حقيبة لتمكين الطلاب اللاجئين من استكمال تعليمهم العالي

/ 30-03-2018

حقيبة لتمكين الطلاب اللاجئين من استكمال تعليمهم العالي

 نُشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة IIE ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب موافقة المجلة والمؤلفين.

في عام 2013، حين كانت الحرب في سوريا مازالت في عامها الثاني، جلستُ إلى طاولة مقابل طالبة شابة في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن. أخبرَتني عن الصعوبات التي تواجهها لتقديم طلب التحاق بالجامعات المحلية لاستكمال دراستها في تخصص الهندسة، إذ قيل لها مراراً وتكراراً أنّه لا يمكنها التقديم لكونها لا تحمل نسخة أصلية عن شهادتها. التفتت الشابة إلى حقيبة ظهرها وأخرجت منها ملفاً يحوي نسخة عن نتائج مقرراتها الدراسية السابقة وقالت لي “لكن أترى! لم يتبقَ أمامي سوى بضع المقررات لأتخرّج.”

كالعديد من اللاجئين، كانت هذه الشابة التي تكاد تكون مهندسة تحمل بكلّ حرص في حقيبة ظهرها دليلاً على إنجازها الأكاديمي الهام. كانت هذه الوثائق من أثمن ممتلكاتها لأنها اعتقدت أن معاهد التعليم العالي خارج سوريا ستقبلها وتسمح لها بمتابعة دراستها. لكن توقعاتها أحبطت أمام واقع معقد وممتلئ بشروط صارمة ومجموعة محيرة من السياسات البيروقراطية التي غالباً ما تسهم في إخفاء التحيّز وممارسات التمييز ضد اللاجئين.

تشكل مشكلة الوثائق الأكاديمية – مثل النسخ غير النهائية، والشهادات المفقودة، والشهادات المهنية غير المعترف بها –عوائق كبيرة أمام التعليم العالي للاجئين السوريين. ومع استمرار الحرب، بات من الأصعب وأكثر كلفة وأشدّ خطورة تأمين نسخ مصدقة عن الوثائق الأكاديمية الرسمية من الجامعات السورية ومعاهد الدولة. في نفس الوقت، تزيد الكلفة العالية للحصول على تقييم الشهادات ومعادلات المقررات، والتي تعد مفتاحا للانتقال بين أنظمة التعليم العالي، من صعوبة الحصول عليها بل وتجعلها مستحيلة لمعظم اللاجئين الشباب.

تمكن بعض الطلاب النازحين من سوريا من استكمال تعليمهم العالي، لكن الأغلبية الساحقة لم تتمكن من ذلك. ولعلّ الإحصاءات في لبنان خير دليل على ذلك. إذ استقبل لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري، لكن عدد السوريين المسجلين في التعليم العالي مقارنة مع عددهم قبل الحرب قليل جداً. ففي الجامعة اللبنانية، وهي الجامعة الرسمية الوحيدة في التعليم العالي، انخفض عدد السوريين في كل سنة منذ اندلاع الحرب. في المنطقة بأسرها، لم يواكب التحاق الشباب السوريين بالجامعات الحاجات الفعلية، ومما يثير القلق أكثر هو الانخفاض الشديد في تسجيل النساء الذي كان يفوق نصف المستجلين قبل الحرب.

من هنا تكتسب حقيبة المادة 26(Article 26 Backpack™ )، والتي تأخذ اسمها من مادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948 والذي يؤكد على حق الإنسان في التعلّم، أهمية جيدة لكونها أداة إنسانية جديدة تقوم بتكييف القدرات الرقمية الموجودة والناشئة لمساعدة اللاجئين وتمكينهم للحصول بشكل أفضل على فرص للالتحاق بالجامعات على المستوى المحلي والعالمي. تمثل هذه الأداة تغييراً كبيراً في الطريقة التي يمكن للشباب اللاجئين أن يستخدموها لتخطي العقبات البيروقراطية والمؤسساتية والثقافية التي  يواجهونها وهم يحاولون ممارسة حقوقهم الإنسانية.

خلال جولة ميدانية لفريق المشروع في لبنان. (تصوير: إليزابيث ماكاليستر، جامعة كاليفورنيا ديفيس)

الحقيبة هي بالطبع رمز الطالب العالمي.

بمساعدة مؤسسة فورد، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، والجمعية الأميركية للمسجَلين والمسجِلين في الجامعات ، وجامعة كاليفورنيا، تم وضع الأداة وبدأ تطبيقها في لبنان ليتم لاحقاً استخدامها بين اللاجئين في الشرق الأوسط. طُوّرت الحقيبة أوّلاً بفضل منحة من منظمة المجتمع المفتوح(Open Society Foundation)، لتعالج عقبات الحصول على التعليم العالي عبر دمج التكنولوجيا الرقمية، وتقديم المشورة وجهاً لوجه، والحوسبة السحابية، وعمل مقيّمي الاعتماد لمساعدة طلاب الجامعة اللاجئين على حفظ الوثائق الأكاديمية ومشاركتها بأمان مع الجامعات والموَظِفين ووكالات المنح الدراسية. كما  تقدم في بعض الحالات الاستثنائية سبيلاً لتقييم قدراتهم الأكاديمية وإعادة بناء تاريخهم التعلّمي.

كيف تعمل Article 26 Backpack™؟

في أبسط مفاهيمها، يمكن اعتبار Backpack محفظة – طريقة بسيطة لحفظ الوثائق والصور، لكنها أيضاً أكثر من ذلك بكثير. إذ تعتمد على منصة رقمية طوّرتها وحفظتها واستضافتها يو سي دايفس (UC Davis) وتستفيد من مهارات “مرشدي Backpack” المتعددي اللغات ومن بنيات من مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية التي تعنى بتعليم اللاجئين، والجامعات ولا سيما الجامعة الأميركية في بيروت، والوكالات والمنظمات المحلية التي لا تبغى الربح والتي تعنى بتقييم الاعتمادات.

بمساعدة مرشدي Backpack، وهم عادة طلاب من المجتمع المضيف، يفتح اللاجئون حقائبهم عبر عملية تسجيل آمنة، ويصبحون “حاملي حقائب” (Backpackers). يُدخلون المعلومات حول تاريخهم التعلمي ويبدأون بتحميل وثائق إلى الحقيبة، مثل السيرة الذاتية، والإفادات، ورسائل التوصية، ونسخ عن الشهادات. في حال عدم امتلاكهم لنسخ الكترونية من الوثائق، يعمل المرشدون وحاملو الحقائب معاً على تصويرها وتحميل الصور. بالإضافة إلى الوثائق المحفوظة بأمان، يمكن لحاملي الحقائب أن يحضروا فيلماً قصيراً حول بيان الهدف يُدعى “قصتي/مستقبلي”. ويشكل هذا الفيديو جزءاً هاماً من الحقيبة لكونه يقدم إطاراً سردياً يكسب الوثائق جانباً إنسانياً.

 تنتمي الحقيبة ومحتواها لهم بالكامل وحصرياً، ولديهم الحرية في مشاركة محتواها مع من أرادوا. إنها فكرة جوهرية في حقوق الإنسان ومن أسس الحفظ، كما أنها تقلب رأساً على عقب مفهوم الوثيقة التي تتحكم بها المؤسسة أو الحكومة، مثل نسخ طبق الأصل. فتطابق حقوق الطالب بالخصوصية وحقه في التحكم بهويته الرقمية بمعايير حقوق الإنسان والحقوق الأخلاقية السائدة. عندما تمتلئ الحقيبة، يمكن لحاملها استخدام خاصية المشاركة فيها بحيث يتشارك محتواها مع مكاتب القبول الجامعي، ووكالات المنح الدراسية، والموظِفين المحتملين ومحترفي تقييم الاعتمادات، بطريقة آمنة وسهلة الاستخدام.

بالإضافة إلى المنصة الرقمية والمرشدين وشبكات الجامعات والمنظمات غير الحكومية التي تدعم الحقيبة وحامليها، تبني الجمعية الأميركية للمسجَلين والمسجِلين في الجامعات مجتمعاً من الخبراء في الاعتماد والتقييم ليتواصلوا مع حاملي الحقائب ويقوموا بتقييم الوثائق حين أمكن، والإجابة عن الأسئلة حول صلاحيتها وكيف يمكن أن تترجم في مختلف أنظمة التعليم العالي. تجعل طبيعة الحقيبة الإلكترونية المسافة الكبيرة بين حامل الحقيبة والذين يمكنهم مساعدتهم غير مهمة. كما يشكّل محتوى الحقيبة المواد الأولية لأحد أصعب التحديات في إعادة ربط الشباب، الذين لا يملكون أيّ وثائق أو القليل منها فقط، بالتعليم العالي.

وكحال الحقيبة الفعلية تماماً، تتمتع الحقيبة بجيوب تضم المزيد من الميزات التي من شأنها أن تساعد اللاجئين على ممارسة حقهم في التعلّم. يمكننا أن نتخيّل الحقيبة وهي تعمل لدعم مختلف أشكال الاعتماد التعليمي، والمساعدة في توسيع الوصول إلى المنح التعليمية بكونها وسيلة فعالة لتقديم الإرشاد والمشورة حول المهنة والتعلّم للطلاب اللاجئين. كما نتطلّع إلى إيجاد وسائل لجعل الحقيبة متوفرة بشكل أوسع لتقليل إمكانية اعتبارها وصمة تشير إلى الضعف أو إلى حالة اللجوء.

خلال إحدى الورش التدريبية لفريق الشمروع في لبنان. (تصوير: إليزابيث ماكاليستر ، جامعة كاليفورنيا ديفيس)

يتمثل هدفنا الأسمى في اعتبار مستخدمي الحقيبة هذه الأداة نوع من “العملة”، بحيث كلما تنقلت الحقيبة في الحلقات التعليمية والتوظيفية، كلّما زادت إمكانية تمكين الشباب اللاجئين من تحقيق الانخراط والنجاح الأكاديمي والمهني.

Article 26 Backpack™ في الميدان

في منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2017، قام تحالف يو سي دايفس-الجامعة الأميركية في بيروت- والجمعية الأميركية للمسجَلين والمسجِلين في الجامعات بالعمل مع شباب لاجئين على الحقيبة في ثلاثة مواقع في لبنان، منها مخيمَين للاجئين في البقاع. التقى طلاب الدراسات العليا في الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية اللبنانية، والذين خضعوا لتدريب في البداية للعمل كمرشدين، مع طلاب جامعيين لاجئين يعملون كمعلمين في المدارس التي وضعتها “جسور“، المنظمة رائدة لتعليم اللاجئين. وفتحوا معاً حقائب، وسجلوا مقطع فيديو يتضمن مقابلة قصتي/مستقبلي واكتشفوا كيف تعمل (أولا تعمل) العناصر الإنسانية والرقمية في الحقيبة على أرض الواقع.

فاقت نتائج التمرين التوقعات بشكل مذهل، إذ حصلت في ظل حالة سياسية صعبة في لبنان. كانت جميع أجزاء الحقيبة الإنسانية والرقمية المعقدة تعمل. أمّا في الأماكن التي فشلت فيها هذه العناصر، فتقبلنا هذه التجربة، إذ أنها سترشدنا إلى الطريقة التي سنراجع فيها الحقيبة ونطورها لتعمل بشكل أفضل.

تمكنتُ أيضاً من رؤية من يمكن أن تساعده الحقيبة فعلياً وأهمية هذه المساعدة. ففي مدرسة الجسور الابتدائية بالقرب من مدينة شتورا في البقاع ، شرح جمال، أحد أساتذة المدرسة وحامل لحقيبة اللاجئين، في فيديو قصتي/مستقبلي رغبته في الحصول على شهادته في التعليم ليعود إلى سوريا ويساعد في إعادة بنائها. لكن جمال كان قد أمضى العديد من السنين كسجين سياسي وطُرد من الجامعة لدى إطلاق سراحه. ومع الحرب، هرب إلى لبنان بطريقة غير شرعية. وبالتالي هو غير قادر على الحصول بطريقة رسمية على وثائقه الأكاديمية لاستكمال دراسته.

إنّ الاستماع إلى جمال الذي يمضي أيامه في تعليم الأطفال في المخيمات المجاورة، وهو يتكلم عن ماضيه المحفوف بالتعذيب والسجن بكامل الصراحة ومن دون أيّ ضغينة، وعن تعليمه باعتباره حقّ وواجب، يذكّرني بما نفقده ويتسبب بحرمان هذا الجيل من السوريين الشباب من التعليم.

*كيث ديفيد واتنبو، أستاذ جامعي ومدير المشروع.

ساهم في كتابة المقال ميلاني غوتليد، نائب الرئيس، الجمعية الأميركية للمسجَلين والمسجِلين في الجامعات؛ وهنا آدم الغالي، معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام