوة – أو دعوة خاصة فقط حول عرض فنون الشرق الأوسط الحديثة والمعاصرة في الغرب. كتب دانيال فايس، مدير المتحف، في رسالة بعثها بالبريد الإلكتروني إلى الحضور، “في ضوء التطورات الأخيرة، قررنا أن يقوم المتحف بتمويل هذا الحدث بنفسه.”

أبدى بعض المشاركين في المبادرة حزنهم بخصوص إلغاء حديث ماطر في جامعة كولومبيا وأعتبروا الأمر بمثابة خسارة لفرصة مهمة.

قالت رزان الصراف، وهي قيّمة كويتية وفنانة بصريات تقيم في نيويورك، “هذا هو بالضبط السبب الذي جعلنا نقوم بجمع هذه الأحداث ومساندة الفنانين العرب. هذه الجهود تهدف إلى خلق فرص للفنانين للتعبير عن الأفكار وكيفية نظرتهم إلى الأمور المتعلقة بالعالم.”

وأضافت بأن اثنين من أبناء خاشقجي كانا يستكملان إقامة فنية في نيويورك كجزء من مبادرة الفن العربي والتعليم وكانا يهدفان إلى عرض أعمال فنية خلال معرض الفنانين العرب الشباب في معرض آرت إكس. قالت الصراف “للأسف، وقعت الأحداث قريبة جداً من الوطن. عندما ظهرت الأخبار بخصوص وفاة والدهم، سافرا إلى واشنطن العاصمة، لضمان سلامتهما.”

قامت الصراف بتنظيم وعرض البرنامج في آرت إكس، والذي عرض أعمالا لفنانين كويتيين وسعوديين وعراقيين. وامتازت معظم الأعمال بجمالية فن الشوارع. استمر العرض لمدة تسعة أيام وتضمن لوحات، ومقاطع فيديو وتصوير فوتوغرافي في معرض كان ملهى ليلي سابق يقع في حي ميتباكينغ العصري في مانهاتن.

من محاضرة سامية حلبي في متحف غوغنهايم (تصوير: إد مارشال).

حضر العديد من الضيوف والمغتربين العرب افتتاح المعرض، وقدموا دليلاً لما يمكن أن يحدث عندما يتم عرض الفن العربي لجمهور جديد. تجول الزائرون في الطابق الأرضي وفضاء الطابق السفلي للاطلاع على الأعمال التي ناقشت مسائل مختلفة تتعلق بالمجتمع العربي اليوم، مثل مسألة التعبير النسوي في الكويت، والهجرة والصراع في الشرق الأوسط، والاتجاهات الموسيقية في العالم العربي، وتأثير ما بعد الاستعمار على الدول العربية.

كان معرض آرت إكس Art X بلا شك عرضًا ناجحًا لكيفية تأثير معرض فني في إثارة الفضول والتعلم عن الثقافات الأخرى. انتهت الليلة الافتتاحية بحفلة وسط الأعمال الفنية في الطابق الثالث من المساحات المستأجرة حيث تم إعدادها على الطراز العربي الذي يعرف باسم المجلس، وهي غرفة جلوس تقليدية مع وسائد منخفضة حيث يجلس الناس للتواصل الاجتماعي أو القيام بالأعمال. استمرت الحفلة الصاخبة حتى الساعة الثالثة صباحًا، بحسب أحد المشاركين.

حضر الفعاليات المفتوحة للجمهور عدد كبير من الزوار. وشمل ذلك افتتاح معرض “سوريا آنذاك والآن” في متحف بروكلين، والذي تضمن جولة للمعرض برفقة القيمة على المعرض، آيشِن يولتار يلدرم، وحوارات مؤثرة للفنانين المشاركين مثل جنان مكي باشو، وعصام كرباج ومحمد حافظ حول كيفية ارتباط أزمة اللاجئين السوريين الحالية بهم.

بالإضافة إلى ذلك، ألقت محاضرة وعرض تقديمي للفنانة الفلسطينية، المقيمة في نيويورك، سامية الحلبي في متحف غاغينهايم الضوء على مسيرتها الواسعة كفنانة تجريدية وكيف أثرت معتقداتها السياسية على ممارستها الفنية. (اقرأ المقال ذات الصلة سامية الحلبي: فنانة فلسطينية وعالمية في آنٍ معًا.)

على الرغم من النكسات، فإن مبادرة الفن العربي والتعليم لديها سلسلة من الأحداث المخطط لها خلال العام، بما في ذلك التوعية التعليمية والتعاونات مثل مشروع سيستمر لمدة عام كامل سيعمل حافظ من خلاله مع طلاب من خلفيات فقيرة محرومة.

انطلاقًا من النجاح والتفاعل الذي شهدته أحداث الأسبوع الافتتاحي، يبدو أنه لا يزال بإمكان هذه المبادرة التأثير على عالم الفن في نيويورك وزيادة الوعي والتقدير للفن والفنانين العرب.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام