سامية الحلبي: فنانة فلسطينية وعالمية في آنٍ معاً

/ 10-08-2018

سامية الحلبي: فنانة فلسطينية وعالمية في آنٍ معاً

نيويورك – يقع استوديو الفنانة الأميركية من أصل فلسطيني سامية الحلبي في الدور العلوي من مبنى في حيّ تريبيكا في نيويورك، وهو ملاذ بعيد عن ضوضاء نيويورك وصخبها. يغطي جدران مطبخها النمط المرقط نفسه الذي نراه في العديد من لوحاتها، كما تغطيها وسائر جدران الاستوديو رفوفٌ من الكتب والقواميس في لغات متعددة. تبرز بعضُ البطانيات الفلسطينية التقليدية المطرزة الكراسي التي وضعتها عليها، وتتدلى من السقف بعض القطع المنحوتة التي تدعوها “الحدائق المعلقة”، كما تجد بعض اللوحات المكدسة بتأنٍ على الجدران.

يدلّ ترتيب الاستوديو الزوار على أنّ مساحة العمل هذه خاصة بفنانة دقيقة في عملها بقدر ما هي دقيقة في انتقاء كلماتها.

تمارس سامية الحلبي فنّها منذ ستة عقود وهي تعيش في نيويورك منذ العام 1976. تركت مسقط رأسها القدس في العام 1948، حين كانت تبلغ من العمر اثني عشر عاماً فقط، بسبب ترحيل الفلسطينيين القسري حينها لتستقر مع عائلتها في الغرب الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية بعد بضع سنوات. حصلت على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة في الرسم من جامعة انديانا، بلومنغتون في العام 1963. لا تقتصر سيرتها المهنية الغنية على إنتاج الفن – اللوحات والرسوم والأعمال ثلاثية الأبعاد والفن المبتكر بواسطة الحاسوب – بل تمتدّ إلى الزمالات والتعليم أيضاً. فقد علّمت في معهد مدينة كانساس الفني  وجامعة ميشيغان  وكلية الفنون في جامعة يال حيث علّمت لمدة عقد وكانت المرأة الأولى التي حازت على درجة أستاذ مساعد.

عاشت سامية الحلبي معظم حياتها في الولايات المتحدة، ولكنّ جذورها الفلسطينية لازمتها طيلة حياتها المهنية. إذ ركزت معظم زمالاتها على الفن الفلسطيني، على سبيل المثال، بما فيها كتاب نُشِر في العام 2001 حول فن التحرير الفلسطيني في النصف الثاني من القرن العشرين. وغامرت عائدة إلى العالم العربي لتعرض أعمالها وتبقى متصلة بالتقاليد البصرية مثل الفن والعمارة الإسلاميَيْن.

ثلاث أمهات و ثلاثة طيور. من أعمال سامية حلبي / أيام غاليري.

تتّسم لوحاتها اليوم بكبر حجمها وبالمربعات والنقاط والدائرات والمثلثات زاهية اللون وضربات الريشة السلسة التي تجذب الناظر بصرياً مع ألوان الأرجواني والمرجاني والفيروزي والفوشيا المشبعة. وقد وُصفت لوحاتها بأنها مفرحة ومتفائلة. تحمل أعمالها أحياناً تلميحات مجازية، لكنّ السمفونية البصرية التي تتمتّع بها أشكالها وألوانها هي التي تبرهن مهارتها التقنية كفنانة والتي تظهر لمَ حازت على تقدير متزايد في العقدين الماضيين.

واجهت سامية الحلبي عدداً كبيراً من التحديات بصفتها امرأة فلسطينية. وتقول إنّه في السبعينيات لم تكن تقبل معارض نيويورك بالتعاقد معها. إلاّ أنّ هذا الرفض لم يدفعها إلى الاستسلام، بل على العكس، جعلها أكثر تصميماً على إثبات نفسها كفنانة وناشطة للقضية الفلسطينية.

قالت “حين بدأت أعلّم [في جامعة يال] في نيو هايفين، تقرب مني مهنياً العديد من التجار وكنتُ أزورهم وأبذل قصارى جهدي. حزت على اهتمام البعض منهم ولكن لم يثمر أي اتفاق من ذلك. لم يوضح لي أحد الأمور بصراحة، ولكن نظمت لي صاحبة صالة عرض معرضاً صيفياً جميلاً جداً. وباعت عدداً كبيراً من أعمالي؛ وفي نهاية الصيف، سألتها إذا ما كانت لتعرض أعمالي بشكلٍ دائم، فقالت لي: لقد أحرزت أرباحاً كبيرة معك يا سامية، ولكن يمكنني أن أعدّ الجامعين في نيويورك على أصابع يدٍ واحدة، ومعظمهم من اليهود.”

وأضافت الحلبي “قدّرت صراحتها إزاء الموضوع، ولكن كان هناك العديد من الحالات الأخرى التي كنت أرى فيها بوضوح أنّ الأمر يتعلّق بكوني فلسطينية. صار الأمر مضنياً في نهاية المطاف، فقررت أن أعدل عن المحاولة. قررت أن أعمل كفنانة بغض النظر عمّا إذا كنت أعرض أعمالي في صالة عرض أم لا، وذلك أمر جيد لأنّه [في النهاية] عليك أن تكون مفصولاً عنها.”

لذا، تنحّت الحلبي عن الساحة التجارية بالانخراط في مجالات عرض فنية مستقلة وغير باغية للربح: وتمثلها اليوم صالة عرض تملك فروعاً في دبي وبيروت.

على الرغم من انهماكها في الفن المجرّد خلال انتشار هذا النوع في نيويورك، كانت هي وفنانات أخريات غالباً على هامش اهتمام النقاد والتجار. أتت شهرة الحلبي بعدما أصبحت المتاحف تجمع أعمالها. يمكن إيجاد أعمالها اليوم في مجموعات متحف سالومون غاغينهايم للفنون في نيويورك وأبو ظبي (Solomon R. Guggenheim Museum of Art)؛ وصالة عرض جامعة يال الفنية؛ وصالة العرض الوطنية للفنون في العاصمة واشنطن؛ والمتحف البريطاني ومؤسسة برجيل للفنون في أبو ظبي، وغيرها.

مع أنّ هويتها الفلسطينية أساسية بالنسبة للحلبي، تقول إنّها تحاول أن تحرز توازناً بين ذلك ودورها الأكبر كفنانة تحاول أن تعيش في تدفق تاريخ الفن العالمي. قالت “هناك الكثير من النقاش والكلام حول الهوية ويحاول معظمها أن يفصلنا عن غيرنا ويضعنا في صناديق مغلقة مختلفة، يخدم ذلك فكر العنصرية والكره إلى حدّ ما… كما يضع في القمّة كلّ من يُعتبر عرقه مقبولاً أكثر من غيره. إذا اعتبرتُ نفسي فلسطينية فقط وحصرت نفسي بكوني فلسطينية، فسأدمر نفسي بنفسي. سأكون فعلياً وكأني أغمض عينيّ وأذنيّ أمام العالم.”

تعتقد الحلبي أنّ الحركات الاجتماعية والسياسية قادت العديد من التبدلات الأسلوبية الكبيرة والتطورات في الفن، بما فيها حركة البنائيين الروسيين الذين أتوا من الثورة الروسية، والانطباعيين الفرنسيين الذين ثاروا ضد القوانين الرصينة التي كانت سائدة في المؤسسة الفنية حينها. وينبع تركيزها على الفنّ المجرّد من اعتقادها بأنّ الفن المجرد هو بطريقة ما لغة النشاط الفعّال.

عمل باسم غسان لسامية الحلبي/جاليري أيام.

ركزّت في بعض الأحيان في عملها على القيام بملصقات للمظاهرات ورسومات مجازية كنوع من التوثيق التاريخي. أنتجت كتاباً من الرسومات يرتكز على مذبحة كفر قاسم التي وقعت في العام 1956 التي وقامت فيها شرطة الحدود الاسرائيلية بقتل مدنيين عرب كانوا في طريق عودتهم إلى منازلهم من العمل. ونفذت تلك الرسوم بعدما أجرت مقابلات مع ناجين من المجزرة وأقرباء الذين قتلوا فيها. قالت “لا أعتبرها أعمال فنية استكشافية، بل عمل توثيقي أقوم به بواسطة المهارة التي أملكها في الرسم. ستبقى جزءاً من التاريخ الفلسطيني طالما أنّه بإمكان الناس أن يقرأوا.”

إنّ تجارب الحلبي لا تقتصر على الوسائل التقليدية. إذ بدأت تعمل على الفن المبتكر بواسطة الحاسوب في أواخر الثمانينيات، فتعلّمت بنفسها لغات برمجة سي وبايزيك لتتمكن من ابتكار الفن على حاسوب أميغا. (يعرض موقعها الإلكتروني بعضاً من أعمالها الفنية ومقابلة مصورة معها حول هذا الموضوع.)

قالت “حين بدأت أرسم، أردت أن آخذ طريقاً معيناً وأن أستمرّ في التطوّر. في نهاية المطاف، حدث هذا وحصل التطوّر خطوة تلو الأخرى. قمت في بعض الأحيان بوثبات كبيرة، ولكن التغيير يأتي لأنّه لا يمكن للمرء أن يستمر بالقيام بالأمر ذاته، إلاّ إذا كان أحمقاً. حتّى إذا كنتَ ناجحاً، يصبح الأمر مملاً، ويصبح مميتاً بكلّ معنى الكلمة.”

تحضّر الحلبي أعمالاً لمعرضٍ تنفرد فيه في صالة عرض “أيام” في دبي في آذار/مارس 2019. وقد جمعها دعمُ صالات العرض في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بمجتمعٍ جديد من الفنانين العرب والهواة لتتفاعل معهم. لقد تواصلت مع آخرين يعتقدون، مثلها تماماً، أنّ الفن المجرّد ليس تعبير عن فكر الفنان فحسب بل طريقة متقدمة في تمثيل الواقع.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام