ذِكر قلق: معرض فني من دون أعمال فنية

/ 19-10-2018

ذِكر قلق: معرض فني من دون أعمال فنية

نادرًا ما يحدث، هذا إن حدث أصلاً، أن يكون هناك معرض فني من دون أي معروضات فنية في الواقع، ولكن هذا هو الحال مع معرض “ذِكر قلق” الذي أقيم في متحف سرسق في بيروت خلال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر الماضيين.

يُعتبر ذِكر قلق معرضًا غير تقليدي لأنه أساساً عرض للأبحاث حول معرض سابق، المعرض التشكيلي العالمي من أجل فلسطين، الذي عقد في بيروت في عام 1978 في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية.

لا يمثل ذِكر قلق إعادة للعرض من جديد، لكنه استكشاف لتاريخ أحداث 1978 ذاتها لتسليط الضوء على الممارسات، والمجموعات، والمواقع التي تجمع فيها الفنانون وشاركوا في القضايا السياسية. يشير عنوان المعرض إلى التاريخ المضطرب للعديد من الثورات وجهود المقاومة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك النضال الفلسطيني.

تم تنظيم المعرض التشكيلي العالمي من أجل فلسطين من قبل قسم الفنون التشكيلية في المكتب الإعلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية ليكون بذرة معرض يضم الأعمال التي من شأنها أن تشكل بداية لمجموعة “متحف في المنفى” كان يُخطط انشاؤه للتعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية.

ضم المعرض أكثر من 200 عمل فني قدمها فنانون من 30 دولة، بما في ذلك رسومات ولوحات ومطبوعات ومنحوتات وطبعات حجرية. وشملت المساهمات من فنانين بارزين ملصقات صممها الرسام والنحات العراقي ضياء العزاوي وأعمالاً لفنانين حداثيين مشهورين عالمياً مثل جان كوكتو وروي ليختنشتاين.

تم تصميم المعرض الأخير في متحف سرسق ورعايته من قبل رشا سلطي، وهي كاتبة لبنانية فلسطينية وباحثة في مجال الفن والسينما، وكريستين خوري، الباحثة اللبنانية المهتمة بمحفوظات ووثائق مؤسسات ومجموعات الفن العربي.

ولدت فكرة معرض ذِكر قلق نتيجة صدفة واجهتهما. قالت سلطي “عثرنا على الكتالوج الخاص بمعرض الفن التشكيلي العالمي من أجل فلسطين عن طريق الصدفة البحتة قبل ما يقرب من عشر سنوات. لقد كان مثيرا للاهتمام أننا لم نسمع أبدا بذلك المعرض الذي جرى في حينها، على الرغم من أن نطاقه من النادر، وربما المستحيل، أن نرى مثيلا له في العالم العربي.”

إن افتقاد معرض ذِكر قلق للأعمال الفعلية من حدث عام 1978 بمثابة توجه جديد لمعرض فني. قالت خوري “لم يكن التركيز على الأشياء هدف مشروعنا.”

من غير المعروف أماكن تواجد العديد من الأعمال الـ 200 اليوم. فقد تم قصف المبنى الذي كان يضم معظم المجموعة أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ولم تتم إعادة بعض الأعمال المعروضة في طهران بسبب إغلاق المطار في ذلك الوقت. قالت خوري “هناك شائعات بخصوص ما حدث لأعمال أخرى. لقد شهدت المجموعة نموا أثناء وبعد المعرض، لذلك فإن الكتالوج ليس مرجعًا نهائيًا للمجموعة.”

معرض ذِكر قلق، لكريستين خوري ورشا سلطي في متحف سرسق.(الصورة: كريستوفر بعقليني\ متحف سرسق)

يعتبر المعرض الذي تم تجميعه من قبل خوري وسلطي عرض للتمرين المطلق في مجال الأبحاث من جانبهما. فقد سمح لهما بحثهما بإعادة بناء قصة حركة عام 1978 التي لا تستند إلى أشياء فنية فحسب، بل على الكتابات المتبقية، والروايات الشفهية للمشاركين التي سجلها القيمون.

وسمح “الصبر والمثابرة” على مدى ما يقرب من عشر سنوات للقيمين على اكتشاف آثار معرض 1978 في المحفوظات الخاصة في جميع أنحاء العالم، بحسب سلطي.

من خلال اختيار التركيز على نقطتين مركزيتين – الدافع لإنشاء متحف في المنفى، وتشكيل متحف كعمل تضامني والشبكات التي تشكلت استجابة له – تمكنتا من التعبير عن الدافع القوي لنية معرض عام 1978 ونجاحه في نهاية المطاف.

وبمثابة تكملة لأبحاث القيمين الفنيين، توافرت نسخ من قصاصات الصحف والخطابات والصور الفوتوغرافية والصور التي توضح تفاصيل مساهمات حركات التضامن التي يقودها الفنانون في بلدان أخرى.

ومن بين هذه المنظمات كانت رابطة الفنانين الأميركيين اللاتينيين والأفارقة والآسيويين في اليابان، التي دعمت مشاركة الفنانين اليابانيين والفلسطينيين معا بالتنسيق مع ودعم منظمة التحرير الفلسطينية، التي ساعدت في تنظيم التبادلات الفنية.

من بين الفنانين الآخرين تجمع “الألزايا” L’Alzaia للفنانين الإيطاليين الذين شارك فنانوهم في العديد من المهرجانات والمبادرات للتعبير عن التضامن مع الشعب التشيلي أو إدانة الديكتاتورية العسكرية التي حكمت اليونان من عام 1967 إلى عام 1974.

واجه هذا المشروع العديد من التحديات، وفي المقام الأول غياب الدعم الفوري. وبصفتهما باحثتين مستقلتين، لم يكن في إمكان خوري وسلطي في بادئ الأمر الاعتماد على موارد أو علاقات مؤسسة أو بيئة أكاديمية. كان من الصعب الحصول على التمويل، لكنهما تغلبتا على هذه العقبة بدعم تدريجي من المساهمين.

قالت سلطي “كلما تعمقنا في البحث، كلما كبرت القصص التي كانت تظهر، وكلما وجدنا إجابات أكثر، كلما أثيرت أسئلة أخرى. في البداية، اعتقدنا أنه سيكون كافياً أن نجري أبحاثنا في بيروت وعمان، وأننا سننتهي بكتابة مقالة. بعد بضعة مقابلات، أدركنا أننا قد فتحنا علبة من الديدان، إذا جاز التعبير. في مرحلة ما، كنا نظن بأننا قد نؤلف كتابًا.”

بذلك أدركت الباحثتان أنهما بحاجة إلى اتخاذ القرار بخصوص ما سيكون عليه نتاج أبحاثهما قبل أن يتقدما بطلب للتمويل.

قالت سلطي “بعد أن دعينا بارتوميو مارو، الذي كان حينذاك مديرًا لمتحف الفن المعاصر في برشلونة، لتقديم البحث كمعرض، أصبح في إمكاننا تقديم طلبات بفعالية للحصول على المنح.”

معرض ذِكر قلق، لكريستين خوري ورشا سلطي في متحف سرسق.(الصورة: كريستوفر بعقليني\ متحف سرسق)

يجسّد جهد خوري وسلطي مثالاً على مدى قوة المعارض الفنية عندما تكون مدعومة بأبحاث تمتاز بالدقة الأكاديمية. فقد مكنهما التزامهما في أبحاثهما من المساهمة في بناء لائحة لفن عربي، وهي لائحة لم تكتمل بعد بالكامل بسبب الافتقار إلى أرشفة سليمة وحفظ للسجلات من قبل الفنانين والنقاد في المنطقة.

قالت خوري “وجدنا بأن الأبحاث غالبًا ما يتم إهمالها، لذلك اخترنا تقديم الأبحاث فقط، ونتائجنا، والارتباطات التي رسمناها، والاستنتاجات التي توصلنا إليها، ولكن من دون أن تكون هناك أي أعمال فنية. أعتقد أن الشغف الذي شعرنا به، والإلهام من هذه الممارسات قد أبقانا على مستوى واحد.”

وأضافت خوري “يُدرج كتالوج معرض 1978 في بيروت اسم 30 دولة، لكن العدد الأكبر من الفنانين المشاركين كانوا من فرنسا وإيطاليا واليابان وبولندا والعراق. لذلك ركزنا اهتمامنا على وجه التحديد على هذه الدول، لفهم الأسباب التي تقف وراء هذه المشاركة العالية. تطلب هذا منا السفر لمقابلة أشخاص، وتسجيل المقابلات، وتصوير المستندات، ومسح الصور، والكثير من الترجمة.”

كما سافرتا إلى بلدان بعيدة مثل شيلي ونيكاراغوا من أجل فهم أفضل للتقاطع بين معرض 1978 والمجموعات والمعارض المماثلة التي نظمت للتضامن مع كفاح الشعوب في تلك الدول.

كانت هناك ثلاث مبادرات ذات أهمية خاصة: المتحف الدولي لمقاومة سلفادور أليندي، الذي نظم في عام 1973 من قبل الشيليين المنفيين ومؤيديهم بعد انقلاب 1973 في شيلي؛ ومتحف ماناغوا للفن الأميركي اللاتيني المعاصر the Museo de Arte Latino Americano Contemporáneo de Managua، الذي نظم تضامنا مع ثورة الساندينيستا في نيكاراغوا؛ وجماعة الفنانين المناهضين للفصل العنصري، والتي تجولت دوليا في السنوات التي سبقت إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

لقيت هذه الحركات الدعم أيضًا من قبل فنانين من جميع أنحاء العالم.

قامت خوري وسلطي بتقسيم العمل البحثي والوثائقي فيما بينهما وفقًا لاهتماماتها وقوتهما الفردية.

قالت سلطي “نحن نكمل بعضنا البعض قدر الإمكان. كريستين باحثة ملحة “مهووسة بعملها، قهرية”، وأنا أكثر دراية بالمناقشات الفكرية والفنية في العالم العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. منعت الأموال المحدودة الباحثتين من السفر معا لإجراء المقابلات، ولكن تم تقاسم العمل بالتساوي.

قالت خوري “ربما كان لرحلتي البحثية إلى نيكاراغوا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي صدى شخصي، والتي تمكنت من القيام بها مع دانييلا بيرغر، أمينة متحف التضامن “سلفادور أليندي” في شيلي. لقد كشفنا عن قصص مدهشة كنا نبحث عنها لسنوات، والتقينا بأشخاص مهمين لم نكن نتخيل أن الفرصة ستتاح لنا للقائهم.”

تم نشر كتاب يعتمد على هذا المعرض بعنوان “ذِكر قلق: الفنانين والتضامن الدولي والمتاحف في المنفى“، ويشمل مساهمات من قبل مؤرخي ونقاد الفن وغيرهم من ممارسي الفن الذين سلطت كتاباتهم الضوء على هذا المعلم الفريد في تاريخ الفن الحديث في الشرق الأوسط.

اليوم تدرس خوري وسلطي فكرة إنشاء منصة على الإنترنت لاستضافة المعلومات المتعلقة بهذا المشروع، أو لربما إنتاج فيلم. كما وتأملان في أخذ هذه القصة إلى فرنسا أو فلسطين في المستقبل القريب، حيث يمكن التعرف على الشخصيات والفنانين الذين لعبوا دورًا في معرض 1978 والاحتفاء بهم.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام