ارتفاع معدل الوفيات بالإيدز في المنطقة العربية

/ 12-04-2018

ارتفاع معدل الوفيات بالإيدز في المنطقة العربية

يشهد معدل الوفيات الناجمة عن الإصابة بمرض الإيدز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تزايداً حاداً، على عكس الاتجاه العالمي الذي يشهد هبوطاً مشجعاً في الوفيات الناجمة عن هذا المرض.

ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ارتفعت الوفيات بسبب مرض الإيدز بين عامي 2000 و2015 بنسبة 274 في المئة، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، على الرغم من أن عدد الوفيات في جميع أنحاء العالم والناجمة عن الإيدز قد انخفض بنسبة 27 في المئة في الفترة نفسها.

تقول نافيد مدني، العالمة البارز في قسم الصحة العالمية والطب الاجتماعي في كلية الطب بجامعة هارفارد، والتي تدرس اتجاهات فيروس نقص المناعة البشرية، “لا يدرك الكثير من الناس في المنطقة العربية وخارجها بأن فيروس نقص المناعة البشرية ومرض الإيدز يمثلان مشكلة. ويصاب الناس بالصدمة عندما يعلمون بأن فيروس نقص المناعة البشرية آخذ في الارتفاع. أعتقد بأن الناس في العالم العربي قد بدأوا للتو في قبول فكرة أن ذلك يحدث.”

يقول الباحثون إن العدد الفعلي للوفيات في العديد من الدول العربية صغير نسبياً، لكن يمكن أن يتغير ذلك أيضاً بمرور الوقت مع ارتفاع معدلات العدوى.

لا يعتبر نمط انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في المنطقة منتظماً. فالبيانات الطبية ضعيفة، كما هو الحال عليه في العادة في الدول العربية. قال بن كولينز، مدير الشراكات الدولية المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية، وهي منظمة غير حكومية مقرها لندن تسعى إلى تعزيز إجراء اختبار فيروس نقص المناعة البشرية ومعالجته حول العالم، “إن معدلات اجراء الاختبار في بلدان الشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا مثل تركيا أقل بكثير من بقية أنحاء العالم.”

في عام 2016، شملت الدول الأكثر تضرراً في المنطقة التي تعرّفها منظمة الصحة العالمية باسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الصومال، حيث توفي 1,700 شخص بسبب الإيدز، والسودان، حيث توفي 3,000 شخص، وإيران، مع 4,000 حالة وفاة.

قد تكون الوفيات الناجمة عن مرض الإيدز في الدول العربية أكثر ترجيحاً بسبب إحجام الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية عن اجراء اختبارات تشخيص الإصابة. ففي السودان، كان شخص واحد فقط من بين كل خمسة أشخاص مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية على علم بالإصابة، بحسب تقرير لمكتب المراجع السكانية اصدره عام 2014.

أمّا في تونس والمغرب ومصر، فإن أقل من 60 في المئة من المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة يعرفون باصابتهم بالعدوى. لكن الجزائر تتوافر على معدل اجراء اختبار أعلى بكثير: حيث يعرف 76 في المئة من الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية بإصابتهم. لكن هذه النسبة لا تزال أقل من الهدف الدولي الذي حددته الأمم المتحدة بنسبة 90 في المئة، على الرغم من أن العديد من الدول الغربية لا تزال غير قادرة على تحقيق ذلك. (على سبيل المقارنة، قدّرت ورقة حكومية بريطانية من عام 2017 بأن 88 في المئة من الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في إنجلترا كانوا على علم بوضعهم).

تصميم انفوتايمز

 

يتمثل هدف برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، وهي منظمة تابعة للأمم المتحدة تركز على مرض الإيدز، في أن يخضع 90 في المئة من الذين تم تشخيص إصابتهم بالعدوى لعلاج منتظم. ومن بين أولئك الذين يتلقون العلاج، فإن الهدف هو أن تصبح 90 في المئة من كمية الفيروس في دمائهم منخفضة إلى درجة أن الفيروس سيكون غير قابل للاكتشاف بشكل فعال.

يُشار إلى هذه الاستراتيجية مجتمعة باسم الخطة 90-90-90 ولم يتمكن أي بلد عربي حتى الآن من الاقتراب من التسعين الأولى حتى. قال كولينز “لا يرغب الناس في التحدث عن ذلك فحسب.”

يشهد عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية ارتفاعاً، على الرغم من أن المعدل لا يتزايد بشكل حاد كما هو حال عدد الوفيات الناجمة عن الإيدز. بين عامي 2001 و2012، ارتفع عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 73 في المئة، بحسب برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز. وفي عام 2016، كانت هذه الزيادة تعني تسجيل 18,000 حالة إصابة جديدة.

حدثت معظم هذه الزيادة في إيران والسودان والصومال، حيث تم تسجيل 65 في المئة من الإصابات الجديدة في المنطقة في عام 2016، بحسب برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز.

يعتقد الباحثون بأن عدم الرغبة في مناقشة الموضوع والوصمة العامة حول المرض جزء من المشكلة، حيث يكون من الممكن منع المزيد من الانتشار السريع للمرض إذا ما تم اتخاذ إجراء سريع.

قال كولينز “إن معدل الزيادة مروع. لكن، من المهم الإشارة إلى أن الأرقام لا تزال منخفضة نسبيًا. وتمر تركيا بنفس الزيادة الجديدة في معدل الإصابة، لكنها زيادة بعدد قليل.”

بعبارة أخرى، فإن الزيادة في الإصابات الجديدة البالغ عددها 18,000 سنوياً تمثل زيادة أكبر في العالم العربي مقارنة بما هو عليه الحال في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث يتواجد بالفعل عدد كبير من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.

قال كولينز “لكن من الواقع المهم أيضاً أن الناس لا تريد التعامل مع كيفية انتشار العدوى.” تعتبر الممارسات التي يمكن أن تؤدي إلى انتقال فيروس نقص المناعة البشرية، مثل الدعارة واستخدام المخدرات المحقونة والمحظورة، من الموضوعات المحرمة في العديد من المجتمعات العربية.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإنه يتم سجن مرضى الإيدز في مصر في بعض الأحيان.

غالباً ما يكون متعاطو المخدرات عرضة للإصابة بالإيدز. (الصورة من ويكيميديا كومنز).

وفي كانون الأول/ ديسمبر، أفادت صحف مصرية بأن امرأة مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ألقت بنفسها من شرفة شقة في الطابق الخامس بالقاهرة بعد أن أجبر جيرانها أسرتها على مغادرة شقتهم عندما علم الجيران بأن المرأة قد أصيبت بالمرض من زوجها.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من قبل من أن الوصمة التي تحيط بالمرض تُسرع من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية. وترى مدني بأن جزءً من وصمة العار تلك ينبع من ربط غير مبرر للمرض مع المثلية الجنسية.

قالت مدني “يرتبط فيروس نقص المناعة البشرية بشكل غير صحيح بالمثليين جنسياً في عقول بعض الناس. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يُصاب الأشخاص من مغايري الجنس بفيروس نقص المناعة البشرية أكثر من المثليين جنسياً، لكن لا علاقة لذلك بتفرد أي عامل ديموغرافي متفرد لأن الفيروس لا يكترث بالعرق أو الجنس أو الميل الجنسي. بصفتي باحثة، فإنني أتعامل مع فيروس نقص المناعة البشري HIV مثل أي فيروس آخر مثل الأنفلونزا أو التهاب الكبد الفيروسي من نوع  C.”

يقول الخبراء إن الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال هم أيضاً الأكثر احتمالاً لأن يكونوا اكثر اهتماماً بصحتهم الجنسية ويخضعون للفحص الخاص بفيروس نقص المناعة البشرية، وهو ما قد يعني أنهم أكثر تمثيلاً في إحصاءات المصابين بالفيروس مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وبحسب البيانات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، فإن 18 في المئة فقط من الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقع بين الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال. فيما كانت النسبة الأكبر من المصابين بين زبائن العاملين في مجال الجنس بواقع 41 في المئة، ويليهم في ذلك متعاطو المخدرات عن طريق الحقن، والذين قد يصابوا بفيروس نقص المناعة البشرية من تقاسم الإبر مع الآخرين، ليشكلوا نسبة 28 في المئة من المصابين.

غالبًا ما ينتظر المصابون بالفيروس حتى يصبح الحصول على الرعاية الطبية متأخراً جداً بسبب خوفهم من كيفية النظر إليهم من قبل الآخرين. قالت مدني “بسبب الوصمة، لا يأتي الناس للتشخيص.”

يعني ذلك أنه عندما يسعى الناس في نهاية المطاف للحصول على المساعدة الطبية، قد يكون المرض متقدمًا بالفعل. ويكون العلاج أكثر فعالية إذا ما تم تقديمه في وقت مبكر بعد الإصابة.

يجري مركز مرسى للصحة الجنسية في بيروت فحوصاً للكشف عن الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وغيره من الأمراض المنقولة جنسياً، ويقدم خدمات الرعاية والإرشاد للأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. تقول سارة أبو زكي، مديرة المشروع في العيادة، بأن معظم المستفيدين من خدمات فيروس نقص المناعة البشرية هم دون سن الثلاثين ومن المتعلمين جيداً ومن منطقة بيروت.

تشعر أبو زكي بالقلق من أن يكون الناس الأكثر فقراً والأقل تعليماً في لبنان هم أقل عرضة للبحث عن مثل هذه الخدمات.

قالت “نقوم في العادة بالتنازل عن الرسوم إذا كنت لا تستطيع تحملها، إذ لا ينبغي أن تكون الموارد المالية مشكلة. لكن الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للأقل تعليماً لأنهم قد لا يعرفون بوجود مثل هذه الخدمات ويمكن أن يكونوا ممّن يعيشون خارج بيروت. نحن بحاجة إلى المزيد من العيادات في بقية أنحاء البلاد.”

ترى أبو زكي بأن إخفاء الهوية أمر حاسم في تشجيع الناس على طلب مثل هذه الخدمات. قالت “لا يشارك أي شخص اسمه في أي وقت هنا، ويتم إعطاء الأشخاص رقم الملف بدلاً من ذلك.”

حذرت مدني من أن الوصمة المصحوبة بارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في المنطقة قد تخلق مشكلة واسعة الانتشار. قالت “إنه الفيروس الذي يصيب الشباب أكثر من كبار السن. وإذا لم نواجه هذا الآن، فربما يكون هناك تفشي لوباء كبير خلال 10 سنوات.”

تحسّن تشخيص المرضى المصابين بشكل كبير منذ ظهور الفيروس لأول مرة في الثمانينيات. وبوجود العلاج المناسب وفي غياب المضاعفات، يمكن للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية أن يعيشوا متوسط عُمُر مساوٍ لذلك المتوقع لعامة السكان. وهذا ما يجعل العدد المتزايد للوفيات الناجمة عن المرض في المنطقة صعب القبول بالنسبة للأطباء والباحثين.

قالت مدني “عندما تكون هناك علاجات قابلة للتطبيق وطرق للوقاية كما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشرية، فإن حالة وفاة أو حالة إصابة واحدة فقط أكثر من المفروض.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام