دور الجامعات في إعادة إعمار الأمم بعد الحروب

/ 01-06-2018

دور الجامعات في إعادة إعمار الأمم بعد الحروب

“في جهود إعادة إعمار البلدان التي مزقتها الحروب، لطالما تجاهل صناع السياسات والمخططون واحدة من أقدم المؤسسات في المجتمع المعاصر – التعليم العالي.”

هذا هو البرهان الذي يقدمه كتاب “التعليم العالي والتعافي في فترة ما بعد الصراع” لسانسوم ميلتون، احد كبار الزملاء الباحثين في مركز دراسات النزاعات والعمل الإنساني في معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر.

يعتقد الكاتب بأن في إمكان مؤسسات التعليم العالي أن تلعب دوراً قيماً في إعادة بناء المجتمعات في أعقاب الحرب على المدى القصير والطويل. إذ دعم القضية باستخدام أمثلة حديثة من جميع أنحاء العالم، مع تركيز حاد بشكل خاص على أدلة من العراق ولبنان وليبيا وفلسطين وسوريا.

يكتب ميلتون بأن الحكمة التقليدية حول التعافي في مرحلة ما بعد الصراع فد فضلت التعليم الابتدائي على حساب التعليم العالي. فمنذ الثمانينات فصاعداً، أقرض البنك الدولي الأموال لإعادة الإعمار استنادا إلى “تحليل معدل العائد”: وقد كان التعليم الابتدائي أكثر احتمالية لإنتاج أفراد قادرين على كسب المال مقارنة بالتعليم العالي. لكن، وبحلول القرن الحالي، لم تعد هذه السياسة محل تأييد. وقد تبيّن بأن النتائج غير مقنعة من الناحية العملية، لاسيما مع ازداد الوعي بقيمة أهداف إعادة الإعمار التي لم تكن مقتصرة على الأهداف الاقتصادية بشكل محدود، وقد تضمن ذلك إعادة النظر في دور التعلم العالي.

يعتبر هذا الكتاب بمثابة تحليل يستعرض التجارب السابقة بشكل رجعي بقدر كونه توصية مستقبلية للسياسات.

من الناحية التاريخية، أظهر ميلتون بأن البلد المانح كان يساعد شابًا بالغًا من خلال تقديم منحة للدراسة في إحدى الجامعات في الدولة المانحة، وليس في جامعة في بلد الطالب نفسه. وبينما قدم هذا النوع من الدعم الفائدة لآلاف الأشخاص الموهوبين، إلا أن العديد من المستفيدين لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية بمجرد اكتمال تعليمهم، والنتيجة هي “هجرة العقول”.

ردًا على ذلك، ظهر، في السنوات الأخيرة، عدد من المنظمات غير الحكومية – ولا سيما سبارك، التي تمولها حكومة هولندا إلى حد كبير، حيث تقدم منحًا للدراسة في المؤسسات في مناطق ما بعد الصراع. ويمكّن هذا النهج الخريجين من البقاء في بلدهم الأم، أو على الأقل في المنطقة القريبة من وطنهم، ليساهموا في نهاية المطاف في تنمية بلادهم.

أدت الحرب السورية إلى بروز هذا النوع من التفكير الجديد بخصوص دور التعليم العالي في مجتمعات ما بعد الصراع. تضمنت أعداد السوريين الذين أرغمتهم الحرب على مغادرة البلاد نسبة عالية من الطلاب أو البالغين من الشباب في سن الجامعة. وقد استجابت منظمات دولية مثل وكالة الأمم المتحدة للاجئين لهذه الميزة الديموغرافية من خلال زيادة الدعم للتعليم العالي الطارئ للاجئين.

ومن الدروس الأخرى للحرب السورية هو أن جامعات البلاد غالبًا ما تبقى كمناطق استقرار في خضم الفوضى. حيث توفر مرونة جامعة دمشق، على سبيل المثال، والتي ظلت مفتوحة منذ بداية الحرب على الرغم من الظروف الرهيبة، الأمل في إمكانية وجود استمرارية ذات قيمة في فترة ما بعد الحرب. يكتب ميلتون (في نثر مفعم في الغالب بالمصطلحات لسوء الحظ)، “يمكن أن تشكل تجربة التغلب على الشدائد أساسًا لروايات قوية عن المقاومة يمكنها تعزيز الهويات الجماعية ودعم المصالحة في مجتمعات التعليم العالي المتأثرة بالنزاع.”

يفترض الكاتب بأن التدخل الخاطئ في التعليم العالي في مجتمع ما بعد الصراع يمكن أن يكون أسوأ من عدم التدخل على الإطلاق. وكان المثال الذي استعرضه حالة العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، حيث فرضت الحكومة المؤقتة – سلطة التحالف المؤقتة – أمرًا عنيفًا بـ “اجتثاث البعث” طالبت فيه بإجتثاث جميع أعضاء حزب البعث الحاكم سابقًا من المناصب الرسمية.

كتب ميلتون “على الرغم من احتجاجات الأكاديميين العراقيين بخصوص أن من شأن اجتثاث البعث أن يؤدي إلى نظام جامعي غير قابل للحكم، فقد أزال الأمر ما يقدر بـ 1000-2000 أكاديمي وموظف جامعي من مناصبهم، وكان غالبيتهم في المناصب العليا. وقد مضى اجتثاث البعث في طريقه إلى أبعد الحدود ليزيل الأكاديميين الذين كانوا مجرد أعضاء في حزب البعث، وهو أمر ضروري للترقية الوظيفية وليس مؤشراً قوياً على انخراط حزبي رفيع المستوى.”

يعتقد ميلتون بأن للتعليم العالي دور يلعبه في أعقاب النزاع مباشرة وفي إعادة تطوير البلاد على المدى الطويل. فأولاً وقبل كل شيء، “قد يكون لإعادة فتح نظم التعليم العالي تأثير إيجابي على جهود الاستقرار على المدى القصير” من خلال منح الشباب بديلاً عن الانضمام إلى المجاميع العنيفة. ويمكن للجامعات أيضاً تعبئة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لتقديم خدمات الإغاثة الإنسانية بسرعة – كما فعلت الجامعة الأميركية في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وفوق ذلك، يمكن للمؤسسات توفير مهارات متقدمة تقود إلى إيجاد وظائف مستقرة. وعلاوة على ذلك، تستطيع الجامعة تكييف مناهجها لتلبية متطلبات عصر جديد. ويمكن لمؤسسات التعليم العالي وقادتها أيضًا أن تلعب دوراً في الحقيقة والمصالحة في فترة ما بعد الحرب.

من المثير للاهتمام ملاحظة أحد الأمثلة من ليبيا في فترة الاضطراب التي تشهدها حاليا لإظهار الكيفية التي تتمكن من خلالها القوى المحلية من احباط أفضل النوايا. فقد بدأ برنامج جامعة طرابلس لإعادة إعمار ليبيا في أيلول/ سبتمبر 2011 بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بميزانية قدرها 5 ملايين دينار ليبي (كانت قيمتها آنذاك حوالي 4 ملايين دولار أميركي) وتعهدات بتقديم المساعدة من الشركاء الدوليين بما في ذلك سفارة الولايات المتحدة، بحسب ميلتون. كان البرنامج يهدف إلى تدريب شبكة وطنية من “المدربين المدنيين”، ودعم مبادرات المجتمع المدني الطلابية. وقد اعتبرت الأشهر القليلة الأولى ناجحة على نطاق واسع.

يكتب ميلتون “لكن البرنامج أغلق بقوة في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2011. ويُقال بأن الوزير [وزير التعليم] لم يكن مرتاحاً للأهداف الإيديولوجية للبرنامج و… قارن المجتمع المدني بـ “جسم غريب” سيرفضه الجسم الليبي”. وهكذا توقفت برامج المجتمع المدني في الجامعات في جميع أنحاء البلاد بشكل مفاجئ.

أخيراً، وعلى الرغم من تقديم هذا الكتاب لمعلومات قيمة حول التطورات في الدول العربية، إلا أن مداه عالمي. فهو يدعّم حجته بأمثلة من مجموعة واسعة من البلدان حيث لعب التعليم العالي دورا في إعادة البناء بعد الصراع. ومن ابرز تلك الأمثلة أفغانستان والبوسنة والهرسك وبوروندي وكمبوديا وكولومبيا وتيمور الشرقية وليبيريا وأيرلندا الشمالية وسيراليون وسريلانكا. ويتيح هذا النهج الشامل لمقارنة وجهات نظر متعددة. عمومًا، إنه كتاب مفيد وموثوق به.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام