التعليم العالي السوري يحتاج لسنوات من الإنعاش

/ 03-05-2018

التعليم العالي السوري يحتاج لسنوات من الإنعاش
تم إنجاز هذا التحقيق بالتعاون مع راديو سوريات ضمن مشروع “سوريا بعمق” الإعلامي، المدعوم من مؤسستي “الغارديان” البريطانية و “آي إم إس” الدنمركية وشبكة “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” (أريج) ونشر أولاً على موقع رصيف 22 ويعاد نشره هنا بعد التحرير وبموافقة إدارة المشروع. يمكن الاطلاع على تقارير ذات صلة أيضاً أنجزتها الفنار للإعلام: دراسة الطب في زمن الحرب و ظلال الحرب تخيّم على كلية الفنون الجميلة بدمشق.

مسحت مرام بيديها على زي العمل الذي يغلب عليه اللون الأبيض لتتأكد من أناقة مظهرها وهي تستعد لبدء يوم جديد في مطعم في وسط دمشق. كان يفترض أن ترتدي معطفها الأبيض وهي تدخل إلى معمل كلية الصيدلة عوضاً عن ذلك، لكنها اضطرت لترك الدراسة بها.

قالت مرام،  التي توفي والدها في الرقة شمال سوريا، “لم تمنعني الأوضاع الأمنية ولا تساقط القذائف على أبواب الجامعة من مواصلة الدراسة… لكن الوضع المادي فقط منعني من استكمال دراستي.”

انضمت مرام، الشابة العشرينية، إلى ألاف من الطلاب الذين تعثرت دراستهم الجامعية تحت ضغط الوضع الاقتصادي في ظروف الحرب التي تعيشها سوريا منذ سبع سنوات.

توقفت بعض جامعات عن العمل بسبب الحرب مما أدى لتزاحم الطلاب في العدد المتبقي من الجامعات. والتحق طلاب بأعمال تساعدهم في تدبير تكاليف الدراسة، وتحول البعض إلى كليات نظرية في حين انصرف آخرون عن الدراسة تماماً. وارتفعت نسب الغياب لما يقرب من 90 في المئة في بعض الكليات حسبما أفاد طلاب، وانخفض مستوى التعليم بعد رحيل أعداد متزايدة من الاساتذة وضعف المناهج.

وانعكس الوضع على مستوى خريجي الجامعات لتنخفض نسبة الخريجين المؤهلين لفرص العمل المتاحة إلى ما بين 1.5 و2 في المئة حسبما أفاد مسؤولو توظيف في شركات. وأصبحت الجامعات السورية خارج قوائم التصنيف في المقاييس العالمية.

تحديات الطلاب

ارتفع عدد الطلاب المقيمين في المدينة الجامعية في دمشق من 15 ألفاً عام 2011 إلى 22 ألفا في 2017، بحسب إحصاءات من إدارة المدينة التي أصبحت الخيار المفضل للطلاب وسط الصعوبات الاقتصادية نتيجة الأزمة.

قال أحد الطلاب “لولا السكن الجامعي لاضطررنا للتسول في الطرق.”

يتراوح متوسط تكلفة الدراسة بالجامعات الحكومية حالياً بين 25 و50 ألف ليرة سورية (50-100 دولار) شاملة رسم التسجيل واحتياجات التنقل وشراء الكتب وملخصات المواد والقرطاسية، إلى جانب تكاليف السكن.

وبالأخذ بعين الاعتبار متوسط دخل العائلة السورية، والذي لا يتجاوز مئة دولار حالياً وفق إحصائيات صادرة عن المرصد العمالي السوري للدراسات والبحوث منتصف العام الفائت، يهجر طلاب قاعات الدراسة الجامعية للبحث عن عمل بجانب الدراسة يساعد في تغطية المصروفات.

قال رائف لباد، الطالب في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، إن عمله في متجر لبيع المواد الغذائية بعد ساعات الدوام الجامعي كان من أسباب تدهور نتائج امتحاناته “كنت أتمنى تحصيل درجات عليا في الكلية لكن مع العمل المسائي لا وقت كافٍ للدراسة”.

ويعمل طلاب آخرون في بيع الخضار والفواكه على بسطات في الطرق أو نقل مواد البناء أو يقومون بأعمال تنظيف أو حراسة مستودعات ومصانع في ضواحي المدن.

العمل المرافق للدراسة لم يكن ظاهرة مألوفة قبل سنوات الحرب في سوريا خاصة في الكليات العملية التي تتطلب مداومة على الحضور، بحسب مازن المعيد في كلية الصيدلة والذي طلب عدم نشر اسم عائلته.

وأشار مازن إلى تزايد نسبة الطلاب العاملين عاماً بعد آخر، وتراجع مستوى تحصيلهم العلمي. قال “طلاب كثر يتغيبون عن الدروس الصباحية بسبب العمل الليلي، أحاول قدر الإمكان مساعدتهم لتعويض ما يفوتهم، لكن الحاجة المادية هي سيدة الموقف.”

بدوره، قال عبد الكريم موّاس، الطالب في السنة الرابعة بكلية الفلسفة بجامعة دمشق، “بشق الأنفس يمكن لعشرين طالب الالتزام بحضور الدروس النظرية في حين نتفاجأ في الامتحانات بوجود ما يقارب مئتي طالب”، أي أن نسبة الغياب تبلغ 90 في المئة حسب تقديرات مواس.

ويفضل طلاب الالتحاق بالكليات النظرية التي لا تطلب الالتزام بنسب دوام معينة مما يعني خفض نفقات التنقل، ويختار آخرون الالتحاق بمعاهد متوسطة مدة الدراسة بها عامان فقط بالمقارنة مع ما بين أربعة وستة أعوام في الكليات.

لم يكن أي من هذه الخيارات مجديا في حالة مرام التي نزحت مع عائلتها من مدينة الرقة شمال سوريا إلى دمشق منذ ثلاثة أعوام.

وفاة والد مرام في الرقة، واضطرارها للبحث عن عمل لإعالة والدتها وأخويها الصغيرين كان عاملاً حاسماً في تركها دراستها الجامعية في كلية الصيدلة بشكل نهائي. قالت “لم أتمكن من مواكبة متطلبات الجامعة، خاصة هذا الفرع الذي يحتاج مستلزمات كثيرة، الآن أعمل في أحد المطاعم وسط دمشق بدوام صباحي. كنت أتمنى وجود جهة قادرة على تقديم المساعدة المادية لي ولطلاب كثر آخرين.”

هجرة العقول

بالتوازي مع الصعوبات الاقتصادية للطلاب، تواجه الجامعات مشاكل عديدة خاصة مع تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم.إذ انخفضت ميزانية هذا القطاع من 733 ألف دولار عام 2010 إلى ما لا يتجاوز 175 ألف دولار عام 2017.

وهجر أساتذة أيضاً الجامعات السورية وخسر التعليم العالي حوالي 20 في المئة من أعضاء هيئات التدريس بسبب الهجرة خارج البلاد بشكل أساسي. وقد ترتفع النسبة إلى 30 في المئة في بعض الكليات بحسب تصريحات لوزير التعليم  عاطف النداف التي أرجعت هذه الظاهرة إلى “أسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية مرتبطة بالظروف الراهنة،” خاصة مع انخفاض الأجور التي يحصل عليها أساتذة الجامعات الحكومية والتي لا تتجاوز 150 دولاراً شهرياً.

قال محي الدين س. من كلية الهندسة المدنية، والذي غادر البلاد منذ أكثر من عامين إلى الولايات المتحدة، “من الخطير ما سيؤول إليه مصير التعليم العالي في سوريا في حال استمرار نزيف الكوادر بهذا الشكل.”

تسبب نقص الكوادر التعليمية وفق تصريحات لعضو المكتب التنفيذي للإتحاد الوطني لطلبة سوريا لصحيفة الوطن إلى الاعتماد على كوادر أقل كفاءة لسد الفراغ، كتوظيف معيدين أو طلبة ماجستير عوضاً عن حملة شهادة الدكتوراه.

قال عبد الحميد المقداد، الطالب في السنة الثالثة بكلية الاقتصاد بجامعة دمشق،  “نشعر بإهمال كبير في العملية التدريسية. معظم الطلاب يعزفون عن الحضور.”

أوضاع الحرب فرضت أيضاً اعادة توزيع الطلاب بعدما خرجت بعض الجامعات الحكومية عن الخدمة بسبب وجودها في مناطق ساخنة مثل الرقة وإدلب. واستقبلت جامعات أخرى وعلى رأسها جامعة دمشق آلاف الطلاب من مختلف المحافظات، ما شكّل عبئاً على كوادرها وبناها التحتية، وضغطاً على الصفوف التي اكتظت بالطلبة.

وصرح ماهر ملندي، عميد كلية الحقوق بجامعة دمشق، لصحيفة الأيام السورية بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 بأن الكلية بها حوالي 25 ألف طالب “ما يشكل تحدياً بسبب قلة عدد أعضاء الهيئة التدريسية حيث يبلغ عددهم حالياً 65 أستاذاً فقط بعد تسرب 15 منهم خلال الأزمة، المعايير العالمية تؤكد عدم إمكانية إشراف الأستاذ على أكثر من 50 طالباً بينما النسبة في الكلية تتجاوز خمسة أضعاف ذلك”.

كما تأثرت قدرة الطلاب على التحصيل في الكليات العملية أيضاً. قالت علا وافي، طالبة طب الأسنان، “غالباً ما تزدحم غرف الدروس العملية بشكل لا يطاق.”

وفي الكليات الهندسية، تكلف مشاريع التخرج التنفيذية ما بين 400-1000 دولار للمشروع الواحد، وهو ما يدفع طلاباً كثر للتخلي عنها، أو التشارك مع آخرين في مشروع واحد.

قال سامي الدقاق، الطالب في عامه الأخير بكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بجامعة دمشق، “تضاعفت أسعار المواد اللازمة لمشاريع التخرج، لدى توجهنا لإدارة الكلية طلباً للمساعدة، كان الرد بعدم وجود قانون يقضي بمنح دعم مادي لتغطية نفقات مشاريع التخرج وبأن كل ما يمكن للكلية تقديمه هو إمكانية استخدام المخابر والورش أثناء تنفيذ المشروع.”

صعوبات تعيق عمل الجامعات الخاصة

اكتوت الجامعات الخاصة أيضاً بنيران الحرب، حيث اضطرت نحو عشر جامعات لنقل مقار التدريس والعمل إلى مناطق آمنة داخل المدن، بحسب عاملين في تلك الجامعات، وبيانات مديرية الجامعات الخاصة بوزارة التعليم،

جامعة سورية خاصة بوسط دمشق “تصوير زينة شهلا”

لا تتمتع المقار المؤقتة بمواصفات المقار الأصلية من حيث التجهيزات والمخابر والبنية التحتية رغم الموافقة عليها من قسم الجامعات الخاصة في وزارة التعليم العالي ومطابقتها لمعايير محددة.

وتظهر بيانات قسم الجامعة الخاصة بالوزارة انخفاض عدد طلاب هذه الجامعات خلال الأعوام الأربعة الأولى من الحرب في البلاد، لكنها عاودت الارتفاع اعتباراً من عام 2016، خاصة في الكليات العلمية، وهو ما أرجعه طلاب وأساتذة إلى الدعم المادي لعائلات من أبناء يعيشون ويعملون خارج البلاد. إذ تسعى الجامعات الخاصة لجذب من يرغبون بالحصول على مستوى تعليمي مقبول داخل سوريا عوضاً عن السفر بغرض الدراسة.

 من جهة أخرى، تأثر الكتاب الجامعي أيضاً بظروف الحرب وأوضاع الاقتصاد، ووصفت صحيفة الأيام السورية في عددها الصادر بتاريخ 20 آب/أغسطس 2017 الكتاب الجامعي بأنه “مقبرة التعليم الجامعي”، وأرجعت أسباب ذلك إلى قيود بيروقراطية في منح الموافقات لتأليف المناهج الجديدة، وتدني أجور التأليف التي لا تتجاوز مئتي دولار للكتاب الواحد.

قال أستاذ بجامعة دمشق، طلب عدم نشر اسمه، “إذا رغب الأستاذ بشراء مرجع أجنبي لتطوير معارفه فهو يحتاج مبلغاً يعادل راتبه الشهري.”

بدورها، تؤكد جودي مدلل، الطالبة في السنة الرابعة بكلية علم النفس بجامعة دمشق أن “المنهاج قديم لا يتغير، وأجزاء منه مترجمة بشكل خاطئ.”

مشكلات سوق التوظيف

تشير لجين أسعد مديرة الموارد البشرية في شركة الواصل، إحدى شركات مجموعة سيرياتيل للاتصالات، إلى تراجع مستمر في مستويات الخريجين والمتقدمين للتوظيف خلال السنوات القليلة الماضية.

قالت “بشق الأنفس يمكننا العثور على ثلاثة أو أربعة خريجين بالمستوى المطلوب من بين كل مئتي طالب توظيف،” أي بنسبة تتراوح بين 1.5 واثنين في المئة.

لا ينكر رياض طيفور، معاون وزير التعليم العالي، غياب الارتباط بين الدراسة الجامعية وبين سوق العمل. ونقلت صحيفة الأيام السورية بتاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر عن طيفور 2017 قوله إن “وزارة التعليم لا تملك معطيات عن سوق العمل وهي مغيبة تماماً وليس باستطاعتها تفصيل اختصاصات لسوق العمل، يتخرج الطلاب ويجدون أنفسهم عاطلين عن العمل لأن اختصاصاتهم غير مطلوبة.”

بدورها، قالت هلا شريف الشاش، عضو هيئة التدريس ومدير الموارد البشرية في الجامعة العربية الدولية وهي جامعة سورية خاصة، “ما فائدة التعليم إن كان مجانياً دون قيمة فعلية؟” مضيفة “لنتوقف عن زيادة عدد الخريجين ولنتوجه إلى مخرجات تعليمية نوعية لها علاقة مباشرة بسوق العمل.”

ودعت إلى التركيز على الجوانب العملية والتطبيقية والابتعاد عن بناء عقلية الحفظ عن ظهر قلب.

قالت “لا أريد اليوم خريج قسم لغة انجليزية يحفظ أشعار شكسبير لكنه يعجز عن التعريف بنفسه بهذه اللغة في مقابلة عمل.”

في ظل أوضاع الحرب القائمة، لا تظهر بادرة على نهاية في المدى القريب لمشاكل التعليم العالي في سوريا.

قال أستاذ في جامعة دمشق إن “القطاع التعليمي هو أول قطاع تصيبه آثار الحرب وآخر قطاع سيتعافى.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام