fbpx


في رثاء مدافعة شرسة عن حقوق اللاجئين

/ 18-07-2018

في رثاء مدافعة شرسة عن حقوق اللاجئين

“لا بد أن تكون السماء هي التي أرسلتها إلينا.” كانت تلك هي الكلمات الأولى التي قرأتها عن باربرا هاريل بوند قبل أن تتاح لي فرصة مقابلتها شخصيًا.

قيلت تلك الكلمات من قبل لاجئ ليبيري، وتم طبعها في لمحة عن حياتها نشرت عام 2003 في صحيفة الأهرام الأسبوعية. قرأت تلك اللمحة الشخصية بعد ما يقرب من عامين من نشرها، وقبل أيام من قدومي إلى القاهرة، حيث كنت أعمل في منظمة المساعدة القانونية التي ساهمت باربرا في تأسيسها.

كان لقائي الحقيقي الأول مع باربرا في شقتها في حي جاردن سيتي، والتي تقع على بعد خطوات من مكتب منظمة المساعدة القانونية ذاتها. وبينما كانت تنفث الدخان في وجهي (إذ كانت مدخنة أسطورية)، سألتني بصوتها الغامض، “إذن أنت تعتقدين بأن في إمكانك إنقاذ العالم؟ آمل ألا تخططي للنوم كثيرًا.”

بالطبع لم تكن لدي أي ادعاءات بخصوص إنقاذ العالم، لكن لقائي بباربرا وتعرفي عليها أكد لي كيف أنني لم أكن جاهزة للقيام بذلك.

عملت لمدة ثلاث سنوات مع منظمة أفريقيا والشرق الأوسط لمساعدة اللاجئين، أو AMERA، وهي جمعية خيرية لدعم اللاجئين أسستها باربرا. في الساعات التي لا تعد ولاتُحصى التي قضيتها في شقة باربرا، والتي تعد بمثابة منزل ومكتب ومكان لاجتماعها مع الطلاب والمتدربين والمتطوعين واللاجئين، أدركت السبب الذي من أجله قال اللاجئ الليبيري ما قاله عنها في مقال صحيفة الأهرام.

كانت باربرا مناصرة دؤوبة للاجئين. فقد فتحت أبوابها وقلبها لكل شخص اعتقدت أن في إمكانها مساعدته. وكانت تتوقع ذات المستوى من التفاني والالتزام من أولئك الذين عملت معهم. دخلت في كثير من الجدال معها بعد كل مرة تلقيت فيها مكالمة هاتفية أو رسالة نصية من شخص في الساعة الثالثة صباحاً طلبًا للمساعدة، لأكتشف بأن باربرا قد أعطتهم رقم هاتفي الشخصي. كنت أقول لها، “باربرا، أنا لست مثلك. أحتاج لفصل حياتي الشخصية عن حياتي العملية.” لكنها كانت تصرفني بحركة من يدها قائلة “يبدو أنه من اللطيف امتلاك مثل هذا الترف.”

ولدت بربارا هاريل بوند، الأميركية المولد، في ولاية داكوتا الجنوبية، ودرست الموسيقى في كلية آسبوري في كنتاكي، حيث عاشت ودرّست الموسيقى قبل أن ترافق زوجها في ذلك الوقت إلى المملكة المتحدة. في المملكة المتحدة، بدأت دراستها للأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة أكسفورد.

في عام 1982، أسست مركز دراسات اللاجئين في جامعة أكسفورد وقامت بإدارته لمدة 14 عامًا. حصلت على وسام الإمبراطورية البريطانية في عام 2005 لعملها في مجال اللاجئين وكانت قد حازت على جائزة فرانز بواس للخدمة المثالية في مجال الأنثروبولوجيا التي منحتها إياها الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا.

أجرت هاريل بوند عملها الميداني في سيراليون ونشرت ذلك البحث في كتابها الأول “الزواج الحديث في سيراليون”. وخلال فترة تواجدها في غرب أفريقيا، وقعت الحرب الأهلية بين نيجيريا ودولة بيافرا الانفصالية، وكان لمشاهدتها نزوح الناس والأزمة الإنسانية الناجمة عن تلك الحرب الدور في تحويل اهتمامها إلى دراسات اللاجئين.

اعتمد كتابها “فرض المعونة: المساعدة الطارئة للاجئين”، على عدة أشهر من العمل الميداني بين اللاجئين الأوغنديين في السودان، واستطلاعات لنحو 6,000 من أسر اللاجئين المقيمين في المخيمات وخارجها. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه المنظمات الإنسانية نفسها وكان يُنظر إليها باعتبارهم “منقذين” إيثارين خارج نطاق اللوم، انتقدتهم هاريل بوند على أنهم عرقيين وأبويين ومسؤولين عن إدامة حلقات التبعية. وفي كتاب، “الحقوق في المنفى: الإنسانية بوجه جانوس”، كشفت هاريل بوند والمساهمين في تأليف الكتاب معها الفجوة بين معايير حقوق الإنسان وتفويض المنظمات الدولية والواقع الذي يعيشه ملايين اللاجئين في المنفى، لا سيما أولئك الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين، وأولئك الذين يعيشون على الهوامش في السياقات الحضرية.

على الرغم من أن فكرة اتباع نهج قائم على الحقوق فيما يخص مساعدة اللاجئين قد لا تبدو جديدة اليوم، إلا أن باربرا كانت واحدة من أوائل المدافعين عنها وأعلاهم صوتا، في الوقت الذي تصرّف فيه العديد من العاملين في القطاع الإنساني (ولا يزال البعض يقومون بذلك للأسف) كما لو أن على اللاجئين أن يكونوا ممتنين لأية مساعدة يتم منحها. كانت باربرا من بين أول من ذكروا بأن على البرامج التي تهدف إلى مساعدة اللاجئين أن تدعوا لمشاركة اللاجئين أنفسهم، وأن يكون للاجئين سلطة ووكالة ولا يمكن اعتبارهم مجرد متلقين سلبيين للمساعدات.

بسبب انتقاداتها وموقفها المزدري في حينها لمواقف المنظمات الإنسانية، ولاسيما مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، اكتسبت هاريل بوند العديد من النقاد. فمقابل كل لاجئ، مثل الليبيري الذي رآها ملاكاً، كان هناك شخص ينكمش  لرؤية رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية شبه المتواصلة الخاصة بها. غالباً ما كانت تضيف بريدي الالكتروني في هذه الرسائل الإلكترونية، لأجد نفسي فجأة متورطة في جدال مع موظفي المفوضية في جنيف بشأن الملفات التي تقول باربرا إنها لا تتحرك بسرعة كافية.

كرست باربرا العقدين الأخيرين من حياتها لتطوير برامج المساعدة القانونية للاجئين في الجزء الجنوبي من العالم، والتي رأت بأنه أمر حيوي لقدرتهم على تحقيق وممارسة حقوقهم الأخرى. كانت متحمسة بشكل خاص لتطوير هذه البرامج خارج أميركا الشمالية وأوروبا، لأن جنوب العالم هو المكان الذي يقيم فيه غالبية اللاجئين في العالم، وفي أوضاع تطول بشكل متزايد، حيث معظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية للاجئين غير محققة.

عندما وضَعَت برنامج المساعدة القانونية الذي عملتُ فيه في مصر، كان من المهم للغاية بالنسبة لها أن تقوم المنظمة بتوظيف أكبر عدد ممكن من المحامين المصريين. أنشأت برنامج دراسات اللاجئين في الجامعة الأميركية بالقاهرة، على أمل جذب المزيد من الطلاب المصريين إلى الميدان. كما تضمن البرنامج ندوات أسبوعية ودورات تدريبية مكثفة رحبت فيها بمشاركة اللاجئين وحثت عليها.

على الرغم من مغادرة باربرا للقاهرة عام 2008 و”تقاعدها”، إلا إنها عملت بلا كلل حتى النهاية. فقد كرست السنوات الأخيرة من حياتها لبناء حركة عالمية لحقوق اللاجئين من خلال تطوير مركز المعلومات المركزي، “حقوق في المنفى”. على الرغم من أنني لم أر الكثير من باربرا بعد أن غادرت القاهرة، إلا أن صندوق البريد الخاص بي استمر في الامتلاء برسائل بريد إلكتروني من طرفها. كانت بعض رسائل البريد الإلكتروني جماعية، فيما كتب البعض الآخر لي بشكل خاص. على مدى السنوات القليلة الماضية، عملت في عدد من البلدان، وحيثما وجدت نفسي، كانت باربرا على يقين من أنها ستجدني لترسل لي لاجئًا بحاجة إلى المساعدة عن طريقي.

عملت باربرا هاريل بوند كمرشدة وملهمة لعدد لا يحصى من الطلاب والممارسين في مجال قانون اللاجئين الآن. وكانت جهودها الرامية إلى سد الفجوة بين عالم صانعي السياسات والممارسين والأوساط الأكاديمية فريدة من نوعها ولا تقدر بثمن.

لم أكن أتفق دائماً مع نهجها عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الوكالات الدولية، والتي شعرتُ بأنها كانت تعارضها أحياناً إلى حد الإضرار بمصالح العملاء، لكنني تفهمت أيضاً مصدر إحباطها. إذ رأت نفسها بمثابة صوت لمن لا صوت لهم، وبمساعدة الرب كانت ستستخدمه. لا تزال هاريل بوند مصدر إلهام في عملي حتى اليوم، وسأفتقدها بشدة ومرارة.

بارستو هاسوري، باحثة ومستشارة مستقلة تركز على قانون اللاجئين والهجرة وتعيش في القاهرة منذ أيلول/سبتمبر 2005.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام