إنشاء جامعة فلسطينية في الخارج على طاولة البحث من جديد

/ 02-08-2018

إنشاء جامعة فلسطينية في الخارج على طاولة البحث من جديد

أعتقد أن أحد أعظم أرصدة فلسطين تتمثل في مؤسسات التعليم العالي. فطوال عقود من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، لم تنجح الجامعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في البقاء فحسب، لكنها نمت بقوة أيضاً. وبينما توجد بعض الصناعات – مثل الزراعة، والإنشاءات، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والصناعات الخفيفة، والسياحة، من بين أمور أخرى – ممّا يدرجه الاقتصاديون دائما في خططهم لاقتصاد فلسطين المستقبلي، يتجاهل الاقتصاديون أكثر أنشطتنا نجاحاً. من شأن توفير تعليم عالي جيد أن يضيف قيمة إلى اقتصادنا ومجتمعنا، لأن التعليم في ظل الضغوطات هو موطن قوة فلسطين.

على ضوء ذلك، قمتُ وعدد من الأكاديميين ممّن يشاطرونني طريقة التفكير بتشكيل مجموعة على موقع لينكد إن باسم “الشبكة الأكاديمية من أجل فلسطين“، وهي مجموعة مكرسة لفكرة واحدة: الاستفادة من الخبرات الواسعة لمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة لإنشاء جامعة خارج فلسطين لجميع الفلسطينيين المهجرين وأولئك المنضوين تحت حركة التضامن الفلسطينية في الخارج، والممنوعين من قبل إسرائيل من حضور الجامعات الفلسطينية في فلسطين. باختصار، نحن نهدف إلى تصدير التعليم العالي الفلسطيني للفلسطينيين.

تضم المجموعة الآن ما يقرب من 200 عضو، بما في ذلك باحثين من فلسطين ومن داخل وخارج المنطقة العربية.

تمثلت فكرتنا في أن فلسطين لن تتحرر من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ولن تنتهي القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وتواصلهم في أي وقت قريب، لذلك ليست هناك فائدة من انتظار توافر ظروف أفضل. ناقشنا، ومن ثم رفضنا، فكرة افتتاح فرع لجامعة الضفة الغربية في غزة أو في منطقة الجليل في إسرائيل. لقد رفضنا هذه الفكرة لأن فرع لحرم جامعة من هذا النوع سيكون متاحًا للطلاب في مكان واحد فقط. كما أن القيام بذلك سيكون بمثابة الرضا عن التجزئة القسرية لشعبنا، ومن شأنه أن يسهم في مزيد من تفكك نسيجنا الاجتماعي والسياسي مستقبلاً، مما يهدد مشروعنا الوطني ككل. تهدف مبادرتنا إلى المساهمة في بناء جيل من الفلسطينيين الذين سيكونون قادة الغد، لكن، من دون القيود الجغرافية المفروضة عليهم من قبل المحتل العسكري الأجنبي.

ستجمع الجامعة التي نتصورها، لأول مرة منذ العام 1948، الطلاب الفلسطينيين من الأراضي المحتلة (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) وطلاب فلسطينيين من داخل إسرائيل ومن جميع أنحاء المنطقة (اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن وأماكن أخرى) وفلسطينيي الشتات.

بالإضافة إلى هذا المزيج، سيكون هناك الأجانب المتضامنين مع الكفاح الفلسطيني، والذين سينضمون إلينا بصفة طلاب أو كجزء من الكادر التعليمي. سمحتُ وأعضاء مجموعتنا لأنفسنا بتصور هذا المجتمع المفاهيمي يوما بعد يوم.

اخترنا جمهورية قبرص كموقع للجامعة المقترحة. لأن قبرص جارتنا الجغرافية في المشرق ولديها تاريخ من العلاقات التجارية والسياسية والثقافية الوثيقة مع العالم العربي. ولكونها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، فإنها تتبع معايير التعليم في الاتحاد. كما إنها ليست تحت اليد الثقيلة للحكومات العربية.

كما سعينا لإيجاد نموذج أكاديمي يوفر التعلم المرن والشخصي، وقد قادنا هذا إلى جامعة كويست كندا، أول جامعة علمانية مستقلة وغير ربحية في كندا. استخدمنا ما تعلمناه منهم لوضع خطة لأول جامعة فلسطينية خارج فلسطين. ستكون جامعة مستقلة وعلمانية ومختلطة، تجمع ما بين أفضل عناصر مجموعة متنوعة من أنظمة التعليم؛ وستلتزم بمعايير عالية الجودة وتكون عالمية في نظرتها الفلسفية، وكل ذلك مقترن بأساس محلي ومكرسة لتوحيد الفلسطينيين وغيرهم في مؤسسة واحدة للتعليم العالي.

تاريخ فكرة

لم تكن فكرتنا فكرة جديدة. حيث أن فكرة إنشاء جامعة فلسطينية مثل تلك التي نتصورها كانت قد اقترحت قبل عدة عقود – ولمرتين وليس لمرة واحدة فقط.

وفقاً للسجلات التي عثرت عليها في مركز البحوث الفلسطيني (أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية، والمحفوظ في قبرص منذ العام 1983)، ظهرت فكرة إيجاد جامعة للفلسطينيين حيثما كانوا لأول مرة في أوائل السبعينيات، بعد بضع سنوات من احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. (نُشر تقرير مطول عن هذا البحث في وقت سابق من هذا الشهر على موقع جدلية.)

ففي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وصف مقال في مجلة الشؤون الفلسطينية، نُشر بعنوان “الجامعة العربية المقترحة في الضفة الغربية“، جهداً في عام 1972 لمجموعة تعرف باسم مؤسسة التعليم العالي العربية لتأسيس مؤسسة في الضفة الغربية من شأنها توظيف أساتذة من الدول العربية والدول الأخرى. وكان من المفترض أن يكون للجامعة المقترحة وجود في العديد من مدن الضفة الغربية – كلية الحقوق في رام الله، وكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في نابلس، وكلية العلوم الطبيعية والزراعة في طولكرم، وكلية الدراسات الإسلامية في الخليل. وكانت المرحلة الأولية ستخدم حوالي 1,000 طالب وطالبة. وقد حصلوا على الإذن، في البداية، من الحاكم العسكري الإسرائيلي ومن وزير التعليم والثقافة الإسرائيلي، إيغال آلون. لكن الخطة انتهت وسط خلافات سياسية متعددة من جميع الأطراف.

بعد ثلاث سنوات أو أكثر، تم بذل جهد أكثر فاعلية عندما قامت منظمة التحرير الفلسطينية بإحياء القضية. حيث طالبت المنظمة اليونسكو بإعداد دراسة جدوى لإنشاء نظام تعليم مفتوح للفلسطينيين. في عام 1976، أصدرت مجموعة العمل التابعة لليونسكو، بقيادة إبراهيم أبو لغد، الأستاذ والمفكر الفلسطيني البارز، تقريراً أصدر توصيات لا تزال قائمة حتى اليوم.

كتب أبو لغد “في أي مكان اليوم، لا يتدرب الفلسطينيون وفق منهج من تصميمهم الخاص، ولا يقدّم أي تدريب أكاديمي للفلسطينيين في أي مكان اهتمامًا خاصًا ومجديًا وبصورة حرة بهويتهم الوطنية وتراثهم وتطلعاتهم.”

كانت الدورات التي ستُدرس في ما كان يُسمى بالجامعة الفلسطينية المفتوحة ستخدم احتياجات الشعب الفلسطيني وثقافته. كتب أبو لغد “على سبيل المثال، يجب أن يشجع نظام القيم المنضوية في إطار الجامعة الفلسطينية المفتوحة المهندس الزراعي على الإقامة في المناطق الريفية بدلاً من أن يصبح بيروقراطياً حضرياً يصدر الأوراق حول الزراعة. وبالمثل، في مجال العلوم الاجتماعية، يجب أن تكون المهن التي يجب تدريب الطلاب عليها في المؤسسات الصغيرة: البلديات، ومكاتب المقاطعات، ومجالس المياه والكهرباء، والشركات الصغيرة ، إلخ.”

في الوقت ذاته، كان سيطلب من الطلاب الالتحاق بدورات ذات صلة في المواد الإنسانية. كتب أبو لغد “الهوية الفلسطينية والتراث الثقافي وجوانب الثقافة الفلسطينية المرتبطة بالثقافة العربية ككل هي على وجه التحديد الأمر المفقود في المنهج الذي يتعلم الفلسطينيون من خلاله اليوم.”

في عام 2018، لم تكن مؤسسات التعليم العالي العاملة في فلسطين، في ظل الاحتلال العسكري، في موقع يؤهلها، لا سيما من الناحية المالية، لتحمل مسؤولية تعليم الفلسطينيين في الخارج. كان المرء سيتوقع من وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أن تضطلع بهذه المهمة، لكن ذلك كان بمثابة تفكير حالم. على الرغم من أننا التقينا بالوزير ورحب بفكرتنا، إلا أن صلاحياته كانت مقتصرة على قطاع التعليم الفلسطيني في ظل الاحتلال.

خطتنا مطلوبة الآن بقدر ما كانت في السابق. أما بالنسبة لكيفية الدفع لتحقيقها، فإن مسؤولية تعليم جميع الفلسطينيين ينبغي أن ترتبط بشكل كامل بمنظمة التحرير الفلسطينية. فعلى الرغم من كل عيوبها، لا تزال منظمتنا الجامعة.

سام بحور، هو الشريك الإداري في إدارة المعلومات التطبيقية (AIM)، ومحلل للسياسة مع الشبكة: شبكة السياسة الفلسطينية، وعضو في أمانة المجموعة الإستراتيجية الفلسطينية، ورئيس مجلس إدارة منظمة أميركيون من أجل اقتصاد فلسطيني نابض بالحياة. له مدونة على موقع epalestine.com ويمكن متابعته على تويتر على  Twitter:SamBahour




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د.خالد شبيب:

    اكتب حالي بحثا في هذا الموضوع واومن اشد الايمان بفكرة الجامعه التي تطرحها.. كما تطرحها . واكبت فكرة الجامعه المفتوحه في السبعينات عن بعد

    هل يمكنني الاطلاع على دراستي الجدوى (1980 و 2015)؟ ؛اولت عبثا الحصول عليهما؟

    تحياتي
    خالد


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام