الآباء مفتاح تحسين التعليم في الشرق الأوسط

/ 29-01-2018

الآباء مفتاح تحسين التعليم في الشرق الأوسط

تشهد الأدوار والمعايير المرتبطة بمفهوم الجنسانية في العالم تغيراً سريعاً. وهذا هو الحال في الشرق الأوسط أيضاً، لاسيما وأن الدور المحوري الذي يقوم به الأب بصفته رأس الأسرة ومعيلها يمر بتحول دراماتيكي.

كشفت دراسة أجريتها وزملائي في مؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسة العامة عن وجود اختلافات كبيرة في مشاركة الآباء في تعليم الابناء في المنطقة وتغيراً في الدور الذي يلعبه الآباء العرب في حياة أطفالهم بمرور الوقت. كما وأظهرت الدراسة أيضاً الأثر الهام الذي تنطوي عليه تلك المشاركة في تقدير الذات والتحصيل التعليمي للأطفال طوال حياتهم.

خلال بحث سابق أجريته حول التحصيل الدراسي الضعيف للبنين في دولة الإمارات العربية المتحدة، لاحظت ظاهرة “الوالد الذي يتواجد في عطلة نهاية الأسبوع”، والذي يقضي طوال الأسبوع في العمل بعيداً في مدينة أخرى ويتواجد في المنزل في عطلة نهاية الأسبوع فقط. وتساءلت عما إذا كان تضاؤل حضور الآباء في حياة أطفالهم، ولا سيما في حياة أبنائهم من الذكور، يمكن أن يفسر الأداء الأكاديمي الضعيف نسبياً للفتيان في منطقة الشرق الأوسط – وهي منطقة تتميز ببعض من أكبر الفجوات العكسية في العالم في التحصيل الدراسي، حيث تتفوق البنات على الأولاد في التقييمات الدولية الرئيسية مثل بيسا PISA و تيمس TIMSS و بيرلس  PIRLS(اقرأ التقرير ذو الصلة: تحليل واقع التعليم العربي من خلال اختبارات تقييم الطلاب ال PISA والمقال ذو الصلة: هل يملك العلم الإدراكي الحل لمشكلة تأخر التعليم في العالم العربي؟).

لمعرفة ذلك، قمت وزملائي باستطلاع رأي حوالي 2,000 شخص بالغ في عشر بلدان في الشرق الأوسط، وسؤالهم عن مشاركة آبائهم في حياتهم وتعليمهم في وقت تنشئتهم. ثم تابعنا هذا المسح بأجراء ما يقرُب من 75 مقابلة معمقة عن تاريخ حياة المستطلعة آراؤهم.

وجدنا من خلال بحثنا بأن مشاركة الأب كانت عاملاً مهماً في تجارب الطفل التعليمية من خلال عدد من الطرق.

أولاً، وجدنا بأنه كلما كان يُنظر إلى الأب على أنه يشارك بشكل إيجابي في حياة طفله وهو يكبر، كلما ارتفع التقدير الذي يظهره الطفل لذاته كشخص بالغ.

ثانياً، وفيما يخص التعليم، وجدنا بأن المشاركين الذين أظهروا أدنى مستويات الثقة بالنفس كانوا الأكثر عرضة لانخفاض مستويات التعليم أيضاً. وعلى وجه الخصوص، كان هناك فرق كبير بين أولئك الموجودين في أعلى وأسفل طيف تقدير الذات، حيث أن أولئك الذين يقعون في الطرف الأدنى من الطيف من المرجح أن يحصلوا على شهادة الثانوية العامة فحسب أو أقل. وهذا يتفق مع الأدبيات الأوسع نطاقاً عن تقدير الذات، والتي تؤكد أيضاً على وجود صلة بين تقدير الذات والإنجاز الأكاديمي، على الرغم من أن الاتجاه الدقيق لهذا الرابط غير واضح.

ثالثاً، وعلى صعيد التعليم أيضاً، وجدنا اختلافات كبيرة داخل المنطقة من حيث مشاركة الآباء في التعليم، مع مشاركة أكبر للآباء من بلاد الشام ” وشمال أفريقيا في تعليم أطفالهم مقارنة بمشاركة الآباء من دول الخليج. وكان الأخيران أكثر احتمالية في أخذ أطفالهم في نزهة أو إلى المستشفى على أن يقوموا بزيارة مدرستهم.

من خلال المقابلات، أدركنا بأن هناك فجوة بين الأجيال أيضاً. ففي الجيل الذي عاش في مرحلة ما قبل النفط، وفي منطقة الخليج على وجه الخصوص، كان الأطفال على اتصال يومي أكثر بكثير مع آبائهم عمّا هو الحال عليه اليوم.

ففي الماضي كان الآباء الخليجيون يعملون جنباً إلى جنب مع أبنائهم، وفي شركة عائلية في العادة، في مجال الزراعة أو التجارة. لكن هذا أصبح أقل شيوعاً بعد اكتشاف النفط، الذي بشر بفرص عمل جديدة للرجال، في الجيش والشرطة وفي توسيع قطاع الخدمة المدنية.

حيث بدأ الآباء، ولا سيما في منطقة الخليج، بمغادرة المنزل للعمل. وأدى ذلك إلى جعل الأمهات أكثر مسؤولية عن تنشئة وتعليم الأطفال، من الفتيات والفتيان على حدٍ سواء. لكن نظام المدارس الذي يفصل بين الجنسين في دول مجلس التعاون الخليجي يعني في كثير من الأحيان إهمال تعليم الأولاد، لأن الآباء كانوا مشغولين جدا أو غير متاحين لحضور اجتماعات الآباء والمعلمين أو أية أنشطة مدرسية أخرى تكون مخصصة للرجال في العادة.

كما توجه العديد من الرجال من بلاد الشام وشمال أفريقيا إلى الخليج بحثاً عن فرص العمل. وبينما كان في إمكانهم في الغالب استقدام أسرهم، إلا أن الأطفال غالباً ما يعودون إلى وطنهم لمتابعة تعليمهم العالي، والبقاء مع أقاربهم هناك.

باختصار، أكد بحثنا بأن مشاركة الآباء في الشرق الأوسط أمرٌ مهم، وأنه لا ينبغي التقليل من تأثير الانخراط الإيجابي للآباء العرب في تعليم أبنائهم على تقدير الذات والتحصيل التعليمي لأطفالهم.

أما بالنسبة لواضعي السياسات، تتضمن المعطيات الرئيسية لهذه النتائج الحاجة إلى تقديم المزيد من الدعم للآباء في بداية حياة أطفالهم، وذلك على شكل زيادة في فرص الحصول على إجازة أبوة، والدعم المستمر للآباء كي يكون في امكانهم ان يكونوا أكثر نشاطا في المشاركة في تعليم أطفالهم وتربيتهم.

كما ينبغي تشجيع الآباء وإتاحة الوقت لهم لحضور اجتماعات الآباء والمعلمين، والقراءة لأطفالهم، وقضاء أكبر قدر ممكن من الوقت مع أطفالهم، من الأولاد والبنات على حدٍ سواء. وينبغي أيضا تشجيع الأمهات ودعوتهن إلى المشاركة بشكل أكبر في تعليم أبنائهن، سواء أكان الأولاد في مدارس للذكور فقط أو في مدارس مختلطة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك حاجة لتقديم دعم خاص للآباء من ذوي الدخل المنخفض والذين يكافحون أكثر من غيرهم لتلبية المطالب التنافسية لواجبات الأبوة والكسب الاقتصادي، وغالباً ما يعملون لساعات طويلة وأحيانا في أماكن أخرى، سواء أكانت خارج البلد أو داخله.

هناك حاجة أيضاً إلى إعادة النظر في القوانين التي تقتضي أن يكون الرجل هو المعيل  الرئيسي للأسرة في ضوء وجود أعداد كبيرة  من النساء العاملات في المنطقة. ومن شأن ذلك أن يسمح للمرأة ويشجعها على المساهمة على قدم المساواة في تغطية نفقات الأسرة المعيشية.

كما وينبغي بذل مزيد من الجهود لمعالجة النقص المزمن في المعلومات المتوفرة لدينا عن الآباء، وعن الأسرة ككل، في الشرق الأوسط. ومع تغير المجتمعات وتغير أدوار الجنسين، فإن هناك حاجة ماسة إلى فهم أفضل لتجارب وتأثير الآباء من أجل ضمان أن تكون الأجيال المقبلة رافداً لعناصر منتجة ومنضبطة بشكل جيد في المجتمع.

ناتاشا ريدج هي المديرة التنفيذية لمؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسة العامة، في رأس الخيمة، ومؤلفة كتاب “التعليم والفجوة العكسية بين الجنسين في دول الخليج: احتضان العالمية وتجاهل المحلية“.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام