عندما ترفض الجامعة توظيف خريجيها

/ 13-03-2018

عندما ترفض الجامعة توظيف خريجيها

عمّان، الأردن – خلال محادثة مع أحد أبرع أساتذتي حول شهادات الماجستير والدكتوراه، قلتُ له إنني تنقلت كثيراً في صغري وأفضل أن أتابع دراستي هنا في الأردن الذي أصبح وطني. إذ لم أكن أعتقد أن شهادة من الأردن ستختلف كثيراً عن شهادة من أي بلد آخر.

إلا أن جوابه فاجأني وأقلقني، إذ قال إنه إذا أردتُ أن أتوظف في أي جامعة حكومية في الأردن، علي أن أحصل على شهادتي من جامعة في بلد حيث اللغة الأم هي الإنجليزية، وإلا فإن فرصتي في التوظيف ستكون ضئيلة جداً. لم أكن أتوقع إجابة بهذه الصراحة القاسية، لا سيما وأنها قد تبدّل مخططاتي للسنوات القليلة الآتية على الأقل.

ذهبت إلى منزلي وألقيت نظرة على صفحة جامعتي على الإنترنت، الجامعة الأردنية. إنها تصف نفسها بأنها “أم الجامعات” و”جامعة متفوقة في التربية والبحوث والتجديد والتقدم بين المؤسسات التربوية في العالم.”

وبعد البحث في الإعلانات حول المراكز الشاغرة فيها لأتأكد من صحة نصيحة أستاذي، وجدت بياناً صريحاً يقول إن الشهادة في اختصاصات مثل إدارة الأعمال، والمحاسبة، والإدارة العامة، واقتصاديات الأعمال، والمالية، وعلوم التربية، والهندسة الميكانيكية، والهندسة الالكترونية، وغيرها العديد، يجب أن تكون صادرة عن جامعة مصنفة بين أفضل 500 جامعة في العالم بحسب ذي تايمز، شانغهاي أو كيو أس ليستينغ.

لم يسعني إلا أن أجد ذلك مضحكاً للغاية بصفتي طالبة في هذه الجامعة. بينما تعرض رؤيتها الجذابة في الصفحة الأولى، يعُرض على الموقع أيضاًعلى بعد بضع نقرات فقط إعلانات شواغر جعلتني أظن أن الجامعة نفسها لم تؤمن بكلماتها!

فكّرت للوهلة الأولى بالعديد من الأسباب المنطقية التي قد تكون وراء قرارات كهذه. لم أرغب في تصديق أنّني أنا وغيري من الطلاب ندفع مبالغ طائلة مقابل تعليم لا يمكننا أن نعتمد عليه إلا إذا كانت شهادتنا للماجستير والدكتوراه تحمل ختماً “أجنبياً” عليها.

كانت التبريرات التي ابتكرتها أن الجامعة بحاجة لشخص يتقن الانكليزية، ويحمل شهادة من جامعة مصنفة بين الأفضل في العالم.

ولكن ماذا يعني أن “يتقن” المرء الإنجليزية؟ هل يعني أن تكون لغته الأم؟ إذا كان هذا المقصود، إذاً من المهم للغاية أن نشير إلى أن الإنجليزية باتت لغة عالمية، ولم تعد مبادئها مبادئ متكلميها الأصليين. فالعالم يركز اليوم على الأفراد الذين يتكلمون لغة مفهومة بدلاً عن أشكالها كلغة أم.

المشكلة الثانية في إتقان الإنجليزية هي أن العديد من الأشخاص – بمن فيهم أنا – وُلدوا في الغرب، ويتقنون الإنجليزية بشكل ممتاز. كما وأن الكثير من الأشخاص الذين وُلِدوا في الأردن يتمتعون بلغة إنجليزية ممتازة بفضل برامج الغمر وتوفر عدد وفير من مقررات الإنجليزية.

بالإضافة إلى ذلك، إن عيش شخص راشد في بلد ما لثلاث أو أربع سنوات (وهي المدة المتوسطة التي يتطلبها إتمام أطروحة دكتوراه) في بلد ما لا تكفي بتاتاً ليتمكّن من إتقان اللغة وكأنها لغته الأم.

لذلك فإن افتراض الجامعة أن إتقان الإنجليزية لا يمكن أن يحصل إلا في بلد غربي أو تكون فيه اللغة الإنجليزية هي اللغة الأم ليس اعتقاداً غير منطقي فحسب، بل إن الباحثين في علوم اللغة قد دحضوه منذ زمن بعيد.

فلننتقل إلى التفسير الثاني المعقول، وهو أن الجامعة بحاجة إلى أن تكون على يقين من أن المتقدم إلى الوظيفة يحمل شهادة موثوقة ومعتمدة. إذا كانت الجامعة تبرع في “التقدم في العالم” كما تدّعي، فما الحاجة إلى شهادة خارج أبوابها هي؟ ألا تعتبر نفسها مؤسسة موثوقة للدراسة؟ إذا لا تعتبر نفسها كذلك، لمَ تُطلب منا مبالغ طائلة للحصول على الشهادة؟ لم تحتل ما يقارب 1.2 كيلومتر مربع (300 فدان) من الأرض فيما يمكن استخدام هذه المساحة لأهداف أخرى؟

حاولت جهدي أن أبرر قرارات الجامعة، لكنها غير منطقية بكل بساطة. ما تشير إليه هذه المتطلبات ضمنياً يمكن أن يلخص نظرتها إلى شهادتي الماجستير والدكتوراه الأردنيتين في ثلاث كلمات: ليست بالمستوى المطلوب.

أعتقد شخصياً أنه يتوجب على الجامعة أن تعتذر من طلابها لخداعهم في الاعتقاد أنها تزودهم بشهادات ممتازة يمكنها أن تساعدهم في الكفاح العالمي للحصول على عمل.

كما وعليها أن تعتذر من جميع المتخرجات الإناث المتميزات اللواتي يأتين من عائلات محافظة ولا يمكنهن السفر بمفردهن لمتابعة دراستهن في بلد غربي.

ويجب أن ترسل رسالة اعتذار خاصة للطلاب الذين لا يمكنهم تحمل تكاليف المعيشة والدراسة خارج الأردن، أو الذين لا يملكون أي ضمانة ليقدموها في حال أعطتهم الجامعة منحة للدراسة في الخارج.

ربما يجب أن أشير هنا إلى أن الجامعة تعطي منحة للدراسة في الخارج شريطة أن يعمل الطالب لمدة 10 سنوات في الجامعة الأردنية بعد الحصول على شهادته، وإلا تُباع الضمانة. لذا، يتردد العديد من الطلاب المتميزين في تقديم ممتلكات عائلتهم كضمانة خوفاً من ألا يتمكنوا من الحصول على الشهادة أو من إتمام مدة العمل المطلوبة. كما أن العديد من الطلاب لا يملكون ما يمكن تقديمه كضمانة أصلاً.

دعونا لا ننسى الأفراد الذين يعانون من إعاقات أو قيود أخرى تمنعهم من السفر إلى الخارج.

أخيراً، فلنُبقِ في ذاكرتنا الذين أرادوا أن يفتخروا بالحصول على شهادة من وطنهم والذين رُفضوا لصالح متخرجين من بلدان إنجليزية اللغة.

مرام الكايد،  شابة أردنية-كندية تعيش في الأردن. إنها طالبة في تخصص الإنكليزية التطبيقية في الجامعة الأردنية وكاتبة لـغلوبيل فويسز (Global Voices).




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام