هل الصفوف الصغيرة أفضل؟

/ 06-05-2018

هل الصفوف الصغيرة أفضل؟

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلةThe Chronicle ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب موافقة المجلة والمؤلف.

في وقت سابق من هذا العام، وصفت النشرة الإخبارية “ذا كرونيكيل” الخاصة بالتعليم الطلابَ مشتتي الذهن والذين يجلسون في مؤخرة صف مؤلف من 600 شخص. سألنا القرّاء عن الاستراتيجيات التي يمكن أن يستخدمها الأساتذة للمحافظة على انتباه الطلاب في إطار كهذا. وفيما اقترح بعض القراء الحلول، كان رأي الكثير منهم مشابه لما اقترحه أوتار كاو، وهو أستاذ في الهندسة الميكانيكية في جامعة فلوريدا الحنوبية. إذ أفاد كاو إنه من المستبعد أن يتعلّم الطلاب أي شيء في صف يكثر فيه الحاضرون كهذا. وتساءل كاو “لمَ لدينا صف مؤلف من 600 شخص أصلاً؟”

إن فكرة أن الصفوف الصغيرة أفضل هي فكرة بديهية. فمع عدد أقل من التلاميذ في الصالة، يفترض أن يتمكن الأستاذ من تكريس المزيد من الوقت لكل منهم، وإعطاء، على سبيل المثال، رأياً معمقاً أكثر حول كتاباتهم. إلا أنّ التعليقات المماثلة لتعليق كاو أثارت فضولي. ما هي العلاقة بين حجم الصف والجودة بأي حال؟ وإذا كان الصفوف الصغيرة هي فعلاً أفضل، كيف نعرّف ما يعدّ صغيراً؟

إن الدراسات حول العلاقة بين حجم الصف وفعالية التعليم “لم تتوصل إلى إجماع” وفقاً لمؤلفي دراسة قام بها مركز آيديا في العالم 2013، في تلخيص لأعمالهم السابقة. إلا أنّهم يضيفون أنه من المنطقي أن يُستنتج على الأقل أن فعالية التعليم لا تتحسن مع ازدياد عدد التلاميذ. ونظرت دراسات أخرى في العلاقة بين حجم الصف ومتغيّرة متعلقة بها ولكن مستقلة عنها، ألا وهي إنجازات التلميذ. وكانت نتائج هذه الدراسات أيضاً “مبهمة” بحسب المؤلفين.

قام مركز آيديا، وهو مجموعة لا تبغى الربح تقوم بالأبحاث والتقييمات، بدراسة حجم الصف ونتائج التعلم التي يبلغ عنها التلميذ نفسه في أكثر من 400 جامعة تستخدم تقييمه. ووجد أن الطلاب في الصفوف الصغيرة – أي التي تتضمن بين 10 و14 طالب – يتقدمون أكثر من غيرهم ويقومون بمجهود أكبر.

قال ستيف بينتون، باحث في آيديا وأحد مؤلفي الدراسة، “هناك علاقة عكسية بين حجم الصف والتعليم الذي يبلغ عنه التلميذ نفسه.” ولكنه أضاف أن هذه العلاقة ليست ثابتة أو قوية جداً.

وفيما وجد مركز آيديا علاقة بين الصفوف الصغيرة والتعلّم، لم تتمكن الدراسة من تحديد الخسائر. فلا يتم تحديد الأساتذة ولا الطلاب بشكل عشوائي في الصفوف. من الممكن أن الأساتذة الذين يتمتعون بأسلوب تعليم معيّن يختارون التعليم في صفوف أصغر، أو أن الطلاب المحفزين أكثر يقررون تعلم هذه المواد.

يمكن لمركز آيديا أن يشير إلى متغيرات أخرى لها علاقة أكثر وطادة بالتعلّم، ويعدد منها بينتون: تحضير خلفية الطالب، عادات عمل الطالب ورغبته بدراسة المادة.

رقم عشوائي؟

نشأت الفكرة التي تفيد بأن الصفوف الصغيرة أفضل من تصنيف “أفضل الجامعات” الذي قامت به مجلة يو أس نيوز آند وورلد ريبورت (U.S. News & World Report.). أضيف هذا المقياس في التسعينيات بسبب الأبحاث التي وجدت علاقة بين الصفوف الصغيرة والتزام الطالب، وفقاً لبوب مورس، محلل البيانات الرئيسي في الشركة. ويكافئ المقياس الجامعات التي يحتوي الكثير من صفوفها على أقل من 20 طالباً.

وحتى زمن ليس ببعيد، أعطت يو أس نيوز نقاطاً بشكل أساسي للجامعات التي تتمتع بصفوف صغيرة وعاقبت التي لديها صفوف كبيرة. فالجامعات التي يتضمن قسم كبير من صفوفها أقل من 20 طالب ويتضمن قسم صغير منها 50 طالب أو أكثر كانت تحصل على تصنيف أعلى من الجامعات التي لديها بضع صفوف صغيرة والعديد من الصفوف الكبيرة.

ووفقاً لمورس، راجعت يو أس نيوز منذ بضع سنوات المنهجية المتبعة في هذا المقياس لتجعل من الأصعب على الجامعات أن تتنافس. لا تزال الجامعات تتلقى علامات مرتفعة لنسبة الصفوف التي تحتوي على أقل من 20 طالباً، ولكنها صارت تحصل الآن على جزء من العلامة للصفوف متوسطة الحجم ولا علامة على الإطلاق للصفوف التي تتضمن 50 طالب أو أكثر.

وأضاف مورس إنه تحت النظامين، يشكل حجم الصف 8 في المئة من تصنيف الجامعة.

وكما يشير ذكر مورس للمنافسة، من المعروف أنّ الجامعات تتخذ القرارات آخذة بعين الاعتبار كيف ستؤثر على مركزها في التصنيف. وكتب مارك ساليزبوري، مساعد العميد ومدير البحث المؤسساتي والتقييم في جامعة أوغوستانا، على صفحته الشخصية “الغموض اللذيذ” السنة الماضية: “مع الوقت، أنتجت هذه التركيبات أساطير ذات تأثير كبير في العديد من مؤسسات التعليم العالي. فالصفوف التي تتضمن 19 طالب أو أقل أفضل من التي تحتوي على 20 طالب أو أكثر.” هل هي فعلاً أفضل؟

للتحقيق في هذا الأمر، قام ساليزبوري الذي لطالما كان ناقداً للتصنيفات، بتحليل المعلومات المتعلقة بجامعة أوغوستانا. وهذا ما وجده: في جامعته على الأقل، لا يوجد فرق شاسع في النتائج إلى أن يتخطى عدد الطلاب في الصف الثلاثين طالب. ويعتقد ساليزبوري أنّ هذا الفارق قد لا يظهر في جامعات البحث الكبرى إلاّ في الصفوف الأكبر. لذا، يعتبر أنّ الأعداد التي يعتمدها يو أس نيوز لتشكيل الفئات عشوائية.

في الواقع إن مورس نفسه يعترف أن الأعداد لا ترتكز على الأبحاث. فيقول “من الصحيح أنه ما من بحث في علم الاجتماع قام بقياس حجم هذه المجموعات.” وأضاف إن تصنيف حجم الصفوف مقتبس من مجموعة بيانات مشتركة، وهي مجموعة من المعلومات الموحدة وضعتها الجامعات والناشرين، ولكن يو أس نيوز حددت بشكل مستقل كيفية استخدامها.

تجربة الطلاب

يقول دان شامبليس، أستاذ في علم الاجتماع في جامعة هاملتون وأحد مؤلفي “كيف تعمل الجامعة” (How College Works) إن معظم تحليلات أحجام الصفوف تقارب المسألة بطريقة خاطئة لأنّها تعكس ما يحصل على مستوى المؤسسة وليس ما يختبره الطلاب كأفراد.

إليكم ما يعنيه. تظهر معلومات يو أس نيوز نسبة صفوف الجامعة الصغيرة. ولا تقول لكم نسبة الطلاب المسجلين في الصف الصغير.

يفيد شامبليس إنه يمكن لمثال مُبالغ أن يساعد في تصوير هذا الفارق. لنفترض أنّ هناك جامعة فيها ألف طالب، يأخذ كل منهم صفاً واحداً. لنفترض أن الجامعة تقدّم 99 صف تعليم خاص، كل منها لطالب واحد، وترسل الطلاب الـ901 الباقين إلى ملعب كرة القدم ليشاهدوا فيلماً. يمكن لهذه الجامعة أن تدّعي أن 99 في المئة من صفوفها صغيرة. ولكن 9.9 في المئة فقط من تلاميذها مسجلون في صف صغير. إذا كنتَ عضواً في الإدارة، يمكنك أن تلقي الضوء على الإحصاء الأول على صفحة الانترنت الخاصة بالجامعة. ولكن إذا كنتَ طالباً، إنّ الإحصاء الثاني هو الأهم بالنسبة إليك.

وفقاً لشامبليس، إن معلومات مركز آيديا محدودة أيضاً. لا يمكن للطلاب أن يقيموا ما تعلّموه سوى في الصفوف الذي تسنّى لهم متابعتها. ولكن الصفوف الصغيرة من حيث تعريفها لا تتضمن إلا عديد صغير من الطلاب. لا يمكن للطلاب أن يعطوا رأيهم حول تجارب التعلّم الرائعة التي فاتتهم حين لم يسمح لهم الانضمام إلى صف جيد وصغير كانوا يتحرّقون ليتسجلوا فيه. ويضيف شامبليس إنه إذا أرادت الجامعة أن تعطي جميع طلابها أفضل تجربة ممكنة، إنّ التنازل عن تقديم صفوف صغيرة للطلاب مقابل إعطائهم إمكانية متابعة الصفوف التي يرغبون بالتسجل فيها هو أمر مهم للغاية.

إن جامعة هاملتون التي يعمل فيها شامبليس، هي إحدى الجامعات التي يتوقع فيها الطالب جني فوائد أخذ الصفوف الصغيرة. وفقاً ليو أس نيوز، 75 في المائة من صفوف الجامعات حالياً تتضمن أقل من 20 طالباً. وتتفاخر بوجود أستاذ واحد لكلّ تسعة طلاب.

ولكن خلال قيام شامبليس بالأبحاث لكتابه الذي صدر في العام 2014، تفقد نصوص الطلاب وتفاجأ بأن الصف النموذجي في جامعة هاملتون يتضمن 26 طالب. كيف يحصل هذا؟ إنها نسخة أقل مبالغة من مثل الصفوف الخصوصية وملعب كرة القدم الذي ذكرناه سابقاً. يقول شامبلس إنه إذا كانت الموارد ثابتة، يعني ذلك أنه “كلّما صغر صفي، يكبر صف شخص آخر. ونحن لا ندرك ذلك.” وبالطبع يأخذ عدد أكبر من الطلاب الصف الكبير الذي يسمح بالحصول على الصف الأصغر.

حتى حين يتمكن الطلاب من التسجيل في الصفوف الصغيرة، ليس شامبليس واثقاً من أن هذه الصفوف هي فعلاً ما يتوقعونه. إن الطالب الذي يجد نفسه في صف كبير وسيء يمكنه أن يفصل نفسه ذهنياً عن الصف أو أن يقوم بعدة مهمات في الوقت عينه. فيما الطالب الذي يجد نفسه في صف صغير وسيء هو طالب بائس بكل بساطة. ونجد فعلاً صفوفاً كهذه. يقول شامبليس “تكون بعض الصفوف صغيرة لأنّ لا أحد يرغب في التسجل فيها.”

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد شامبليس أن الصفوف الكبيرة يمكن أن تقدّم أمراً قيّماً. ففي بعض الجامعات، يأخذ عدد كبير جداً من الطلاب الصف نفسه ويتكلمون عنه حتّى يصبح تجربة مشتركة توحد الطلاب، وهذه ظاهرة غالباً ما نلاحظها في الرياضة أو الحفلات، ونادراً ما نراها في الصفوف الأكاديمية.

في النهاية، لا بدّ أن يشير حجم الصف إلى أمر مهم، أمر يعتلق بالتعلم وبتجربة الطالب. في أفضل الحالات، يكون مقياس ينوب عن شيء آخر. لعلّ السؤال الحقيقي هو ما هي تلك الصفة المتعلقة به. لربما يوماً ما سيكون هناك طريقة مباشرة أكثر لقياسها.

*تكتب بيكي سوبيانو حول التعليم، التعلّم والتفاعلات الإنسانية التي تشكلهما. يمكن متابعتها على تويتر @becksup أو مراسلتها على عنوانها الالكتروني [email protected]




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام