مشاكل المياه وراء انعدام المساواة في تونس

/ 07-06-2018

مشاكل المياه وراء انعدام المساواة في تونس

ولاية باجة، تونس – على بعد بضع ساعات بالسيارة من تونس، عاصمة البلاد ذات الطابع العالمي، تقع مدينة مجاز الباب، وهي بلدة إقليمية تعتمد في دخلها على الزراعة منذ العصر الروماني.

لا تزال التلال المحيطة بالمكان مغطاة بحقول القمح والمحاصيل الأخرى مثل البطيخ الاحمر، لكن الظروف تصبح أكثر صعوبة بالنسبة لمزارعي المنطقة. يُلقى باللوم في ذلك على سوء إدارة المياه، بحسب حاتم الجمالي، الخبير الاقتصادي والاجتماعي في جامعة منوبة، والذي يدرس انعدام المساواة والفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أصبحت أشهر الصيف أكثر حرارة في تونس. فقد كان متوسط درجة الحرارة في تموز/ يوليو بين عامي 1991 و2015 أكثر حرارة بمقدار 2.3 درجة مئوية عما كان عليه الحال قبل 90 عاماً بحسب بيانات البنك الدولي.

كما يصعُب أيضا التنبؤ بتساقط الأمطار، الأمر الذي يختلف بشكل كبير من سنة إلى أخرى. على سبيل المثال، وبحسب مجموعة بيانات أخرى من البنك الدولي، فإن كمية الأمطار التي تلقتها تونس في عام 2002 كانت أقل بنسبة 98 في المئة عمّا كانت عليه في العام التالي.

لا تعتبر تونس استثناءً بين دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط في مواجهة هذه المشكلة، حيث تعاني البلدان في جميع أنحاء المنطقة من ندرة المياه، ومن المتوقع أن يزداد الأمر سوءً نتيجة لتغير المناخ.

يتسبب النقص في المياه في المناطق الداخلية في تونس في تقليل غلة المحاصيل، وبالتالي هوامش ربح المزارعين، وهذا أمر سيء بالنسبة للمنطقة ككل لأن الزراعة هي حجر الأساس للاقتصاد الإقليمي. يعتقد الجمالي بأن ندرة المياه تعمل على توسيع الفجوة الاقتصادية بين المناطق الساحلية الغنية نسبيا في البلاد والمحافظات الداخلية الأكثر حرمانًا.

حاتم الجمالي وعمر ناصي عند بحيرة اصطناعية في الأجزاء الداخلية من تونس.)الصورة: بنجامين بلاكيت)

وفي دراسة حديثة، استخدم الجمالي بيانات من دراستين مسحيتين وطنيتين لرسم الآفاق الخاصة بالأطفال دون سن 18 في تونس. درس الباحث نسب الالتحاق بالمدارس الابتدائية، والحضور في المدارس الثانوية واحتمالية إكمال التعليم في الوقت المحدد. في ظاهر الأمر، تظهر النتائج تحسنا في الوضع عند النظر إلى البلد ككل، لكن هناك تباينات متزايدة بين المناطق المختلفة في تونس، حيث تتخلف المناطق الداخلية عن سواها.

وفي ورقة بحثية سابقة، استخدم الجمالي مقياسًا يجمع بين البيانات المتعلقة بالرفاه الاقتصادي وإمكانية الوصول إلى المياه. تظهر نتائجه بأن توزيع ما يعرف باسم “الفقر المائي” أكثر شيوعًا في المناطق الداخلية مقارنة بالمناطق على طول الساحل، على الرغم من أن المناطق الداخلية تشهد تساقط كميات أعلى من الأمطار.

قال الجمالي “هناك تفاوت إقليمي كبير وأعتقد بأنه كان أحد أسباب ثورة 2011. يتحدث الناس علانية عن ثورة ثانية هنا.”

يتفق خبراء آخرون على أن لندرة المياه تأثير اقتصادي خطير بالنسبة للتونسيين في المناطق الريفية.

يقدر هيثم بحري، الباحث في المعهد الوطني للبحوث في الهندسة الريفية والمياه والغابات بتونس، حصول مزارعي القمح والحبوب في تونس على 10 إلى 20 في المئة فقط من العائد الذي يمكن أن يحققوه فيما لو كانت المياه، من بين أمور أخرى، تُدار بشكل أفضل.

قال بحري “نحن بحاجة إلى إدارة أفضل لعملية جمع مياه الأمطار.”

في الريف الواقع خارج مدينة “مجاز الباب”، يشير عمر ناصي، صديق الجمالي، إلى بحيرة اصطناعية صغيرة.

يعمل ناصي مشرفًا على شبكة المياه المحلية لصالح الشرطة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في تونس – وتتمثل مهمته في التأكد من وصول المياه إلى منازل الناس في هذا الجزء من البلاد.

بحيرة اصطناعية في المناطق الريفية بتونس. (الصورة: بنجامين بلاكيت)

تم إنشاء البحيرة عن طريق بناء حاجز صغير من الحجر في واد بين تلين بهدف حجز مياه الأمطار الجارية على السطح، وهو ما يوفر بعض العون للحقول القريبة التي تعاني من شحة المياه.

قال ناصي “أود أن تقوم الحكومة ببناء مثل هذه البحيرات في كل مكان والمزيد من السدود أيضًا.”

كما يود الجمالي وناصي أن تستثمر الحكومة في تحسين البنية التحتية لإدارة المياه للمزارعين. ففي مزرعة قريبة من البلدة، يشير الباحثان إلى حقل لزراعة البطيخ الاحمر مزود بأنابيب بلاستيكية تمتد بمحاذاة المحصول. تستخدم هذه الأنابيب لتقطير مياه الري – وعادة ما يتم ذلك ليلاً عندما يكون التبخر أقل. كما تتم تغطية الجذور أيضًا بالبلاستيك للحفاظ على رطوبة التربة قدر الإمكان.

قال ناصي “يقلل هذا النوع من الري بالتنقيط من كمية المياه التي تضيعها الزراعة لأنه دقيق للغاية.”

مع ذلك، يقول الجمالي “الأمر ليس رخيصا، ولا يستطيع معظم المزارعين تحمل تكاليف ذلك.”

وبالعودة إلى تونس العاصمة، يؤكد بحري بأن المياه ليست المشكلة الوحيدة. إذ قال إنه ومع تساوي معدلات تساقط الأمطار، فإن نماذج كومبيوتره لا تزال تظهر بأن مواسم الحصاد في تونس يمكن أن تكون أقل بمقدار أربع إلى خمس مرات مقارنة بالدول الأخرى.

بالإضافة إلى تحسين إدارة المياه، هناك أمور أخرى بإمكان المزارعين القيام بها بهدف زيادة محاصيلهم، بحسب بحري. فعلى سبيل المثال، إذا ما غيّر عدد أكبر من المزارعين المحاصيل التي يزرعونها في حقولهم كل عام، فسيكون من الصعب على الآفات الزراعية تثبيت وجودها.

ويضيف بأن في إمكان المزارعين أن يكونوا أفضل تعليماً للحصول على أقصى استفادة من بنيتهم التحتية. قال “حتى أولئك الذين يتوفر لديهم نظام الري بالتنقيط لا يضبطونه في الوقت المناسب، فهو غالبا ما يترك لينقط باستمرار.”

قال الجمالي “يجب أن تكون معالجة مشاكل المياه في تونس على رأس أولويات الحكومة. إذا ما قمت بتقليل الفقر، فإنك ستواجه الكثير من المشاكل الأخرى، لأنه يرتبط بالعنف ومشاكل التعليم والصحة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام