كيف يندمج اللاجئون اليافعون في الصفوف الأميركية

/ 16-07-2018

كيف يندمج اللاجئون اليافعون في الصفوف الأميركية

ملاحظة المحررين: يأتي المقال أدناه ضمن سلسلة من المقالات عن الكتب التي تم تأليفها من قبل اللاجئين أو تتحدث عنهم.

لم تعد قصص اللاجئين، على الرغم من اختلافها وتنوعها، تثير الكثير من الانتباه. فخلال العامين الماضيين، سلطت العديد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية الضوء على حكايات اللاجئين بما فيها من صعوبات وتحديات ونجاحات وإخفاقات أيضاً. وعلى الرغم من استمرار الحروب والنزاعات المسلحة في مختلف بقع العالم، إلا أن تراجع أعداد اللاجئين الواصلين إلى أوروبا، تسبب في تراجع أخبار اللاجئين إلى الصفحات الداخلية في العديد من الوسائل الإعلامية. لكن صحافية أميركية أثرت الاستمرار في متابعة وتوثيق حياة مجموعة من اللاجئين من جنسيات مختلفة في بلدهم الجديد، أمريكا، ليس في قصة صحفية هذه المرة ولكن في كتاب من 400 صفحة.

ترصد هيلين ثوربي، في كتابها  الوافدون الجدد: العثور على المأوى، والصداقة، والأمل في الصفوف الدراسية الأميركية حياة 22 لاجئ في عمر المراهقة خلال عامهم الدراسي الأول في المدرسة الثانوية الجنوبية في دنفر حيث يدرسون اللغة الإنجليزية. وصل هؤلاء اليافعون، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 14 و18 عاماً، من أفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأمريكا الوسطى إلى الولايات المتحدة بصورة قانونية لكن دون أي إلمام كاف باللغة الإنجليزية أو معرفة حقيقية بالثقافة الأميركية. بعضهم جاء مباشرة من مخيمات اللاجئين، وبعضهم وصل دون ذويهم الذين فقدوهم بطريقة مأساوية، لكن وجود معلم متفهم وذو خبرة سيساعد هؤلاء الشباب على الانخراط بالتدريج في مجتمعهم الجديد بثقة لطالما افتقدوها.

كتبت ثوربي في مقدمة كتابها “هذا الكتاب ليس عمل أدبي، أمضيت عاماً ونصف داخل المدرسة الثانوية الجنوبية في دنفر وقمت بتوظيف 14 مترجماً لمساعدتي على إجراء اللقاءات باللغة الأم للطلاب. قمت بتغيير أسماء 4 شخصيات فقط، عدا ذلك كل ما يرد في الكتاب حقيقي.”

ربما أستطيع أنا التأكيد على صدقية كل ما ورد في الكتاب، فقد سبق لي زيارة دنفر مرتين. ومازلت أذكر إعجابي باللطف غير المبالغ فيه لسكانها وتنوع أعراقهم وترحابهم بالغرباء وهو ما تسرده ثوربي في كتابها بدون تكلف أو محاباة. كما أنني التقيت خلال سنوات عملي الماضية في تغطية قضايا تعليم اللاجئين بالكثير من الشباب واليافعين العرب ودونت الكثير من معاناتهم في سبيل الوصول إلى ملاذ أمن بعيداً عن بلادهم التي دمرتها الحرب ومن ثم كافة الصعوبات التي تعترض طريقهم للاندماج في مجتمعاتهم الجديدة سواء من ناحية صعوبات استكمال دراستهم (اقرأ التقرير ذو الصلة: عندما تنتهي أحلام الطلاب السوريين بسبب ورقة) أو الحصول على عمل لائق بصورة قانونية والممارسات العنصرية ضدهم والسياسات التمييزية (اقرأ التقرير ذو الصلة: أبواب مواربة أمام عمل السوريين في لبنان والأردن) بالإضافة للكثير من المشكلات النفسية الناجمة عن انفصالهم عن ذويهم وفقدانهم لبيوتهم وأحبتهم وذكرياتهم أيضاً. لذلك بدت قصص اللاجئين في كتاب ثوربي شديدة الواقعية بالنسبة لي، لأني سمعت وشاهدت وكتبت عن عشرات القصص المماثلة. فعلى سبيل المثال، تتقاطع معاناة يسبث من السلفادور مع مشاكل الشقيقتين مريم وجاكلين من العراق والأخوة ميتوسيلا وسليمان من جمهورية الكونغو الديمقراطية. وبينما يبدي البعض منهم تفوقاُ ملحوظاً في الصف الدراسي بسبب إلمام سابق باللغة الإنجليزية يعاني أخرون من صعوبات في التعلم وتكوين صداقات في الصف المزدحم وهو ما يبرز أهمية التعامل مع مشكلة اللجوء واللاجئين كحالة إنسانية وليس كوضع طارئ أو مأزق سياسي.

توقفت مطولاً عند اهتمام ثوربي بتسليط الضوء على جهد إيدي وليامز، المعلم الموهوب والمخلص والذي لا يدخر جهداً ولا صبراً لتعليم الطلاب وأيضاً احتضانهم كسكان جدد. إذ يكشف أسلوب تعامل المعلم وليامز مع طلابه في الصف وخارجه أهمية ودور الأساتذة المتدربين في تعليم اللاجئين ومساعدتهم على الارتياح والاندماج في مجتمعهم الجديد بسهولة وثقة.

كما لم تكتف ثوربي بقضاء عام دراسي كامل مع الطلاب وأستاذهم في المدرسة، بل سعت أيضاً إلى زيارة الطلاب في منازلهم للحصول على موافقة ذويهم بالتحدث معهم وأيضاً للتعرف عن كثب عن حياتهم السابقة. إذ تفرد الكاتبة مساحات كبيرة لتفاصيل حياة هؤلاء اليافعين قبل وصولهم لأمريكا، كما تغرق في سرد تفاصيل حياتهم الجديد في الصف وسبل تواصلهم اللغوي مع بعضهم البعض. ففي البداية، يبدو التواصل صعباً ونادر الحدوث. لكن مع مرور الوقت، يبدأوا باستخدام ترجمة غوغل ليس للترجمة عن أو من الإنجليزية بل للترجمة من لغاتهم الأم للغة زملائهم الأم متجاهلين تماماً اللغة الإنجليزية التي جمعتهم في الصف الدراسي. وليتمكنوا في نهاية الفصل الدراسي من التواصل باستخدامها بطريقة رائعة بفضل صبر أستاذهم ودأبهم على تحفيزهم لاستخدامها.

وفي إطار حرص الكاتبة على مصداقية سردها، تشير مراراً وتكراراً إلى تجربتها الشخصية كأميركية ذات أصول إيرلندية وكيف أن حكاية عائلتها للوصول والعيش والاندماج في الولايات المتحدة لا تختلف في جوهرها عن حكايات هؤلاء اليافعين الذين لم يختاروا يوماً اللجوء لكنهم وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها لاجئين بل إن البعض قد تعرض لتجربة اللجوء لأكثر من مرة. فالشقيقتين مريم وجاكلين لجأوا مع والديهما لدمشق عند الغزو الأميركي للعراق، ثم اضطروا لمغادرة سوريا نتيجة الحرب فيها إلى تركيا ومنها غادروا مجدداً ليحل بهم المطاف في أمريكا.

وعلى الرغم من صعوبات الاندماج الجديد بالنسبة للشقيقتين، إلا أن حكاية مترجمة اللغة العربية التي استعانت بها ثوربي للتواصل مع الأختين العراقتين تبعث على الأمل. فقد وصلت المترجمة أيضاً للولايات المتحدة كمهاجرة مع ثلاثة أطفال وكانت الحياة قاسية بالنسبة لهم جميعاً لكنهم لاحقاً تمكنوا من تجاوز ذكريات الماضي وصعوبات الاندماج في مجتمع جديد ومختلف ليدرس اثنين من أطفالها الطب ويختار الأخر الهندسة.

مع ذلك، لا يبدو أن جرعة الأمل التي تقدمها الكاتبة عبر تجربة شخصيات كتابها في خلق حياة جديدة ستستمر. فقد أنهيت قراءة الكتاب مع تأييد المحكمة العليا في الولايات المتحدة قرار حظر السفر، الذي أصدرته إدارة الرئيس دونالد ترامب سابقاً ونص على منع مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة من دخول البلاد، مما يعني منع دخول وافدين جدد وحرمانهم من العثور على المأوى، والصداقة، والأمل في الصفوف الدراسية الأميركية.

لا تترددوا في قراءة هذا الكتاب، للحصول على جرعة أمل مؤقتة.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام