خلاف لغوي يعطل تعليم البعض في الكاميرون

/ 30-05-2018

خلاف لغوي يعطل تعليم البعض في الكاميرون

دوالا، الكاميرون – تريد بيرتولا نغينغ يوه الخضوع للامتحانات التي يتوجب عليها اجتيازها للحصول على شهادة التعليم العامة في بلدها والالتحاق بالمدرسة الثانوية. لكن يتوجب الآن على الفتاة البالغة من العمر 15 عامًا أن تنتظر عامين على الأقل. وهي الآن تأخذ أول ثلاث سنوات من مساقات “المستوى العادي” قبل أن تتمكن من خوض الاختبارات.

قالت، في إشارة إلى الانقسام اللغوي في هذه الدولة الواقعة في وسط أفريقيا والتي تتحدث اللغة الفرنسية بالدرجة الأساس، “في فصلي الدراسي الجديد، قدم الاطفال الذين يصغرون سناً عن أمثالي من الجانب الناطق بالانجليزية.”

فرّت بيرتولا ووالدتها إلى هذه المدينة الساحلية منذ أكثر من عام هربًا من صراع يتزايد العنف فيه على نحو كبير في الإقليم الشمال الغربي من الكاميرون والناطق باللغة الإنجليزية، حيث تصاعدت حملة لقمع احتجاجات الناطقين باللغة الإنجليزية وتحولت إلى اشتباكات عسكرية بين الجماعات الانفصالية المسلحة والقوات الحكومية.

أصبحت التوترات على امتداد الانقسام اللغوي شديدة لدرجة أن العديد من الشباب الكاميرونيين قد فروا إلى البلدان المجاورة في أفريقيا، وانضم بعضهم إلى الآلاف من السوريين والعراقيين والأفغان الذين هاجروا إلى أوروبا بحثا عن حياة جديدة.

بالنسبة لبيرتولا، كان الانتقال إلى دوالا بمثابة نكسة تربوية.

ففي أيلول/ سبتمبر 2016، بدأت بيرتولا بالحصول على دورات دراسية عادية في مدرسة بعثة ووم الكاثوليكية Wum Catholic Mission School في بامندا، عاصمة الإقليم الشمالي الغربي. لكن، وبعد أسابيع قليلة من بدء الدراسة، أضرب المدرسون في المنطقة احتجاجًا على التمييز ضد الكاميرونيين الناطقين بالإنجليزية. وهدد المزيد من المتظاهرين المسلحين لاحقاً بإحراق المدرسة إذا ما فتحت أبوابها.

تتذكر بيرتولا قائلة “حذرنا الناس من أنه إذا ما ذهبنا إلى المدرسة، فإنهم سيحرقونها. وفي وقتٍ لاحق، قاموا بإحراق القسم الفرنسي من المدرسة، فتوقف الطلاب عن الذهاب إلى هناك.”

لم تعد أون ستيلا ، أم بيرتولا، قادرة على إرسال طفليها الآخرين إلى المدرسة لارتفاع تكاليفها.

كانت سين ستيلا، والدة بيرتولا، قد دفعت بالفعل الرسوم المدرسية الخاصة بابنتها واشترت الكتب. لكن الرسوم الدراسية في دوالا، حيث تعيش بيرتولا ووالدتها الآن في غرفة واحدة، تكاد تكون أعلى بخمسة أضعاف – حوالي 200 دولار أميركي في السنة. وهكذا كانت الفتاة المراهقة بحاجة إلى توفير المال لمدة عامين تقريبًا قبل أن تتمكن من الالتحاق بالمدرسة. وهي الآن تواظب على الدراسة في كلية الآمال والفنون والعلوم College of Hopes, Arts and Sciences في دوالا، حيث بدأت دراستها للمستوى العادي من البداية.

تحتاج ستيلا أيضًا إلى دفع تكاليف نقل ابنتها إلى المدرسة فضلا عن وجبات الطعام. قالت “كل هذه الأمور تثقل عليّ بصفتي أم وحيدة.”

لا تعتبر محنة هذه الأسرة فريدة من نوعها.

قال مارسيال مبيبي، أحد زعماء اتحاد الكاميرون لاتحادات التعليم، وهي مجموعة عمالية للمعلمين، “مع كل ما يجري في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية، فإن الأطفال يضيعون. يتوجب على الطالب الحصول على 900 ساعة دراسية في السنة الدراسية الواحدة. وعندما لا تتمكن من تغطية تلك الساعات، فإن هناك مشكلة. ننصح أولياء الأمور بتقديم دروس خاصة في المنزل من أجل اللحاق بالمواد.”

يبدو هذا الخيار مستحيلاً بالنسبة لبيرتولا، والتي غالباً ما تقوم بوظائف غريبة لمساعدة أمها في دفع تكاليف المدرسة. مع ذلك، تعتزم بيرتولا العودة إلى شمالي غرب الكاميرون بأسرع وقت ممكن.

قالت “إذا ما أعيد فتح المدرسة في بامندا، فسأعود لأننا نمتلك مختبرات للحاسوب والعلوم هنا فقط، أمّا في ووم، فلدينا جميع المختبرات،” مضيفة بأنها تعتزم دراسة الأدب لتصبح صحافية يومًا ما.

مع ذلك، فإن هناك أسباب قليلة للعودة إلى هناك اليوم.

فبعد مرور أكثر من عام على الاحتجاجات والاشتباكات التي أودت بحياة 150 شخصًا على الأقل، بحسب تقرير الأمم المتحدة الأخير، لا تزال معظم المدارس في شمال غرب الكاميرون الناطق باللغة الإنجليزية مغلقة، ويتم إغلاق الإنترنت في العديد من المناطق، فيما يتم الاحتفاظ بالمنشقين في السجون وسط استمرار المطالبة بمساواة في الحقوق.

على مدى سنوات، كانت الأقاليم الناطقة باللغة الإنجليزية في مناطق شمال غرب وجنوب غرب الكاميرون تعاني من الحرمان، مقارنة بالمناطق الناطقة بالفرنسية، بحسب تقرير للأمم المتحدة. ويشكو الكاميرونيون الناطقون بالإنجليزية من حرمانهم من الحصول على وظائف في التعليم والنظام القضائي والحكومة. وقد فر أكثر من 40,000 شخص إلى نيجيريا العام الماضي، بحسب مسؤولي الإغاثة المحليين. ومن غير الواضح كم هو عدد النازحين داخليًا أو الذين فروا إلى أماكن أخرى.

يعيش جون، المواطن الكاميروني الناطق باللغة الإنجليزية والبالغ من العمر 25 عاماً، والذي طالب بتعريفه باسم مستعار، في جزيرة ليسبوس اليونانية منذ أكثر من عام. كان جون في السنة الثالثة من دراسته للهندسة في بامندا عندما تم اعتقاله أثناء الاحتجاجات. تمكن بعدها من الهرب وهو عالق الآن في اليونان، حيث ينتظر حصوله على حق اللجوء.

قال جون “أبي مقاول. عملت في مجال عمله منذ أن كان عمري 17 عامًا، حيث كنت أعمل كعامل بناء في البداية. لم يصدق أحد أنني ابن رئيس العمل. بعد بضع سنوات، أخذني للعمل في مجال التسويق والتصميم والإشراف. عملت أثناء دراستي الهندسة. أردت أن أقوم بعمل أشياء أكبر ممّا قام به.”

يكسب جون المال الآن من خلال الترجمة بين الإنجليزية والفرنسية. لكنه، في النهاية، يرغب في مغادرة اليونان والذهاب إلى كندا واستئناف دراسته هناك.

وعوضاً عن محاولة البقاء للدراسة في مكان آخر في بلدهم الأصلي أو الهروب إلى الخارج، اتبع بعض الكاميرونيين الناطقين باللغة الإنجليزية خيارات أخرى مثل تعلم التجارة.

هرب إيتوي جوليوس، البالغ من العمر 16 عاما، من المنطقة الجنوبية الغربية الناطقة بالإنجليزية وذهب إلى دوالا، حيث بدأ العمل في متجر لتصليح السيارات. وهو يأمل في أن يتعلم ما يكفي ليساعده على افتتاح عمله الخاصة في مجال الميكانيكا في أقل من عام.

قال “في كل مرة يقوم فيها المدير بتفكيك المحرك، يطلب مني أن أذهب لرؤية كيفية القيام بذلك.”

في هذه الأثناء، يستمر العنف الذي يجبر الناس من أمثال جوليوس على الفرار من منازلهم. ففي 25 أيار/ مايو، قتل أكثر من 24 شخصاً في تبادل لإطلاق النار بين القوات الحكومية ومسلحين مجهولين في بلدة مينكا شمال غرب الكاميرون، بحسب رويترز. لم تكن الظروف الدقيقة للصدام واضحة، لكن حصيلة القتلى تجعل الحادث واحدًا من أكثر الحوادث دموية في هذا الصراع حتى الآن.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام