نظرة على المشهد الثقافي السوري

/ 08-08-2018

نظرة على المشهد الثقافي السوري

تعيش الفنانة هبة الأنصاري في ألمانيا، لكن في ربيع عام 2014 ، زارت كفر نبل، وهي بلدة في شمال غرب سوريا كانت في يد المعارضين للنظام السوري. وفي منزل دمره صاروخ أرسله الجيش السوري، عثرت على كتاب للرياضيات. لكن صاحبة الكتاب، الطالبة نورا بازكادي كانت قد قُتلت. ليأتي عرض “كتاب الرياضيات” الذي أعدته الأنصاري، والذي تم عرضه في بيروت وأماكن أخرى، مستوحى من هذه التجربة. حيث تخلق الفنانة تفاصيل متعددة للتفجير وكذلك “معادلات” رياضية غريبة تستخدم الأدوات المنزلية.

يستكشف فيلم عروة مقداد الوثائقي، والحائز على عدة جوائز، “300 ميل” من خلال المقابلات مع الأقارب والأصدقاء تحول الانتفاضة السورية من الاحتجاج السلمي إلى نزاع مسلح.

بينما يقدم عدي الزعبي، كاتب ومترجم سوري، مجموعة قصص قصيرة، يتناول بعضها مجريات الصراع في سوريا. لكن معظمها، عن قصد، لا يفعل ذلك. قال في مقابلة قصيرة على الإنترنت عن كتاباته “فكرتي الرئيسية هي الاستمرار في رؤية العالم بدون الحرب.”

تلقى جميع هؤلاء الفنانين دعمًا من اتجاهات، مؤسسة مقرها بيروت تهدف إلى تشجيع الجهات الفاعلة الثقافية المستقلة في داخل سوريا وخارجها وتتلقى تمويلاً من مؤسسات متعددة. إذ تعمل المؤسسة منذ عام 2012 على دعم مشاريع أبحاث تركز على الإنتاج الثقافي.

على سبيل المثال، يقوم الزعبي، الكاتب والمترجم أيضًا، بإجراء بحث حول “أطر الدعم المستدام للفنون السورية” بالشراكة مع منى مرعي، ورسم خرائط للمنظمات التي تقدم الدعم للفنانين السوريين بما في ذلك أهدافهم ونتائجهم والتحديات والقيود.

يأتي هذا كجزء من مهمة اتجاهات المعلنة “مراقبة وفحص المشهد الثقافي السوري وكيف تأثر بالأزمة على مدى السنوات الخمس الماضية.”

قال عبد الله الكفري، المدير التنفيذي للمؤسسة عبر مكالمة هاتفية من بيروت، “تحدث تغييرات جذرية، ليست سياسية فقط ولكن اجتماعية وثقافية. لذلك نحن بحاجة إلى طرح الأسئلة في محاولة لفهم مجتمعنا والتحديات التي تواجهه.”

من عرض ساري المصطفى الحقنة/ اللعبة بدعم من مختبر الفنون في مؤسسة اتجاهات

تسعى اتجاهات أيضاً إلى تقديم “سرد مختلف عن سوريا – لأن كل السرد يركز على الصراع،” بحسب ما تقول جويا صفير مديرة البرنامج في اتجاهات. إذ تقدم المؤسسة منحاً للفنانين الذين يعملون في الرسوم المتحركة والمسرح والرقص والفنون المسرحية والكتابة الإبداعية والفنون البصرية والموسيقى. كما تدعم مبادرات الفنون المجتمعية وورش العمل للفنانين وإقامة المعارض. تعتمد المؤسسة على لجان اختيار دورية لتقييم عروض للفنانين وضمان الاستقلال والحياد في اختيار الفنانين الذين سيتم دعمهم.

قالت ربا محيسن، مديرة منظمة سوا للتنمية والمساعدات، وهي منظمة مجتمع مدني تدعم العائلات السورية النازحة في شمال لبنان، إن اتجاهات هي واحدة من أكثر المنظمات التي تعمل من لبنان وتركز على سوريا موضحة أنها تربط بين العديد من المنظمات التي تركز على العمل الإنساني، كما تساعد السوريين على تجاوز الصدمات النفسية والحفاظ على هويتهم. قالت “إن التراث الثقافي والإبداعي هما العمود الفقري للهوية السورية.”

قدمت اتجاهات منحاً لفنانين في لبنان وسوريا والشتات، بعضهم يسافر ذهاباً وإياباً بين مختلف البلدان. وعلى الرغم من أن المنظمة تفضل منح الأولوية للفنانين والباحثين في سوريا، فإن ظروف العمل – بالنسبة لأولئك الذين يمكنهم أن يكونوا بأمان – ليست سهلة على الإطلاق.

قال الكفري “في سوريا، البيئة العامة لدعم الأبحاث ضعيفة وصعبة. من الصعب الحصول على المعلومات؛ فقدت الجامعات دورها كمراكز للبحث والتفكير النقدي؛ ولا توجد مؤسسات بديلة أو مستقلة تدعم البحث .”

تم إغلاق العديد من المكتبات، ومن الصعب إجراء بحوث ميدانية ودراسات استقصائية. قالت صفير “الناس ليسوا مستعدين للحديث عن بعض القضايا بسبب القمع والخوف.”

يتراوح عدد الباحثين الذين تدعمهم اتجاهات سنوياً من 10 إلى 15 باحث هم في الغالب من الشباب. يتم تعيين موجهين من ذوي الخبرة للعمل معهم وتوجيههم لإنتاج أبحاثهم بالإضافة إلى الدعم المالي على مدى 9 أشهر.

في البداية  ركز جزء كبير من البحوث على أشكال جديدة من التعبير الفني في مجالات مثل المسرح والفنون الجميلة التي انفجرت جنباً إلى جنب مع الانتفاضة السورية في عام 2011.

وبحسب الكفري، فإن اتجاهات دفعت الباحثين الذين يعملون في هذا “الفن الثوري” إلى النظر إلى التاريخ الثقافي لسوريا وتوضيح الظواهر التي يراقبونها.

الرؤية المزدوجة لإبراهيم رمضان- مختبر الفنون مؤسسة اتجاهات.

عمل الباحثون على قضايا مثل تطورالكتابة على الجدران والشعر ومسرح الأطفال والدراما التلفزيونية وكيفية تمثيل جماعات سورية معينة مثل الأكراد والتركمان وعلى استخدام الصور النمطية السياسية أو السخرية أو مقاطع الفيديو الشخصية.

في السنوات الأخيرة، قال الكفري، “أظهر الباحثون اهتماماً متزايداً بالتراث بشكل عام ، بما في ذلك التراث غير المادي مثل الحرف أو المطبخ أو الألعاب أو الأغاني. إذ تسبب الصراع في نوع من فقدان الهوية.”

تتوفر بعض الأبحاث على موقع اتجاهات الإلكتروني وتم نشر بعض الأعمال ككتب أو مختارات باللغتين العربية والإنجليزيةلكن اتجاهات لا تهتم بالنشر بقدر دعم جيل الشباب من الباحثين. ويتناول الباحثون والفنانون في عملهم بضعة أسئلة أساسية صعبة للغاية، كما يقول الكفري “كيف أضع نفسي في موضع النزاع؟ ما هو تأثير دوري؟ ما الذي يمكنني فعله للتقليل من هذه المأساة؟”

لا تستطيع اتجاهات تقديم الإجابات، لكن يمكنها على الأقل أن تعطي للفاعلين السوريين من المثقفين الوقت والمكان للاستمرار في طرح الأسئلة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام